هيثم حسين وكتاب حول وجه الروائي وأقنعته

الأحد 2015/01/25
غابرييل غارسيا ماركيز من أكثر الروائيين العالميين شغفا بشخصياته الروائية

أبوظبي ـ يصدر الأسبوع المقبل في أبوظبي كتاب نقدي جديد للروائي والناقد السوريّ هيثم حسين بعنوان “الشخصيّة الروائيّة.. مِسبار الكشف والانطلاق” . يتطرّق الكاتب إلى بعض أسرار الروائيّين في اختلاقهم لشخصيّات أبطالهم، ورسمهم للملامح المميّزة لهم، واقتفائهم لآثارهم في الروايات، وفي الحياة، وكيف أنّ كلّ ما ومَن يحيط بالروائيّ يظلّ مرشّحاً للنهوض بدور من أدوار البطولة في إحدى رواياته.

ويوضّح أنّ كلّ امرئ هو مشروع شخصية روائيّة، وأنّ حياته هي مادّة خصبة للرواية، يمكن الانطلاق منها لكشف بعض الألغاز وتفكيكها، من خلال سبر الأعماق، وتظهير الصور المخبوءة في عتمة الدواخل.

كما يحاول الإجابة عن العديد من الأسئلة، من قبيل: كيف يبدع الروائيّ شخصيّاته؟ هل هي محض خياليّة أم فيها شيء من عالمه؟ وما هي مشاعره تجاهها؟ هل يحبّها أم يكرهها أم يخفي مشاعره؟ وما هي مشاعره تجاه قسوة مصائرها؟

يحتوي الكتاب على مقدمة بعنوان: الشخصيّة الروائيّة وسلطتها النافذة. وثلاثة فصول هي: بعض أطــوار الشخصيّة الروائيّة، التداخل بين

شخصيّة الروائيّ وشخصيّاته الروائيّة/مقاربات في السيَر والمذكّرات، مرونة الشخصيّة وتفعّلها المستمرّ/التأثير والتأثّر في الرواية.

مما ورد في المقدمة: “المشاعر إزاء الشخصيّة الروائيّة محطّ اهتمام وموضع تجاذب، ذلك أنّ الرواية باعتبارها تقليداً للواقع في بعض جوانبه، وتصويراً لبعض معتركاته، فإنّها تتمتّع بمقدرة استيعابيّة هائلة، تحتضن مختلف النماذج، وليس بالضرورة أن تكون الشخصيّات كلّها مقرّبة من قلب الروائيّ، لكن لا مناص من التحكّم بالمشاعر لتظهر على طبيعتها دون أن تتحمّل تلبيسات معيّنة قد لا تنسجم مع بنيتها وتكوينها”.

جدير بالذكر أنّ الكاتب هيثم حسين من مواليد مدينة عامودا 1978، بسوريا. له في الرواية: «آرام.. سليل الأوجاع المكابرة»، «رهائن الخطيئة»، «إبرة الرعب»، وفي النقد الروائي: «الرواية بين التلغيم والتلغيز»، «الرواية والحياة»، «الروائيّ يقرع طبول الحرب»، وفي الترجمة عن الكردية: «مَن يقتل ممو..؟ أرجوحة الذئاب»، مجموعة مسرحيات. وننشر هنا فصلا من الكتاب الذي سيصدر الأسبوع المقبل عن “دار نون” الإماراتية.

تعدّ الشخصيّة الروائيّة من أهمّ أسس البنيان الروائيّ، يختلف تعاطي الروائيّين مع شخصيّاتهم تبعاً لكثير من الأمور، في بعض الأحيان تفرض الشخصيّة نفسها على الروائيّ، وفي أحيان أخرى، تفترض محاورُ العمل الروائيّ شخصيّاتٍ بعينها، فيخلقها الروائيّ ليسدّ بها الفراغ الذي قد ينشأ، يحتاج إليها العمل، يرسمها بطريقة آليّة، ويتخلّى عنها بعد أن تؤدّي دورها المحدَّد، وفي هذه الحالة، يختلف الشعور حيالها، فقد يتركها بعد توظيفها في المحور المختار دون أيّ رأفة أو اهتمام، فلا يعود إلى ذكرها لاحقاً، وينهي استمراريّتها بإنهائها، وقد يفسح لها المجـال لتستكمــل دوراً ما حتّى في غيابها.

إشكاليّة الشخصيّة الرّوائية لا تضبط بتعريف ولا تحدّد بمقياس ثابت، الأنماط المتعدّدة الموجودة للشخصيّة تجعل الشخصيّة الروائيّة كتقنية

إشكاليّة الشخصيّة الرّوائية لا تضبط بتعريف ولا تحدّد بمقياس ثابت، الأنماط المتعدّدة الموجودة للشخصيّة تجعل الشخصيّة الروائيّة، كتقنية، خارج أيّ تنميط، لأنّها من أكثر عناصر الرواية مرونة، تبدو بسيطة بقدر تعقيدها، لذلك فإنّها تظلّ عصيّة على التقييد والتقعيد، بعيداً عن التعريفات المدرسيّة التبسيطيّة، وبعيداً عن الافتراضات التسطيحيّة التي ترهن الشخصـيّة لرغبات مفروضة ونزعات ملبّسة.

كيف يبدع الروائيّ شخصيّاته؟ هل هي محض خياليّة أم فيها شيء من عالمه؟ وما هي مشاعره تجاهها؟ هل يحبّها أم يكرهها أم يخفي مشاعره؟ وما هي مشاعره تجاه قسوة مصائرها؟

هناك شخصيّات تكون حاضرة في ذهن الروائيّ قبل المباشرة بعمله، أي تكون الشخصيّات-الشرارات، ولا يقتضي ذلك أن تظلّ رئيسة، بل يمكن أن تتحوّل مع تصاعد المحاور الدراميّة وتداخل الخطوط والخيوط إلى شخصيّات ثانويّة، كما أنّ كلّ شخصيّة تفترض ندّاً أو مكافئاً لها في العمل، وهكذا يجد الروائيّ نفسه أمام شخصيّات ينطلق بها ومنها، ثمّ يخلق أخرى يحتاج إليها العمل، وتقتضيها الأحداث والمجريات والتوازنات والتجاذبات. يمكن أن تكون الشخصيّة الروائيّة تصويراً لشخصيّة واقعيّة بعينها، كما يمكن أن تكون جمعاً ومزجاً لعدّة شخصيّات واقعيّة وأخرى متخيّلة. ترتبط بالواقع لكنّها لا تتطابق معه تماماً. تلتقي في نقاط وصفات وتفترق في أُخرى.

يستحيل أن تكون الشخصيّة الروائيّة محض خياليّة، لأنّ الروائيّ يعيش في عالم مصطخب، ولا يمكن التغافل عن أيّ مكوّن من مكوّنات عالمه النفسيّ والماديّ بأيّ شكل من الأشكال، ولا يمكن ممارسة القطيعة مع عالمه، لأنّ فكّ الارتباط مكلف ومعقّد وخطير، ومن هنا، فإنّ الشخصيّة الروائيّة تشتمل على الكثير ممّا يحيط بالروائيّ، حتّى أكثر الشخصيّات غرابة، وأبعدها عن واقعه، تنوجد بطريقة أو أخرى، تجتاح عالمه، أو تكون قد اتّخذت لها مستقرّاً في قرارته، أو قد خمدت في ذاكرته، وجاءت الرواية لتثوّرها، وتشعلها في بحر أحداثها. كلّ شخصيّة هي جمرة في قلب الروائيّ، يغلّفها بالذاكرة، ويحرص ألّا يطالها رماد الإهمال والنسيان، لأنّه في حاجة دائمة إلى كلّ مَن وما مرّ معه.

المشاعر إزاء الشخصيّة الروائيّة محطّ اهتمام وموضع تجاذب، ذلك أنّ الرواية باعتبارها تقليداً للواقع في بعض جوانبه، وتصويراً لبعض معتركاته، فإنّها تتمتّع بمقدرة استيعابيّة هائلة، تحتضن مختلف النماذج، وليس بالضرورة أن تكون الشخصيّات كلّها مقرّبة من قلب الروائيّ، لكن لا مناص من التحكّم بالمشاعر لتظهر على طبيعتها دون أن تتحمّل تلبيسات معيّنة قد لا تنسجم مع بنيتها وتكوينها. وأعتقد أنّ في القول بأنّ الشخصيّات الروائيّة هي كالأبناء، فيها الخيّر والشرّير، بعضاً من الانسياق وراء تعميمات بعينها، لأنّ الرواية كحرفة، تُبتنَى عوالمها ببراعة وتدقيق من قبل الروائيّ، ويظلّ دور المصادفة محدوداً، لكن هذا لا يعني أنّ مشاعر الروائيّ معدومة أو محدودة إزاء شخصيّاته، قد يقع في أسر بعضها، حبّاً أو كرهاً، قد تشغفه بأفكارها وجنونها، لكن لا بدّ أن يتحرّر من تلك السطوة كي يتمكّن من بناء عالمه من مختلف الزوايا. ولو أنّه ظلّ سجين شعور بعينه، لن يتمكّن من تصوير الأبعاد المختلفة. كما أنّه يستخرج شخصيّاته كلّها من داخله، لتستكمل الشخصيّة الدورة الواجبة، يستعيرها دون استئذان، يعرضها على مصفاته الفكريّة والنفسيّة، يمرّرها إلى الرواية بعد فَلترتها.

وجه الروائي وأقنعته

الروائيّ يخلق عمله، يتحلّى ببعض صفات المحرّر، من حيث إفساح المجال للمصير المرتَقب أن يقوم بدوره، وترك الخطوط تسير إلى منتهاها المرسوم. وقسوة المصائر المنتقاة ليست بعيدة عن قسوة الوقائع المَعيشة، هي أصداء لها، لكنّها قسوة تحفر في قلب الروائيّ. وليس من السهولة التحرّر من ذاك الألم الذي تخلقه النهاية البائسة، كما ليس من اليسر الفكاك من سحر الشخصيّة، ولا من الأسى الذي ينتج جرّاء موتها الحتميّ، وذلك مع انعدام أيّ مجال لتغيير ذاك المصير القاسي.


بعض أطوار الشخصية الروائية


الروائيّ الذي يعتاد على التعامل مع شخصيّات يخترعها، قد يتورّط في اللعبة التي يدير خيوطها بنفسه، فيعامل نفسه باعتباره شخصيّة لا مخترع شخصيّات ومديرها فقط، كحال الأميركيّ وليم فوكنر (1897- 1962)، الحائز على جائزة نوبل للآداب 1950، الذي يعامل نفسه أحياناً كشخصيّة روائيّة منشطرة، يقسّم نفسه إلى ثلاثة أشخاص، أصبح يعرفهم بالتراكم، واحد يفترض ويتوقّع، الثاني ينتقد، الثالث يحاول أن يتواصل معهما، والثلاثة يتعاركون فيما بينهم كثيراً، فيستمدّ من تلك المعارك موادّه الكتابيّة. ويذكر فوكنر أنّ الكاتب بحاجة للتجربة والملاحظة والخيال، ويؤكّد أنّ الكاتب يخلق أناساً يمكن تصديق وجودهم في حالات مؤثّرة صادقة بأقصى ما يستطيع من التأثير، ولا يذكر أنّ التقنية بحدّ ذاتها قد تتحوّل إلى التجلّي في الرواية على شكل انعكاس للشخصيّة الروائيّة، وذلك ما اعتمده في روايته ذائعة الصيت «الصخب والعنف» التي اعتمدت بنية مفتّتة غير مرتّبة، وانبنت على مونولوجات تطلقها عدّة شخصيّات تظهر بالتدريج العلاقات المتشابكة التي تربط فيما بينها، كما يخلق أحياناً شخصيّات منفّرة، أو شخصيّات تستدرّ التعاطف.

كما أنّ هناك من يتحدّث عن شخصيّات منغلقة، تتكتّم على البوح، ولا تسلّم مقاليدها لمخترعها، أو بانيها، تمتنع عن المسايرة، من هؤلاء الأميركيّ جون شتاينبك (1902)، الحائز على جائزة نوبل للآداب 1962، حيث يؤكّد أنّه يصعب أن تفتح شخصاً وتنظر داخله، ثمّ إنّ هناك مسحة من الامتناع المحتشم حول موضوع الخصوصيّة؛ إلاّ أنّ الكتّاب والمحقّقين لا يستطيعون التمتّع برفاهيّة الخصوصيّة. وبرغم ما يتحدّث عنه من خصوصيّة إلاّ أنّه ينتهك الخصوصيّات الشخصيّة، ويبرّر ذلك بالاضطرار الذي لا محيد ولا بديل عنه، ثمّ يتحدّث عن تقنياته حول بناء شخصيّاته الروائيّة في «شرق عدن»، يروي أنّه فتح عدداً كبيراً من أدمغة الناس، ولا يغفل عن أنّ هذا الفعل لا بدّ أن يغضب بعضهم، لكنّه لا يستطيع تجنّب ذلك. يتخيّل شتاينبك الذي اتّهِم مراراً بالكتابة عن أشخاص غير طبيعيّين، الشخصيّة الإنسانيّة كغابة منتنة مليئة بالمسوخ والشياطين وقليل من الأضواء، وتبدو له مكاناً خطيراً لأن يغامر المرء بالدخول إليها.

أمّا الأميركيّة الأفريقيّة الأصل توني موريسون، الحائزة على جائزة نوبل 1992، فإنّها لا تتوافق مع رؤية شتاينبك وطريقته الروائيّة في انتهاك الخصوصيّات، وتؤكّد أنّ لها طريقتها الخاصّة في التعامل مع شخصيّاتها الروائيّة. موريسون التي اهتمّت بالكتابة عن شخصيّات السود، استكشفت عوالمهم بلغة دقيقة غنيّة، تشتغل على شخصيّات منشطرة في بعض رواياتها، كشخصيّة الفتاة الصغيرة السوداء التي تعيش في أوهايو، في روايتها «أشدّ العيون زرقة»، إذ تعتقد أنّ عينيها زرقاوان، وتتخيّل الكثير من الأحداث، وتستعرض الكثير من المواقف البائسة المريرة التي تعرّضت لها.

التقنية بحدّ ذاتها قد تتحوّل إلى التجلّي في الرواية على شكل انعكاس للشخصيّة الروائيّة

تؤكّد موريسون أنّها لا تستعمل أحداً تعرفه أبداً في بناء شخصيّاتها الروائيّة، وأنّها حذرة جدّاً في هذا المجال، فلا تؤسّس شخصيّاتها على أحد، ولا تفعل ما يفعله كثير من الكتّاب، وأنّها لا تجد من المناسب أن يصوغ المرء حياته من حياة الآخرين، لأنّ لذلك مضامين ومسؤوليّات أخلاقيّة، وتؤكّد أنّها تشعر في الرواية بأنّها في أفضل حالاتها ذكاءً واتّقاداً وإثارة عندما تكون كلّ شخصيّاتها مُخترعة، لأنّها لا تتنازل عن موقفها في أنّ تأسيس شخصيّة ما على حياة أناس آخرين، تمثّل انتهاكاً لحقوق النشر بالكامل، وأنّ ذلك الشخص يملك حياته، ولديه براءة بذلك، ولا ينبغي أن تكون حياته عرضة للاقتباس الروائيّ، وتؤكّد أنّها تقمع شخصيّاتها أحياناً، حين تكتشف أنّها قد احتلّت حيّزاً أكبر من المسموح به لها.

ونجد أنّ الشخصيّة التي تشكّل بؤرة وشرارة في الوقت نفسه، لا تلازم حالة واحدة، بل تمرّ بتحوّلات كثيرة، وهذا ما يؤكّده الكولومبيّ غابرييل غارسيا ماركيز (1928 – 2014)، الحائز على نوبل 1982، في أكثر من موضع، وهو الذي بنى عدداً من شخصيّاته على شخصيّات واقعيّة عايشها، وقد تحدّث عن بعض من ذلك في كتابه السيريّ «عشتُ لأروي..»، ويصف ماركيز الشخصيّة الروائيّة بأنّها عبارة عن كولاج من عدّة شخصيّات عرفها أو سمع بها أو قرأ عنها.

وعن بنائه لشخصيّة الديكتاتور في رائعته «خريف البطريرك»، يؤكّد أنّه قرأ كلّ شيء وجده عن ديكتاتوريّات أميركا اللاتينيّة، وأنّه تحدّث إلى أناس كثيرين عاشوا الديكتاتوريّة، وأنّه فعل ذلك لمدّة عشر سنين، ثمّ بذل مجهوداً لنسيان كلّ شيء كان قد سمعه أو قرأه، ليتمكّن من الاختراع دون أن يستعمل أيّ حالة حصلت في الواقع.

15