هيثم.. صانع الدهشة

الطفل في سنوات عمره الباكرة كالصفحة البيضاء، شديد الاستعداد لتعلم كل الفنون والعلوم والآداب والثقافات التي يتلقاها من القائمين على تربيته في البيت والمدرسة.
الاثنين 2019/04/15
تجربة ثرية

تحرر عقلية الأطفال، نقاء ذهنيتهم، وخلوها من الخبرات والتجارب السابقة التي تثقل عقول وذهنيات الكبار، تجعلها بيئة خصبة وأرضا ممهدة لبذر الحكي الرائق فيها، وغرس أفكار ذات قيمة، ومدلولات عظيمة تربي النفس وتهذبها، وزرع قيم الحب والخير والجمال في نفوس صافية.

الطفل في سنوات عمره الباكرة كالصفحة البيضاء، شديد الاستعداد لتعلم كل الفنون والعلوم والآداب والثقافات التي يتلقاها من القائمين على تربيته في البيت والمدرسة.

ثمة معارف حقيقية وعلوم وفنون وآداب، من اللازم علينا تزويد الأطفال بها لمجابهة الجهل المحيط في كافة الاتجاهات، والتحصن بالعلم والمعرفة في حياتهم العملية مستقبلا، هذا إذا كانت العلوم التي نتلقاها في مدارسنا الإلزامية غير كافية، وأظنها كذلك، بل هي بالفعل صورة ثلاثية الأبعاد لتجذير السطحية والقشور من المعارف والعلوم.

تعرف قصة هيثم؟ صاحب عربة الحواديت؟ طبعا، هيثم صديقي. كانت هذه الكلمات البسيطة المغلفة ببراءة طفل لم يكمل عامه السابع بعد، بداية حديث مطول، وبحث دقيق عن هيثم، بائع النجوم والأحلام، ذلك المدرس الشاب الذي جاب بسيارته الخاصة البسيطة، قرى ونجوع كثيرة، في مصر، رابطها المشترك هو حرمان أطفالها من متعة القراءة والتثقيف، الذي غاب عن أماكن كثيرة، كبارها وصغارها وحتى متعلميها، فبعضهم لا يحمل سوى شهادات ورقية فقط، مؤهلات تخرجهم من تصنيف “الأمية”، لكنها لا تضيف إلى مخزونهم المعرفي والثقافي شيئا.

يستغل المدرس الشاب أيام العطلات ليجوب بسيارته البسيطة قرى نائية، يحكي للأطفال قصصا من أدب الطفل، وخاصة الأدب العالمي، حتى ارتبطت به أعداد كبيرة من الصغار وأطلقوا على سيارته، سيارة الحواديت، وفي نهاية اليوم يوزع على الصغار بعض الكتب وينصرف.

بعض الأطفال المتحلقين حول العربة في زيارات الشاب المتكررة يعمدون لإغاظة غيرهم من مفضلي لعب كرة القدم، واللهو في تشكيل الطين، أو السباحة في الترعة على القراءة، حيث تسيطر الكتب الملونة على الموقف برمته، فهؤلاء المحظوظون من أصحاب الكتب والقصص المبهرة تتملكهم نرجسية بريئة بأنهم الأفضل ويملكون العالم بأسره بامتلاك الكتاب.

بلا خطب حنجورية جوفاء لا تؤتي ثمارها غالبا، يسلطها الكبار على عقول صغارهم، نجح ذووهم وأقرانهم في تشجيع خيالهم الغض على اقتناء هذه الأدوات المعرفية غير التقليدية، والشخصيات الملونة بقوس قزح، هكذا لقن الصغار للكبار دروسا في فن الإقناع والمحاكاة تخلو منها كتب صماء ترقد على رفوف متربة، يثقلها الغبار. ما نجح فيه الشاب هو فك أسر شخصيات الحواديت والكتب القديمة، ومنحها فرصة جديدة للغوص في بحار الخيال، تراود الأطفال في أحلامهم وتعيد تشكيل الشخصية من جديد.

ما فعله أبطال القصص والحواديت في تحريك المخيال الجمعي لأطفال القرى والنجوع في محافظات مصرية منسية، وربما يتوق أبناؤها إلى مجرد شربة ماء نظيفة خالية من ملوثات الترع والمستنقعات، أهم وأكبر بكثير مما يقوله المعلم صديق العصا الغليظة في المدارس التقليدية النائية، التي تكرس مبدأ العقاب ولا تعرف الثواب.

هيثم صاحب سيارة الحواديت، أو “عربية الحكايات” كما يتلفظها الأطفال بالعامية المصرية، هو مدرس تعليم ابتدائي (تعليم أساسي)، لديه سيارة صغيرة من طراز قديم، يتنقل بها بين القرى والنجوع الفقيرة ليوزع السحر والدهشة المجانية على صغار أقصى أحلامهم مشاهدة صور ملونة.

ما فعله المدرس البسيط تجربة ثرية تستحق إلى جانب الدراسة والبحث والتدقيق، منحها فرصة أكبر للتحقق، بل التنفيذ الفعلي على أرض الواقع وتوسيع الرقعة المكانية لتطبيقها، والعمل على زيادة التراكم العددي للكتب وخلق مساحة أكبر للتطبيق، خاصة في ظل انتشار مدارس الإخوان التي غزت الكثير من القرى والنجوع وحتى المدن، وتعمل ماكينتها التربوية على زرع بذور العنف ضد الآخر، والتطرف في التعاطي مع الأمور الدينية، والقيم التربوية، مع تنامي دور هذه المدارس في الخفاء، والعمل في اتجاهات موازية إلى جانب ما تعلنه عن الضلوع بمهمة التعليم، غير أن الحقيقة أنها تعمل على نشر الفكر الوهابي.

بلا خطب حنجورية جوفاء لا تؤتي ثمارها غالبا، يسلطها الكبار على عقول صغارهم، نجح ذووهم وأقرانهم في تشجيع خيالهم الغض على اقتناء هذه الأدوات المعرفية غير التقليدية

تلك المدارس التي تعمل ليل نهار على بث سموم غريبة في نفوس الصغار، حتى ضاعت هويتهم في ترسيخ فكر داعشي في عقول غضة، تتخذ في ما بعد وقودا للإرهاب ونشر العنف والتطرف، ولعل الذاكرة الحديثة ما زالت عالقة بها مشاهد لإجبار صغار على عدم أداء النشيد الوطني بحجة كونه نشيد “الكفار” ومن يردده سيكون وقودا للنار، وترديد كلمات أخرى عوضا عنه، وإجبار طفلة على ارتداء النقاب!

لم يقف هذا المدرس الشاب كما تقف حكومات كثيرة متعللة بضعف الميزانية، أو بمنأى عن التحولات الفكرية الكبرى، والأزمات الثقافية الفارقة في اللحظة الراهنة، التي تغتال عقول شبابنا، حتى باتت برامج تلفزيونية تسخّر ساعات على الهواء لديها لأسئلة سخيفة وسطحية توجّه إلى الشباب بشكل عشوائي للسخرية من ضحالة تفكيرهم، وانعدام ثقافتهم العامة.

21