هيفاء منصور من إخراج أول فيلم سعودي إلى دخول عالم هوليوود

الثلاثاء 2018/01/16
ناضلت لتحقيق الانفتاح السينمائي السعودي

تستعد دور العرض الجديدة في المملكة العربية السعودية، خلال الأشهر القليلة القادمة لاستقبال الأفلام والجمهور معا، لتنطلق عجلة الإنتاج السينمائي مع طموحات مبدعيها الشباب، بعدما شهدت البلاد في السنوات الأخيرة قفزات مهمّة جدا على المستوى التنموي والاجتماعي والثقافي.

من بين تلك التطورات التي طرأت على حياة السعوديين، متغيرات الساحة السينمائية، بفضل مشاركة بعض الأفلام السعودية في مهرجانات عالمية، ولكن بجهود فردية جبّارة.

في مقدمة الجهود السينمائية السعودية نلحظ اسم هيفاء المنصور، أول مخرجة سعودية، والتي صنفت من بين المرشحين لنيل جائزة الأوسكار العالمية.

المنصور من بين الذين ناضلوا لتحقيق الانفتاح السينمائي السعودي. كتبت وتحدثت مرات عديدة حول هذا المشوار الصعب. ونشرت مقالا مطولا في “سي إن إن” باللغة الإنكليزية، عبّرت من خلاله عن آمالها المتجددة حول احتمالية إعادة فتح دور السينما في المملكة بعد منعها منذ ثمانينات القرن الماضي، قالت فيه “تحطمت آمالي بخصوص هذا الأمر مراتٍ لا تحصى، لكنَّ تفاؤلي عاد مرة أخرى بعد أن أُنشِئَت الهيئة العامة للترفيه مؤخراً، لتكون جزءا من برنامج رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية، والتي تَعِد بموجة من الإصلاحات الثقافية تهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة المعتمد على النفط”.

المغامرة وزوجها الأميركي

تعتبر المنصور أن الخليج العربي بشكل عام يشهد صحوة سينمائية في الألفية الثالثة، حيث انطلق أكثر من مهرجان سينمائي خليجي، ما انعكس على عدد الأفلام المنتجة في المنطقة. وهي ترى أن مخرجي هذا الجيل وضعوا السينما في دول الخليج، ومن بينها بلدها السعودية، على خارطة المهرجانات.

وقالت المنصور في تغريدة عبر حسابها بتويتر فور صدور قرار السماح بعودة دور العرض “ما أجمل الحياة. فخر وسعادة بالوطن لا توصف، إن شاء الله ترقبوا أفلامنا السعودية على أرضنا أخيرا، يوم تاريخي وكل التهاني للسينمائيين السعوديين”.

ولدت عام 1974 وهي واحدة من 12 ابنا للأديب والشاعر السعودي عبدالرحمن المنصور وهو من شعراء نجد المقلّين ويعتبر من رواد الشعر الحديث في السعودية. وتخرجت ابنته هيفاء من الجامعة الأميركية في القاهرة سنة 1997، حيث درست الأدب الإنكليزي المقارن، وكان عدد من إخوتها قد اشتغلوا في الأدب والفن والتمثيل وكتابة السيناريو والرسم التشكيلي.

"نيوزويك" و"رويترز" تبشران عشاق السينما قبل يومين، مؤكدتين أن الصالات السعودية في “جدة”، ستبدآ عروضها عطلة نهاية الأسبوع المقبل، بفيلم الأنيميشن “ذا إيموجي فيلم”.

لمع اسمها على الساحة الفنية عندما أخرجت الفيلم الوثائقي “نساء بلا ظل”، الذي أثار جدلا ساخنا، وعرض حينها في منزل القنصل الفرنسي في جدة برعاية القنصلية الفرنسية ونادي “أصدقاء الثقافة” الفرنسي، وهو أول فيلم يعرض لها داخل السعودية، وتبلغ مدة الفيلم 50 دقيقة، وناقش قضية المرأة في المجتمع السعودي والإشكالات الثقافية والفكرية.

كانت المنصور قد قدمت قبله ثلاثة أفلام سينمائية هي “من؟”، “الرحيل المر”، و”أنا والآخر”. الفيلم الأخير طرح قضايا التعدد الفكري في السعودية وحاز على جائزتين دوليتين، جائزة “أفضل سيناريو” في مسابقة أفلام من الإمارات عام 2004، والثانية فوزه بتنويه خاص في مهرجان روتردام للفيلم العربي بهولندا في نفس العام.

خلال عرض فيلمها الوثائقي “نساء بلا ظل” الذي حصل على جائزة الخنجر الذهبي بسلطنة عمان عام 2005، تعرّفت المنصور على الدبلوماسي الأميركي برادلي نيمن، حيث أحبا بعضهما وتزوجا ثم أقاما في المملكة فترة قصيرة قبل أن ينتقلا إلى أستراليا حيث عيّن الزوج، وهناك في جامعة سيدني حصلت المنصور على ماجستير في الإخراج السينمائي والنقد.

زواج هيفاء من أجنبي ليس بالشيء الغريب عن عائلتها، فقد سبق لاثنتين من أخواتها أن تزوجتا من أجنبيين، فقد تزوجت شقيقتها الكبرى هناء من شخص يحمل الجنسية البريطانية، بينما اقترنت شقيقتها هند بأستاذ جامعي أميركي أيضا.

وجدة السعودية

الكثير من النقاد السينمائيين يرون أن السعودية دخلت باب السينما بسبب أفلام قليلة منها فيلم “وجدة” الذي قامت المنصور بتأليفه وإخراجه، ويُعتبر أول فيلم روائي في تاريخ المملكة، وصوّر بأكمله في السعودية وكل الممثلين والطاقم الفني سعوديون.

يروي “وجدة” حكاية طفلة تعيش في إحدى ضواحي الرياض وتشارك في مسابقة لحفظ القرآن في مدرستها على أمل أن تتمكن من الفوز بالمال لشراء دراجة، وصرّحت هيفاء في أكثر من مناسبة أنها استلهمت فكرة “وجدة” من عدة أفلام عالمية أثارت إعجابها، منها “سارق الدراجة” للإيطالي فيتوريو دا سيكا، و”تسلل” للإيراني جعفر بناهي، و”روزيتا” للأخوين الفرنسيين داردين.

ثلاثة أفلام سينمائية لفتت الأنظار إلى هيفاء المنصور هي "من؟"، "الرحيل المر"، و"أنا والآخر".

المنصور حاولت في “وجدة” أن تسلط الضوء على التوتر الحاد ما بين الحداثة والتقاليد في السعودية، من خلال فكرة “الدراجة”. تقول عن ذلك “بالنسبة إليّ تحمل الدراجة معنى التسارع والحرية والانطلاق، ولكنها تظل لعبة ناعمة في آخر المطاف، وليست بشيء صادم، وهذا بالنسبة إلي أمر مهم ويصب في طريقتي في الكتابة، فأنا لم أحاول أن أكون صارخة ولكن حاولت إسماع صوتي بهدوء، وخلق الحوار أكثر من إثارة التصادم، من المهم جدا إقامة حوار مع الآخرين ومع المحافظين في السعودية، ليس الهدف التصادم بل الاحترام والتبادل بين بعضنا البعض”.

حصل فيلم “وجدة” على عدة جوائز عالمية منها جائزة سينما فناير وجائزة الاتحاد الدولي لفن السينما وجائزة إنتر على هامش مشاركته في مهرجان البندقية السينمائي، إضافة إلى فوزه بجائزة المهر العربي في مهرجان دبي السينمائي. كما رُشح لنيل الأوسكار عن جائزة أفضل فيلم أجنبي، وقطع شوطا واسعا في تلك التصفيات، لكنه لم يحصد الجائزة واكتفى بتمثيل السعودية للمرة الأولى بهذا المحفل السينمائي الدولي العالمي.

في خطوة جديدة في مسارها الفني تحولت المنصور مؤخرا إلى كاتبة، حيث أصدرت كتابا للأطفال يحمل عنوان “الدراجة الخضراء”، استوحت فيه قصة الطفلة “وجدة” بطلة فيلمها التي تحلم بالحصول على دراجة هوائية، وقد تم إصداره باللغة الإنكليزية عن دار “راندوم هاوس” العالمية.

تقول إنها صوّرت فيلمها “وجدة” للمشاهد الشرقي والغربي، ولكن تخلق في الفيلم بعض التفاصيل التي لا يمكن أن يفهمها سوى أهل السعودية، وهي بذلك أرادت أن تعطي للسعوديين مصدرا كي يفخروا بأنفسهم، فهو فيلم 100 بالمئة سعودي، إلى جانب القيم الأخرى العالمية التي يحملها العمل من أمل ومثابرة وإلهام.

المكانة المرموقة والسمعة الطيبة الكبيرة اللتان تحظى بهما هذه المرأة السعودية، قادتاها لتكون بين لجان تحكيم أهم المهرجانات العالمية، حيث اختارتها اللجنة المنظمة لمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الـ68، لتكون ضمن أعضاء لجنة تحكيم تظاهرة “نظرة ما”. وهذه كانت التظاهرة الرسمية الثانية من حيث الأهمية، واختيار المنصور كان بمثابة التأكيد على الدور البارز الذي تضطلع به المرأة السعودية في كل المواقع، في ظل المرحلة الجديدة من تاريخ السعودية. وترأست لجنة التحكيم في ذلك الوقت النجمة الأميركية الإيطالية الأصل إيزابيلا روسوليني، وهي ابنة المخرج الإيطالي الراحل روبرتو روسوليني، ووالدتها النجمة السويدية أنغريد بيرغمان، كما ضمت اللجنة في عضويتها كلا من المخرجة اللبنانية نادين لبكي، والنجم الفرنسي الجزائري الأصل طاهر رحيم، إضافة إلى النجم اليوناني بانوس كوزاس.

المنصور تتألق في دبي

سجلت المنصور حضورها المتألق في الدورة الأخيرة لمهرجان دبي السينمائي بفيلمها العالمي الجديد “ماري شيلي”، وهو فيلم رومانسي أيرلندي أميركي، من تأليف إيما جنسن، ويدور حول حب الروائية الإنكليزية ماري جودوين الأول، وعلاقتها الرومانسية مع الشاعر والفيلسوف بيرسي بيش شيلي، الذي ألهمها لكتابة قصة فرانكنشتاين، والفيلم من بطولة إيل فانينغ ومايسي ويليامز ودوغلاس بوث وبيل باولي وبن هاردي.

وعرض الفيلم ضمن برنامج “سينما العالم”، وهو أحد أقسام مهرجان دبي السينمائي، ويضم أفضل الإنتاجات العالمية لعام 2017.

واجهت المنصور الكثير من الصعوبات أثناء إنتاج فيلم “ماري شيلي” أهمها التمويل المشترك الذي تطلب التصوير في البلدان الممولة، حيث تم تصوير المشاهد الطبيعة الخارجية في أيرلندا، بينما تم بناء أستوديو أشبه بالمدينة في لوكسمبورغ، واستغرق إنجازه ما يقارب العام ونصف العام.

هيفاء المنصور تحاول في فيلمها "وجدة" أن تسلط الضوء على التوتر الحاد ما بين الحداثة والتقاليد في السعودية، من خلال فكرة "الدراجة"، التي ترى أنها تحمل معنى التسارع والحرية والانطلاق.

تقول المنصور عن هذا الفيلم “عندما قرأتُ السيناريو شعرتُ بأن ماري شيلي فتاة سعودية، فهي تحاول تأليف كتاب، والناس من حولها يحاولون إقناعها بأنها غير قادرة على ذلك، ثمة في الثقافة السائدة قبل 100 عام في بريطانيا ما يشبه وضع المرأة في السعودية حاليا، ثمة من يحدّ المرأة ويتوقع منها أمورا معيّنة”.

انطلاقة جديدة مع نتفليكس

نالت المنصور إضافة إلى عملها في السينما المصورة، جائزة “آي دبليو سي للمخرجين” وذلك عن فيلمها “ملكة جمال الإبل” الذي يعد أول تجاربها في صناعة الأنيميشن، وذلك خلال الدورة الـ14 من مهرجان دبي السينمائي، وقدمت الممثلة الشهيرة كيت بلانشيت الجائزة إلى المنصور في حفل أقيم لتوزيع الجائزة في دورتها السادسة ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي، وهي جائزة عبارة عن منحة مالية قدرها 100 ألف دولار. ويروي الفيلم قصة ناقة سعودية تطمح للفوز بلقب ملكة جمال النوق، لكنها تواجه معضلة مستحيلة تتمثل في كونها ناقة سباق وليست ناقة جمال.

في رمضان 2015 دخلت المنصور بقوة إلى عالم الدراما العربية من خلال مسلسل تلفزيوني بعنوان “المبتعثات”، وتم عرضه حينها حصريا على شاشة روتانا خليجية، وقد صور العمل في عدة أماكن متفرقة من مملكة البحرين، ودارت قصة المسلسل حول أربع فتيات سعوديات يسافرن إلى الخارج لاستكمال دراستهن الجامعية، حيث تنشأ بينهن صداقة وعلاقة قوية تجعلهن قادرات على مواجهة الصعوبات التي يتعرضن لها وهن في الغربة حتى يحققن حلمهن التعليمي.

قامت بكتابة المسلسل نورة شقيقة هيفاء المنصور، وقامت بالمشاركة في بطولة المسلسل كل من سناء يونس ومرام عبدالعزيز ومريم الغامدي وزارا البلوشي، بالإضافة إلى البحرينية لطيفة المجرن وأيضا عدة وجوه شبابية تتقن اللغة الإنكليزية نظرا لأن المسلسل تدور أحداثه بين أميركا ولندن.

لاقى المسلسل نجاحا واسعا، وتم عرضه بعد الموسم الرمضاني على أغلب الشاشات الخليجية، لكنه بقي العمل الدرامي التلفزيوني الوحيد بالنسبة إلى المنصور، حيث أن انشغالها السينمائي حرم الجمهور الخليجي والعربي أيضا من تكرار التجربة التلفزيونية.

أخرجت هيفاء مؤخرا فيلما لحساب شبكة “نتفليكس” العالمية بعنوان “نابولي إلى الأبد”، وهو فيلم كوميدي رومانسي يطرح قصة سيدة من جذور أفريقية تنشأ في حي تقليدي. تم تصوير الفيلم في أتلانتا، وهو الآن في مرحلة المونتاج، ومن المتوقع عرضه على نتفليكس في شهر مارس المقبل.

وكانت مجلة "نيوزويك" الأميركية قد بشرت القراء قبل أيام قليلة، مؤكدة أن دور عرض السينما السعودية، وتحديدا في مدينة "جدة" الساحلية، ستبدآ أول عروضها في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة، بعرض فيلم الأنيميشن الشهير "ذا إيموجي فيلم". حيث قال ممدوح سالم، المسؤول عن عرض الفيلم، لوكالة "رويترز" إنه تم استخدام ذلك الفيلم كـ"نقطة" بداية لأول عرض سينمائي في المملكة، بعد صدور قرار بالسماح بإنشاء دور السينما في 11 ديسمبر الماضي. وهكذا تكون جهود هيفاء المنصور ومواطنتها المخرجة السينمائية ريم البيات وغيرهما من السينمائيين السعوديين قد أثمرت بالفعل وبدأ العهد السينمائي الجديد في بلادهم.

13