هيدو كوجيما أسطورة حية تعيش معنا في هذا الزمن الرقمي

السبت 2017/06/03
صانع الألعاب الأشهر يرتدي ثياب النجوم ويستعد لدخول السينما

عمان - هو مؤسس الجيل الجديد من ألعاب الفيديو السينمائية، التي تتعامل معنا بأعلى جودة ممكنة. الياباني هيدو كوجيما الذي ينتظره الملايين حول العالم ليقوم بتطوير لعبة من ابتكاره، ويكونون في قمة السعادة عند إعلانه إصدار لعبة جديدة، تكون متكاملة في القصة والأحداث الشخصيات والتقديم وطريقة اللعب.

لا يوجد حتى الآن مصمم ألعاب قادر على مقارعة كوجيما، لا أحد من المصممين الجدد أو حتى المخضرمين قادر على منافسته في التصميم والإخراج لألعاب الفيديو، ولا يمكن وضع كوجيما في فئة هؤلاء المصممين، فهم لم يصلوا إلى مستواه، و خصوصا الأميركيين الذين يقومون بتقليد هيدو بشكل بعيد عن الإبداع، حتى أن كافة الألعاب الصادرة بين عامي 2003 و2004 لم تأت بأيّ شيء جديد.

يقول خبراء التكنولوجيا إنه ومنذ “ميتل جير سوليد 2” و”بوكتاي” اللتين ابتكرهما كوجيما، لم يحصل الجمهور على لعبة فيديو قدمت فعلياً شيئا جديدا كلياً. هو أسّس لإمبراطورية مختلفة قابعة في الأعلى بعيدا عن كل إنتاجات ألعاب الفيديو الأخرى، كوجيما مصمم ألعاب قد لا يتكرر إلا بعد عشر أو عشرين سنة من الآن.

من الرسم إلى التصوير

ولد كوجيما في طوكيو عام 1963، عشق منذ صغره الرسم، وصنع شخصيات خيالة خاصة به، وهذا ما جعله في عمر صغير يكتب القصص المصورة. كان والداه يساعدانه بذلك بإرسال تلك القصص إلى المجلات اليابانية، لكن كوجيما لم ينجح وقتها بنشر أيّ من القصص، ليعلم فيما بعد أن السبب شكلي فقط، وهو أن قصصه كانت تتجاوز الـ400 صفحة، وهذا أمر يخالف قوانين النشر لدى المجلات اليابانية.

الفشل في كتابة القصص، جعل كوجيما ينتقل إلى تصوير الفيديو رفقة أصدقائه، وتلك الفترة كانت بداية تحوله إلى العمل الفني الملموس، هو علّم نفسه بنفسه من خلال الكثير من اللقطات التي أخذها بكاميراته الصغيرة المتواضعة، وكونه نشأ على مشاهدة الأفلام مع والديه كان يحاول الذهاب بهوايته إلى تقليد التصوير السينمائي.

إلى جانب ولعه بالتصوير كان كوجيما يقضي وقتا طويلا في اللعب بألعاب الفيديو، لدرجة أصبح يفكر في مزج الاثنتين معا، وهذا ما حصل لاحقا في ابتكاراته الناجحة في عالم ألعاب الفيديو.

أثناء دراسته الجامعية للاقتصاد وتحديدا في سنته الجامعية الرابعة قرر كوجيما التحول إلى مجال صناعة الألعاب، وذلك بعد تفكير طويل منه في أيّ طريق يسلك، الاقتصاد أو صناعة الأفلام والتصوير السينمائي أم صناعة الألعاب، ليجد أن الأخيرة مرضية له أكثر من الأولى والثانية.

شركة "كونامي" وضعت كوجيما ضمن فريق لابتكار لعبة "ميتال"، والذي واجه صعوبات جمة لتطوير نظام القتال في اللعبة، وبعد انتهاء التطوير نُشرت اللعبة عام 1987 في اليابان وأجزاء من أوروبا على جهاز "صخر". وتعتبر ميتال من أوائل ألعاب التخفي التي صدرت على الإطلاق

البطريق المغامر

دخل كوجيما عالم ألعاب الفيديو في عام 1986 حين حصل على وظيفة في الشركة الناشرة “كونامي”، ولكن مهمّته كانت تقتصر على التصميم والتخطيط فقط، وأول لعبة شارك في إنتاجها هي “البطريق المغامر” وعمل عليها كمساعد مخرج، ومن بعدها عمل كمطور للعبة “العالم الأخير” التي كانت مخصصة لجهاز صخر القديم.

وضعت شركة “كونامي” كوجيما ضمن فريق لابتكار لعبة “ميتال”، والذي واجه صعوبات جمة لتطوير نظام القتال في اللعبة، وبعد انتهاء التطوير نُشرت اللعبة عام 1987 في اليابان وأجزاء من أوروبا على جهاز صخر، وتعتبر ميتال من أوائل ألعاب التخفّي التي صدرت على الإطلاق.

في عام 1990 عُين للإشراف على لعبتين من ألعاب جهاز صخر، وهي جزء فرعي من لعبة “خاطف”، وجزء جديد للعبة “ميتال جير”، التي أضاف لها كوجيما الكثير من الميزات للتخفي مثل الانحناء والزحف لمناطق الاختباء، وتشتيت انتباه الحراس واستخدام الرادار، وتمّ إصدارها في بداية الأمر في اليابان فقط، ومن ثم انتشرت في شمال أميركا وأوروبا لاحقا.

استطاع كوجيما صنع حقيقة هامة جدا في عالم التكنولوجيا وهي وجود المخرجين في عالم ألعاب الفيديو، فقبل لعبة “ميتال جير سوليد” الشهيرة، وتحديدا بين عامي 1995 و1998، كان مصمم اللعبة هو المخرج أيضا، ولكن صناع الألعاب لم يكونوا يركزون على الإخراج والمشاهد السينمائية، أما مع كوجيما أصبح هناك المخرج وهناك مصمم اللعبة، وهناك أيضا مخرجو المشاهد السينمائية ومنفذو المشاهد القتالية.

مع صدور لعبة ميتال جير سوليد في عام 1998 لجهاز “بلاي ستيشن 1” أصبح كوجيما واحداً من أشهر مطوري الألعاب في العالم، بسبب ما قدمه من تجربة سينمائية وقصة فريدة من نوعها في اللعبة ذاتها، وإضافات مبهرة مثل استخدام نظام ثلاثي الأبعاد والتمثيل الصوتي.

غادر كوجيما شركة “كونامي” إلى غير رجعة عام 2015، ليؤسس فريقا خاصا به سماه “كوجيما برودكشن”، بعد عقده شراكة مع “سوني” لتطوير أول مشروع على جهاز “بلاي ستيشن 4”، وهناك الكثير من المشاريع التي يعمل عليها الفريق المتكون من محترفين استطاع هيدو استمالتهم إليه.

شعار فريق كوجيما الجديد يعكس رحلته، حسب تعبيره، حيث تم تصميمه باعتباره بدلة فضاء وجمجمة فارس من العصور الوسطى، كون هيدو يحب رواد الفضاء كثيرا، قال عن ذلك في بيان صحافي “هذا الشعار يعبر عن التكنولوجيا الجديدة وروح الرواد التي نرغب بجلبها للعالم الجديد، أقصد هنا العالم الرقمي، بمعنى آخر نريد أن نسافر مع اللاعبين إلى عالم جديد لم يسبق أن زاره أحد من قبل”.

“هذا الشعار يعبّر عن التكنولوجيا الجديدة وروح الرواد التي نرغب بجلبها للعالم الجديد، أقصد هنا العالم الرقمي”

كوجيما يحرم من جائزته

كثيرة هي التكهنات التي دارت حول سبب خروج كوجيما من شركة “كونامي” التي ارتبط اسمه بها لمدة تزيد على ثلاثة عقود زمنية، ولكن هناك سبب يُعتقد أنه كان شرارة انفجار فسخ العقد، وهو ما حدث في حفل “جيم أوردز”، عندما منعت “كونامي” كوجيما من الحضور للحدث واستلام جائزة اللعبة، وهو ما خلف سخطا كبيرا عن الشركة بحكم تصرفها، الذي وصفه النقاد بغير اللائق، كونها منعت مخرج اللعبة وصانعها من التواجد في ميدان عالمي لتكريم النجاحات.

كوجيما في مقابلة صحافية أجاب عن سبب تركه لشركة “كونامي” بطريقة لافتة، قائلا “أعتقد أنه لكي يكون عملك رائعاً حقاً، لا بد من جعل البيئة التي تعمل فيها تمنحك حرية قصوى، ولعمل ذلك، قررت أن أكون منتجا لأن ذلك سيسمح لي أن أكوّن الفرق التي أريد تكوينها بالشكل المطلوب، هناك 24 ساعة في اليوم فقط، إن استطعت استغلالها، سوف أجعل كل ساعات اليوم وقتا للإبداع وصناعة الألعاب”.

وأضاف كوجيما “لقد كنا في هذه الصناعة لمدة 30 سنة، بلغت عامي الـ53 وأنا أتطلع إلى بداية جديدة، كلي ثقة أنني سأواصل تطوير العاب الفيديو حتى مماتي، سأطوّر المزيد من الألعاب، مشاريع أكثر متعة من ذي قبل لم يرها اللاعبون أبدا، وسيكون أمرا رائعا إذا كان بإمكاني الاعتماد على المشجعين لدعمي في تلك التجربة”.

يبدو أن “كونامي” أصبحت في موقف محرج لأنها خسرت أبرز مطوّري الألعاب في العالم، حيث نشرت الشركة مؤخراً سلسلة من الإعلانات على شبكات التلفزة اليابانية والمواقع الإلكترونية، داعية أصحاب المواهب من صناع ألعاب الفيديو إلى الانضمام لها، وقد شهدت هذه الحملة الدعائية ظهور بعض أبرز العناوين التي قامت كونامي على مرّ السنين بتطويرها، منها “ميتال جير سوليد”، وظهر كذلك في تلك الإعلانات أبطال لعبة “سويكودن” من جزئها الأول إلى الخامس، وغيرها من الألعاب التي قام هيدو كوجيما بالعمل عليها.

ولم يعرف حتى الآن الهدف الحقيقي من إدراج شركة “كونامي” لهذه الألعاب في إعلاناتها، ربما من المرجح أن الشركة تعتزم إعادة إحياء هذه الألعاب بصبغة ومواهب جديدتين، لأنها تسعى في المستقبل القريب إلى إنتاج أجزاء جديدة لها.

هذا يقودنا إلى نتيجة مؤكدة وهي أن إعادة إنتاج بعض أبرز العناوين التي قامت “كونامي” بإنتاجها في الماضي، سيساعد بشكل كبير على ترميم العلاقة بين الشركة وجمهورها بعد التدهور الكبير الذي تعرضت له، والتراجع الهائل في شعبية الشركة ومنتجاتها، بعد رحيل أحد أبرز موظفيها؛ كوجيما.

هل تسرق السينما كوجيما

هناك توقعات كثيرة تقول إن بمجرد دخول كوجيما إلى عالم الفن السابع سوف يُحدث فرقا كبيرا، وأن ما صنعه حتى الآن في ألعابه الإلكترونية يعد منافسا لتلك الأفلام المتسابقة لتقديم الأفضل في الخدع السينمائية والأنيميشن والمناظر المبتكرة، والجدير بالذكر أن الياباني هيدو قد حصل على دعوة رسمية للانضمام إلى فريق الأخوين واتشوسكي “أندي ولاري”، لإنتاج ثلاثية الماتريكس ولكنه لم يقبلها، كما تلقى دعوة أخرى من المخرج الياباني الشهير ريوهي كيتموار الذي يعد أفضل مخرجي أفلام الحركة، ورفضها أيضا.

هيدو كوجيما لا يوجد حتى الآن مصمم ألعاب قادر على مقارعته. لا أحد من المصممين الجدد أو حتى المخضرمين قادر على منافسته في التصميم والإخراج لألعاب الفيديو، ولا يمكن وضع كوجيما في فئة هؤلاء المصممين، فهم لم يصلوا إلى مستواه، وخصوصا الأميركيين الذين يقومون بتقليد هيدو بشكل بعيد عن الإبداع

دايفيد هايتر صديق كوجيما القديم، والذي كان قد عمل معه في إنتاج الألعاب، قرر أن يتجه إلى الإخراج السينمائي وكتابة القصص، وحاول جاهدا أن يستميل هيدو لجانبه لكنه عبثا لم ينجح في ذلك.

في كلام كوجيما الصحافي، دائما ما يعطي الأجوبة المفتوحة، وفي هذا الصدد كان له تصريح عنوانه “الألعاب تأتي أولا، ولكنها ليست النهاية”، قال فيه “ينصبّ التركيز بوجه عام على المحتوى الرقمي، ولذلك فمن الممكن أن نتطرق للرسوم المتحركة والأفلام السينمائية وكل شيء، ولكن في البداية ينتظر الجميع منّي العمل على ألعاب الفيديو

وهذا هو المكان الذي أرغب أن أضع فيه تركيزي، بمجرد أن يكون لدينا عنوان جديد يرضي اللاعبين حول العالم، يمكنني بعد ذلك النظر في أيّ مشاريع أخرى كالأفلام والفيديوهات”.

فإن حدث فعلاً و قرر كوجيما الرحيل إلى قطاع السينما، كما فعل عدد لا بأس به من المصممين، سوف يفتقد عالم ألعاب الفيديو واحدا من أهم صناعها، كوجيما ليس مركز ألعاب الفيديو ولكنه قطب رئيسي.

يؤمن كوجيما بأن الترفيه التفاعلي لن يختفي أبدا، لأن الناس بحاجة لهذا النوع بالتحديد، بالإضافة إلى وجود التطور التقني المستمر، وأن هذا الترفيه سيكون أوسع في المجتمع ويصطدم بجميع طبقاته، كما يعتبره هيدو مفيدا جدا لأشياء أخرى مثل العلوم الطبية، وجوانب متنوعة أخرى من حياتنا اليومية، ومن هذا المنطلق هو يرى أن الألعاب ستصبح ذات أهمية كبرى.

كوجيما يعمل بجهد لابتكار الألعاب، لاعتقاده بأنها تخدم كأرض اختبار للكثير من التقنيات التي قد تصبح يوماً ما مفيدة جداً في المجالات الطبية أو التعليم أو حتى الخدمات الاجتماعية الأخرى.

الكثير من محبي ألعاب الفيديو يعتبرون هيدو كوجيما أسطورة حية تعيش معنا في هذا الزمن، نظراً للتحول الكبير الذي حصل بسببه لألعاب الفيديو بدخول سلسلته “ميتال جير سوليد” إلى ذلك العالم الضخم، هو دائما يسعى إلى تقديم شيء يرتقي لتطلعات اللاعبين، ويكون جديدا كليا لم يسبق لهم رؤية مثيل له.

14