هيرمان بلاي وألوان العصور الوسطى

الأحد 2014/08/24
الناس في العصور الوسطى كانوا يعانون ممّا يسمّى \"جنون الألوان\"

يسعى الباحث هيرمان بلاي في كتابه “ألوان شيطانية ومقدّسة” إلى تحليل الألوان ودراستها ومكانتها والنتائج المترتبة على ذلك، وأثرها على عالمنا المعاصر، ويخص بالدراسة اللون والمعنى في العصور الوسطى وما بعدها، كما يؤكّد على أنّنا ورثة الماضي والأزمنة السالفة بما في ذلك ألوان العصور الوسطى.

يؤكّد هيرمان في كتابه -منشورات كلمة، أبو ظبي- أنّه ثمّة أشياء كثيرة تتداخل في دراسة الألوان وتصنيفها وتحليلها من مختلف الزوايا والاتّجاهات. ويشير إلى أنّ تطوّر وسائل توصيف الألوان وتفسير معانيها وتقدير أهميّتها وتثمين قيمتها وتشكيلها وإنتاجها واستخدامها جعل من الألوان مقياساً مناسباً للحضارة الإنسانيّة.

يكتب هيرمان كيف كان الناس في العصور الوسطى مهووسين بالألوان، وكانوا يعانون ممّا يسمّى “جنون الألوان”، ولكنّ الألوان كانت بالنسبة إليهم إمّا أداة في يد الشيطان أو دلالة على قدرة الربّ على الخلق والإبداع. فاختلف الناس حينها حول ماهية الألوان ووظائفها.


خدع ومخاطر


يحتوي الكتاب على سبعة فصول، بالإضافة إلى المقدّمة، الفصول على التوالي: اللون في مفاهيم العصور الوسطى، اللون في الحياة اليومية.. الصور والأشكال، الألوان الجميلة من أجل المتعة، أجمل الألوان تزيّن النساء، الألوان الشيطانية المهلكة، مخاطر الألوان الأصفر والأحمر والأخضر والأزرق، ازدياد الرغبة في نزع الألوان.

ينطلق الكاتب من تساؤلات من قبيل: هل يمكن القول إن بعض الألوان لا يقف عند حدود البشرة الخارجية لكنه يتغلغل فيها وينفذ إلى ما وراء الجلد..؟ هل الألوان جزء من جوهر الأشياء أم أنها مجرد أقنعة زائفة تخفي وراءها الحقيقة وتطمس أصل الوجود وإبداع الخالق؟

يذكّر بلاي بمقالة لماركوس شيشرون (106-43 ق.م) بعنوان “بحث في الإبداع البلاغي” تحدث فيها عن الألوان البلاغية باعتبارها صبغات لفظية تستخدم لتزيين الرسائل الكلامية حتى يتم نقلها بشكل مؤثر، ولكن ما يراه البعض على أنه زخرفة كلامية ذات مغزى، لا يروق للآخرين الذين يعتبرونه محاولة ماكرة لإخفاء الحقيقة عن طريق تغليفها بطبقة من الألوان بهدف طمس معناها الحقيقي.


تضليل البشر


يشير هيرمان أنه في العصور الوسطى كان الناس يعتقدون أن أية محاولة مقصودة لتلوين الكلمات هي عمل شيطاني محض. وكان يُزعم أن الألوان هي خدعة الشيطان المفضلة لديه ولدى زبانيته الذين يعملون من أجل تضليل البشرية التي تسعى للوصول إلى طريق الخلاص المحفوف بالشدائد. ويبرز كيف أن أصحاب هذا الزعم كانوا ينظرون إلى الألوان بعين الريبة، ويعتقدون في ارتباط الألوان بالخطيئة الأولى وسقوط الإنسان من الجنة واستقراره في عالم الزوال والماديات. ومن هنا كانت الألوان بالنسبة إليهم لعبة من ألاعيب الشيطان.

يذكر هيرمان انتشار مذاهب عبادة الألوان في العصور الوسطى، إذ كان المؤمنون بها يعتقدون أنها نتاج للضوء الإلهي المقدس الذي منح الحياة كينونتها المادية. ويعتقدون أن نشأة الخليقة اقتضت من الرب أن يفيض بنوره على الأرض، ويتضح أن الألوان كانت تعبيراً عن قوى الرب الخلاقة حتى لو كانت زائفة وغير ملموسة.

ينوه هيرمان إلى أن قدرة الألوان على الخداع البصري كانت برهاناً على أنها ليست سوى ظواهر خارجية للأشياء، لا مثل جوهرها ولا تعبر عن حقيقتها، ولم تستطع الوسائل العلمية التقليدية أن تحول الألوان إلى أدوات ملموسة لقياس المسافة أو الاتساع أو التذوق أو الرائحة. لذلك ينطلق إلى إمكانية إدراك الألوان باعتبارها ظاهرة ضوئية متغيرة، ويمكن لهذا الإدراك أن يتبدل مع مرور الزمن، فالمرء يتعامل مع الألوان بشكل مختلف مع اختلاف الظروف والأحوال.

قدرة الألوان على الخداع البصري كانت برهاناً على أنها ليست سوى ظواهر خارجية للأشياء


عصور واختلافات


بالحديث عن الراهن، يذكر الباحث أن الناس يميلون إلى الإيمان بأن الألوان لا تستقر على حال واحدة، وهناك اعتقاد يسود بأنها مجرد أشياء سطحية، وذلك بسبب تقلباتها وتغيراتها، ويشير إلى أن هذا التصور ناتج عن رغبة البشر في الاستخفاف من الأشياء التي لا يستطيعون إدراكها. ويشير إلى الاختلافات في وجهة النظر إلى الألوان بين عصر وآخر، وتراه بعد سرده بعض الأمثلة عن تغير الألوان تبعاً للحالة، يؤكّد أنّ إدراكنا للألوان لا يعتمد على الانتقال من حالة إلى أخرى أو من نقيض إلى آخر، وإنما يتحدد بفعل المواجهة الفورية مع الألوان.

يذكر هيرمان أنّ عشّاق الألوان في العصور الوسطى كانوا يعتبرون الخداع البصري برهاناً على قدسيّة الخلق وإبداع الخالق بينما كان الكارهون للألوان ينظرون إليها على أنها نتاج لتلاعب الشيطان بالأضواء السماوية. وكانوا ينطلقون من فكرة أن باستطاعة الشيطان أن يغير من طبيعة الإدراك البشري عندما يتغلغل إلى داخله ويتسبب في إرباك الحواس الداخلية، ومن هنا كانوا يظنون أن ما يراه الناس من ألوان ليس دليلاً على إبداع الخالق والتواصل مع الرب، فهم يرون الألوان بسبب تسلّل الشيطان إلى الحواسّ، لاستخدام الألوان في سعيه إلى تضليل الناس وإبعادهم عن الحقائق الخالدة في الوجود عن طريق تحويل هذه الثوابت إلى ظواهر بصرية زائلة تشبع حواسهم بشكل مؤقّت.

ينوه هيرمان أنه تبعاً لأصحاب هذه النظرية فإنّ كلّ ما هو ملوّن يعدّ زيفاً من عمل الشيطان يهدف إبليس من ورائه إلى إغواء الناس وإغراقهم في الملذّات الآنيّة التي تبعدهم عن عالم الخلود. ويستشهد بأقوال بعض الذين كانوا يرون في اللون إلهاء عن الحقيقة، أو تضييعاً لها، كمقولة برنارد كليرفو الذي كان يصرح بأن الألوان تسبب العمى. وكان ينطلق من معارضته لزينة الحياة الدنيا ويدعو إلى أن يكون التزيين البشري بسيطاً وغير متكلف.


عشق الأزرق


يلفت هيرمان الانتباه إلى أهمية أن ندرك أن تقديراتنا وإدراكنا للألوان ليس أمراً ثابتاً لا يتغير على مرّ العصور، ويؤكد أن للألوان تاريخاً، كما أنّها عرضة لتفسيرات وتأويلات متعددة. ويذكر أنّ نظرتنا إلى لون معين قد تتغيّر بسبب تغيّر أماكن إقامتنا والعصر الذي نعيش فيه ومركزنا الاجتماعي.

يذكّر بنتائج إحصائيّة أشارت إلى أنّ أكثر من نصف شعوب العالم الغربي يعشقون اللون الأزرق، ويأتي اللون الأخضر في المركز الثاني حيث يفضله عشرون بالمئة من عدد السكّان، يليه الأبيض والأحمر بنسبة عشرة بالمئة من إجمالي عدد السكّان في الغرب. وكشفت الدراسة إلى أنّ الأطفال يختلفون في نظرتهم للألوان من مكان إلى آخر. ما يؤكّد أن الألوان ظاهرة ثقافية وليست مسألة غريزية أو فطرية، لأنّ العوامل الثقافية هي التي تحدّد اختيار الألوان وتفضيلها.


أدوار محورية


يجد هيرمان أنّ إحدى مهام المؤرّخين في الوقت الراهن تتعلّق بالاستفسار عن التغيّرات التي طرأت على استخدام الألوان ووصفها وشرح تاريخها في الماضي. ويجد أن من شأن ذلك أن يساعدنا على فهم المحاولات التي قام بها الناس سابقاً في سعيهم لتفسير الألوان وإخضاع الأجواء المحيطة بهم كي تتماشى مع رغباتهم الدنيوية أو رغباتهم في الخلاص الأبديّ.

يؤكد هيرمان أن الألوان لعبت دوراً محورياً في القرون الوسطى بالمقارنة مع دورها راهناً، ويذكر أن ذلك يتضح من الهوس بالألوان والرسومات، حين كان يجب تلوين كلّ شيء وأيّ شيء. ويذكر أنّ ذاك الهوس لم يؤدِّ إلى استخدام ألوان هادئة تناسب الموادّ التي يتمّ تلوينها. وأنه كانت هناك نزعة قوية نحو استخدام الألوان الزاعقة بقدر المستطاع، أو استخدام عدد من الألوان المتباينة والصارخة في آن واحد.


ألوان الخزامى


يسرد هيرمان أن الولع بالمظاهر أثناء العصور الوسطى كان يستند إلى اعتبارات أخلاقية وجمالية وطبية وعلمية، وأنه حسب المعتقدات السائدة آنذاك فإن كل الاعتبارات تندرج تحت عباءة علم اللاهوت الذي يضم عدداً من التخصصات المختلفة والمتنوعة. ويذكر كيف ارتبط بعض الألوان بطبقات اجتماعيّة معيّنة، وآثار ذلك على النظام الاجتماعي، وتسببه بخلخلة في بنيته وتركيبته.

بالانتقال إلى النظرة الحديثة للألوان، يتحدث هيرمان عن تبدّل في المزاج، إذ أننا أصبحنا نرى الألوان عبر وسائل صناعية مثل شاشات العرض التلفزيوني العملاقة وشاشات العرض السينمائي والمجلات المصورة ذات الصور الجذابة، بالإضافة إلى ألوان الخزامى المعدّلة جينياً عن طريق الهندسة الوراثية فضلاً عن الألوان المعدنية الزاعقة التي تطلى بها السيارات الحديثة. ويعتقد أنّه يجب علينا أن نتلمّس طريقاً آخر من أجل الاستمتاع بلون الربيع الأخضر الهادئ وبألوان الخريف الرائعة.

أمّا بالحديث عن تأثيرات الوسائل الإلكترونية الحديثة في فلسفة اللون وسبل التعاطي معه، فيجد هيرمان أنّ الوسائل الحديثة ساعدت على إعادة إنتاج جميع الألوان الطبيعية بشكل أكثر صدقاً وأقرب إلى الطبيعة. ويستدرك أن العملية معقدة ومكلفة ولا تؤدي دائماً إلى النتائج المطلوبة.

15