هيثم المالح نضال الشيوخ وثورة الشباب

السبت 2014/03/08
رجل خبر اساليب المخابرات السورية

ربما كانت عثرته على رصيف الفندق في سويسرا والـ12 غرزة التي خاط بها الأطباء جرحا في جبهته فألا كافيا لتتوقع المعارضة السورية مصير مؤتمر “جنيف 2″ والذي مازال حتى بعد فشل افتتاحه الفاقع في مونترو وجولتي تفاوض في جنيف هو كل ما لدى العالم من رد على المقتلة السورية.

جرح كبير في الرأس، يعني طبيا أنّ ثمة سببا يستوجب راحة طويلة، لكن الختيار عنيد بما يكفي ليحمل أعوامه الـ83 ويحضر المؤتمر وعلى جبهته لصاقة طبية هائلة، ولا يعرف كيف نظر المالح إلى قانونية الحوار الذي جرى في جنيف، بين ممثلين عن النظام وآخرين عن المعارضة السورية، وما هي المحددات التي يمكن أن يقبل بها القاضي الحاد، وتلك التي قد يتغاضى عنها بعد أن أصبح سياسياً يؤمن بفن الممكن.

القاضي المخضرم


هيثم المالح المحامي والقاضي والحقوقي والمعارض السوري المخضرم وأحد أكثر وجوه المعارضة السورية إثارة للجدل، الرجل الذي يعتبره البعض حجة في القانون ويراه آخرون متجاوزين الأًول بوصفه بأنه رجل بدأت تظهر عليه علامات الخرف، سيرة تجعل هيثم المالح واحدا من قلة نادرة خبرت أساليب التحقيق من عبدالحميد السراج وصولا إلى علي دوبا وجميل حسن.

تعود حكاية هيثم المالح الذي هو الآن رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف السوري مع السياسة إلى العام 1951، وهو معروف بميوله الإسلامية والقومية العربية. اعتقل مرات عدّة في عهد نظامي حافظ الأسد وابنه، وانضم في بدايات الثورة السورية إلى المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري، وسرعان ما استقال من منصبه وأسّس التجمّع الوطني السوري في نهاية فبراير 2012، جنبا إلى جنب مع كمال اللبواني، في الوقت الذي أبقى فيه على علاقات رمزية مع المجلس الوطني. وبرر المالح خطوته بـ “التنافر وعدم وجود جهود مؤسّسية بالإضافة إلى احتكار السلطة من قبل رئيس المجلس″ وكان وقتها هو الدكتور برهان غليون.

حياة المالح تجعله واحدا من قلة نادرة خبرت أساليب المخابرات السورية من زمن عبدالحميد السراج وصولا إلى علي دوبا وعلي مملوك و جميل حسن


المالح صاحب فكرة الحكومة الانتقالية

بعد نشر خطة المبعوث الدولي كوفي أنان للسلام أعرب المالح عن شكوكه بشأن فرص نجاح المبادرة ملمحاً إلى أن نظام الأسد لن يحترم أحكامها. وقد أصرّ بدلا من ذلك على ضرورة تسليح الجيش السوري الحر.

ولاحقا انفصل المالح تماماً عن المجلس الوطني من خلال إطلاق لجنة أمناء الثورة، وهي مجموعة معارضة مقرها في القاهرة هدفها المعلن هو تجديد الحوار بين أطياف المعارضة السورية وتشكيل حكومة انتقالية ذات بعد عربي قوي على أن يتم نقلها لاحقا إلى حلب وذلك كبديل للمجلس الوطني الذي يتّخذ من إسطنبول مقرا له. وقد ندّد أعضاء المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحر بهذه المبادرة على الفور باعتبارها خطوة مثيرة للانقسام للغاية وسابقة لأوانها.

حصل المالح، المولود في دمشق العام 1931، على شهادة في القانون ودبلوم في القانون الدولي العام، وبدأ ممارسة المحاماة في العام 1957. وانخرط في العمل والنشاط السياسي منذ 1951 إبان الحكم العسكري للرئيس أديب الشيشكلي لكنه لم يتعرض للاعتقال سوى في عهد حافظ الأسد في مطالع الثمانينات مع أعداد كبيرة من النقابيين والناشطين السياسيين والمعارضين بسبب مطالبته بإصلاحات دستورية، أضرب أثناء اعتقاله عن الطعام عدة مرات بلغ مجموعها 110 أيام منها 70 يوما متواصلة أشرف خلالها على الموت.


وسام غوزين الهولندي لحقوق الإنسان

تعاون المالح في وقت لاحق مع منظمة العفو الدولية وشارك في تأسيس منظمة حقوق الإنسان في سوريا وحصل على وسام “غوزين” الهولندي عن “نضاله الشجاع من أجل حقوق الإنسان” في العام 2009.

تجربته الأولى مع الاعتقال كانت في أعقاب تطورات قضية النقابات المهنية وحلها خلال نهاية العقد الأول من حكم حافظ الأسد واشتداد المواجهة مع الإسلاميين وبدا من الواضح، أن الأمور تسير باتجاه اعتقال نشطاء تلك النقابات، وقد تم إرسال إشارات عديدة إلى هيثم المالح، أنه سيكون في عداد المعتقلين، قبل أن ينفذ ذلك الإجراء عملياً في صباح الثالث من ماي 1980، ويتم اقتياده إلى فرع الأمن الداخلي التابع لجهاز إدارة أمن الدولة، بادئاً فترة سجن استمرت سبع سنوات تقريبا مع عدد من رموز ونشطاء تلك الفترة بينهم من المحامين رشاد برمدا وموفق الكزبري وبهجت المسوتي وعدنان عرابي ومحمد الحموي وميشيل عربش.

طرح المالح مبادرته في تجديد الحوار بين أطياف المعارضة السورية وتشكيل حكومة انتقالية ذات بعد عربي قوي على أن يتم نقلها لاحقا إلى حلب فنددت المعارضة السورية به ورفضت الفكرة التي طرحت فيما بعد في بيان جنيف 1

اعتقل المالح مرة أخرى في 14 أكتوبر 2009 أيضا في نهاية العقد الأول من حكم بشار الأسد وله من العمر 78 عاما وقد أعلنت منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان في لندن ودمشق أن فرع الأمن السياسي في دمشق اعتقله على خلفية حوار هاتفي أجرته معه فضائية بردى السورية المعارضة وقد انتقد المالح في حواره الأوضاع في سوريا ودعا إلى محاربة الفساد. وقال “في سوريا، يزداد الفقير فقراً، بينما يزداد الغني تخمةً، إضافة إلى نهب المال العام والفساد المستشري.. وبسبب هذا الوضع غير المقبول، تفكّر كل مجموعة بالتحرّك بصورة من الصور”. وأضاف “المستقبل مرهون بيد الشعب، وأن على الناس أن تدافع عن مصالحها وأنه على كل مواطن أن يعي حقوقه ويدافع عنها” و”يجب ألاّ نتنكّر عن الحقّ وإلا تدمّر البلد”، اعتقل عامين في السجن وأطلق سراحه إثر عفو رئاسي عام بتاريخ 13 مارس 2011 أي قبل اندلاع الثورة السورية بيومين.


الإسلامي العروبي

تظل ثنائية الإسلامي ـ العروبي التي طبعت توجهات أجيال كاملة منذ ما يزيد على نصف قرن تفسيرا مريحا لتطورات حياة ابن حي ساروجة الدمشقي العريق وابن رجل من أواسط القوم الدمشقيين كان يعمل في تصليح الساعات وعدادات القطارات. فهو واحد من آلاف انتخوا يوما للتطوع في تدريبات قتالية على امتداد سوريا للمشاركة في الدفاع عن مصر الناصرية لكنه أيضا وبحكم تربيته الأولى الدينية، والحق أن الرجل كان مشغولا أكثر بالدفاع عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان والدخول في مواجهات مع أنظمة تزداد سوءا مع تقدم سوريا في مسيرة انتقالها من الحياة البرلمانية المتقطعة إلى ارتباك العروبية الناصرية وأخيرا نحو وحول القومية البعثية لتغرق طويلا في مستنقع الأسدية، كما أنه لم يعرف عنه التزام عقائدي نهائي بتيار سياسي إيديولوجي، لكن نشاطاته “الثقافية الإسلامية”. كما يقول عن نفسه أتاحت له التعرف على عوالم الإسلاميين، والحديث هنا عن شخصيات من العيار الثقيل يعرّفهم بالقول “شخصيات إسلامية محلية بينهم زملاء دراسة وأساتذة في الجامعة وشخصيات في المجتمع السوري، إضافة إلى شخصيات إسلامية عربية وأجنبية زارت دمشق في الخمسينات” ومنهم علي الطنطاوي وأحمد مظهر العظمة وعصام العطار ومصطفى الزرقا ومحمد بن كمال الخطيب، ومؤسس الجماعة الاسلامية الباكستانية أبو الأعلى المودودي والمصريون أبو الحسن الندوي ومحمد الغزالي ومحمد أبو زهرة.

قد يتيح هذا تفسيرا لاختيار المالح القاهرة مقرا لنشاطه الثوري إبّان حكم جماعة الإخوان المسلمين، لكن هل سيفسر هذا أيضا ظهور المالح في برنامج مباشر بدا فيه نصف مرتاح مع الشيخ عدنان العرعور في ذروة شهرة رجل الدين السوري الإشكالي وهجومه الضاري على تشكيلات المعارضة السورية وخصوصا المجلس الوطني الذي هيمن عليه الإخوان ورئيسه الأول “العلماني” برهان غليون؟ في النهاية الرجل محام ويجيد صناعة قضاياه.


النازي فيشر والمحقق المالح

وفي سجل القضايا الفريدة لدى المالح الكثير من التجارب منها أنه كان يعمل محققاً في دائرة التحقيق الثانية بدمشق حين وقع انفجار في مكتب بريد العاصمة مطلع 1961 ليتبين لاحقا أن طرداً بريدياً مفخخا انفجر بين يدي مساعد النازي أيخمن الذي اختطفه جهاز الأمن الاسرائيلي ” موساد” من البرازيل، وكان هذا المساعد يعيش في دمشق تحت اسم مستعار هو جورج فيشر وكانت نتيجة محاولة الاغتيال أن فقد ” فيشر” إحدى عينيه، فحقق المالح في القضية مرتين في مشفى المواساة. وفي قضية أخرى، أطلق المالح حين كان قاضياً للتحقيق، سراح مجموعة من المعتقلين ينتمون إلى حزب التحرير الإسلامي كانت إحالتهم إليه النيابة العامة بعد أن حقق معهم جهاز الأمن السياسي ويقول المالح في موقعه الإلكتروني إنه لمس أنّ ” التحقيق انصب على آرائهم الشخصية، وليس على أفعالهم”.

كان المالح قاضياً محققاً في العام 1961 حين انفجر طرد بريدي مفخخ بين يدي النازي أيخمن الذي عاش في دمشق تحت اسم مستعار هو جورج فيشر


من الثورة إلى المفاوضات

لم تكن استجابة هيثم المالح لانفجار الثورة السورية أمراً خارجا عن المألوف والمتوقع، وهو في الحقيقة حصل على عفو، لا معنى قانوني له باعتباره كان سجين رأي، في إطار محاولة فاشلة من الأسد لاستباق نتائج سقوط نظامي بن علي في تونس ومبارك في مصر.

لكن الثورة السورية في قوتها الهائلة وضعت الجميع أمام منطق جديد كليا فبقدر ما دمر تسونامي التظاهرات حضور سطوة الخوف التي مثلها إرث حافظ الأسد وامتداده في ابنه فقد منحت السوريين قدرة على إسقاط أية حصانة منحتها ظروف الاستثناء القامع السابقة وبات على المعارضين “النجوم” أن يتحولوا إلى مواد للنقد يتعلم الشعب بها ممارسة علاقة ديمقراطية أكثر وضوحا مع “القادة”، وما كان للختيار أن يحصل على معاملة مميزة مع أنه من بين هؤلاء “النجوم” ولا يبدو شديد الاكتراث بتسريبات تلاحق تفاصيل حياته اليومية، كغيره.

أنهى المالح ورفاقه في وفد الائتلاف، جولة ثانية من التفاوض مع وفد نظام الأسد في جنيف دون نتيجة سوى انكشاف أن النظام لا يمكنه عضويا استيعاب ما يطلق عليه “حل سياسي”.. وبدا أن جرح عثرة الختيار في أول المؤتمر قد اندمل لكنه مازال يملك ميزة أخرى تحتاج ربما إلى أن يعيش الرجل نصف القرن الماضي من حياته مجددا في زمان لا وجود فيه للأسد، أبا وابنا، كي يندمل، يقول المالح إن “آخر مرة نظر فيها عبر مائدة إلى ممثل لحكومة الأسد كانت أثناء استجوابه. بتهم من بينها.. وهن نفسية الأمة”.

15