هيكتور كوبر واقعي يفك شفرة اللاعبين ويبعدهم عن الكرة الاستعراضية

الأحد 2017/10/22
مهندس دقيق يوصله الحذر إلى مونديال روسيا

القاهرة – منذ توليه مسؤولية تدريب منتخب الفراعنة في مارس 2015 وسهام النقد لم تتوقف أبدًا عن الانطلاق نحو هيكتور كوبر، إذ لم يستسغ الجمهور المعروف بتذوقه لكرة القدم الاستعراضية الجميلة لا طريقته الدفاعية المتحفظة في التدريب ولا رسم الخطة داخل الملعب ولا اعتماده في الهجوم على لاعبي الوسط مع ترك “مهاجم وحيد” يتوه بين سيقان التكتلات الدفاعية للمنافسين.

ولا أحد يمكنه التنبؤ بما يدور في رأس الأرجنتيني كوبر القابع على رأس الإدارة الفنية لمنتخب كرة القدم المصري، وبينما تمرّ الدقائق من عمر المباراة ثقيلة على قلوب الجماهير في انتظار هجمة شرسة تفك طلاسم المباراة تراه يقف بوجهه العبوس عاقدا ذراعيه على صدره غير عابئ بالهتافات الساخرة باحثًا عن حلول خططية تتوافق مع عقيدته الدفاعية.

على المحك

قبل أيام وقف كوبر بملامحه الحادة وسط أعضاء جهازه الفني يردّد النشيد الوطني المصري استعدادا لخوض المباراة المصيرية، التي ستبقيه على رأس الإدارة الفنية للمنتخب أو تكون سببا في عودته إلى بلاده ليبقى لقب الوصيف الذي عُرف به معلّقًا في عنقه، وطوال 90 دقيقة هي عمر المباراة التي جمعت بين منتخبي مصر والكونغو حبست الجماهير الأنفاس انتظارا لتحقيق الحلم.

الأمور لم تكن على ما يرام. جاءت الدمعة لتطفئ فرحة الانتصار بعد أن تمكّن الضيوف من إدراك التعادل قبل ثماني دقائق فقط من صافرة النهاية، وسط 60 ألف متفرج امتلأت بهم مدرجات إستاد برج العرب بالإسكندرية. لكن القدر كان رحيما بملايين المصريين، وبكوبر أيضًا، فقبل ثوان على النهاية جاء المنقذ محمد صلاح ليحرز هدف الفوز الذي قاد الفراعنة إلى المونديال، وهناك التقط كوبر الأنفاس ورفعته الجماهير على الأعناق.

توقف منتقدو الرجل عن تصويب سهام نقدهم، مؤقتا، إلى رأسه، وكيف ينتقدونه وهو الذي حقق حلم مئة مليون مصري بالصعود إلى المونديال، وكان من الطبيعي أن تسيطر على الرجل السعادة الطاغية إذ بات من حقه الآن الاعتزاز بذاته بعد أن خالف كل التوقعات وانتصرت خطته الدفاعية في النهاية.

فكرة ثانية عن اللعب

الذين يعرفون تاريخ كوبر، كلاعب كرة قدم، لا تدهشهم الطريقة الدفاعية الغالبة عليه في تخطيطه لإدارة المباراة، فالرجل بدأ مسيرته في المستطيل الأخضر عام 1976 كقلب دفاع، وهي المنطقة التي ظل قابعا بها 16 عاما حتى اعتزل في 1992 دون أن يحرز هدفا رسميا واحدا.

في مدينة “شاباس سانتا” الأرجنتينية كان مولد كوبر في 16 نوفمبر عام 1955، ومن هناك بدأ مسيرته مع كرة القدم، لكنه لم يغادر الدوري الأرجنتيني طوال مسيرته كلاعب، حيث بدأ مع نادي فيرو أويستي، قبل أن ينتقل إلى فريق نادي إندبندنت لمدة موسم واحد ثم عاد ثانية إلى فيرو، ومنه إلى نادي هوراكان، وخلال هذه الرحلة لم يتم استدعاؤه إلى منتخب بلاده سوى في خمس مناسبات فقط.

ستة عشر عاما كانت كافية تماما ليتأثر المدرب الأرجنتيني بالطابع الدفاعي الذي صار عنصرا أساسيا في خزانة أفكاره إلى درجة جعلته عاشقًا للنمطية والابتعاد كلما أمكن عن أيّ مغامرة حتى لو كانت محدودة، فهو من النوع الذي يرفع دائمًا راية “الدفاع خير وسيلة للهجوم”، ولا يؤمن في داخله بمقولة “يفوز باللذات كل مغامر”.

يقال إن عدم تسجيل كوبر الأهداف، وهو لاعب، أفقده فرحة التهديف وحلاوة مشهد معانقة الكرة للشباك. وبالرجوع إلى مشوار منتخب مصر في التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى بطولة كأس العالم 2018 بروسيا، نجد أنه لم يسجل إلا سبعة أهداف فقط جاءت بأقدام صانعيْ الألعاب؛ محمد صلاح (5 أهداف)، وعبدالله السعيد (هدفان)، ويعود ذلك إلى اكتفاء الرجل بأيّ عدد من الأهداف مهما قلّ، فالأهم هو الفوز، وحققت تلك النظرية النجاح وأتت بثمارها، فها هي مصر قد ضمنت بطاقة ترشحها إلى كأس العالم، وهكذا هدأت حدة الانتقادات وإن لم تتوقف تمامًا.

يد القدر تتدخل لصالح كوبر ومعه ملايين المصريين، فقبل ثوان من نهاية مباراة مصر والكونغو الأخيرة جاء المنقذ محمد صلاح ليحرز هدف الفوز الذي قاد الفراعنة إلى المونديال، وعندها التقط كوبر الأنفاس ورفعته الجماهير على الأعناق

انتصر كوبر في النهاية وأوفى بوعده الذي تعهد به أمام أعضاء مجلس اتحاد الكرة حين التعاقد، فقد وعد بالتأهل إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2017 بالغابون، وقد تأهل، وبالوصول إلى بطولة كأس العالم وقد وصل.

إذن فخطة المدرب الأرجنتيني التي لاقت هجوما ضاريا طوال عامين نجحت وحققت أحلام المصريين وعاد منتخب بلادهم إلى البطولة الأفريقية بعد غياب 7 سنوات كاملة، رغم أنه يملك الرصيد الأكبر من مرات الفوز بالبطولة (8 ألقاب)، كما عادوا إلى الكأس السحرية التي لم يتذوقوا لذة المشاركة فيها منذ العام 1990.

ضد الجمهور والنقاد

كوبر كان سببا في وضع أسماء الجيل الحالي من لاعبي منتخب الفراعنة في سجلات التاريخ الكروي، وفكّ العقدة التي عمرها 27 عاما، وقاد المنتخب إلى المونديال للمرة الثالثة في تاريخه، وهو تاريخ مليء بالإحباطات والأحزان للجمهور بسبب فشل التأهل حتى في أسهل التصفيات.

الطريف أن كوبر الذي استحق عن جداره لقب “الوصيف” أو “المنحوس” وهما لقبان يعودان إلى خساراته المتكررة في النهائيات، نال لقبًا ثالثًا هو “الثاني” نظرًا إلى أنه ثاني مدرب أجنبي يقود المنتخب المصري إلى المونديال، حيث أن الأسكتلندي جيمس مكابي سبق وقاد منتخب مصر إلى مونديال 1934 بإيطاليا، كأول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نهائيات كأس العالم.

الصعود إلى المونديال، وإن هدّأ من حدة الانتقادات، إلا أنه لم ينهها تماما، فمازالت بعض الأصوات، سواء من الجماهير أو من خبراء اللعبة، لا تتوسم في الرجل خيرا، واستبق البعض الأحداث وتوقعوا خروج المنتخب المصري من الدور الأول في ظل جمود طريقة المدرب الأرجنتيني، والآن يتساءل الجمهور: ما جدوى هذه الطريقة يا ترى أمام صفوة المنتخبات الأوروبية واللاتينية؟

كوبر من جانبه يرفض هذه اللهجة وقد أعلن رفضه لها عقب التأهل، وقال بحزم “إن المنتخب المصري سيتخطى الدور الأول في المونديال، وسوف ترون”. فكأنه ساحر أو دجال أو ربما مصاحب للجن الذين يخبرونه بما لا يعلمه غيره، ما جعل البعض يتعجبون من تلك اللهجة الواثقة التي تحيطها العشرات من علامات الاستفهام، فلا يوجد دليل يدعم هذه الثقة في ظل إمكانات محدودة ومعروفة سلفًا.

المهم هو الفوز

عمر المنتخب المصري لكرة القدم يزيد على أكثر من مئة عام، وخلال تلك المدة تولى عدد غير قليل من المدربين، محليين وأجانب، تدريبه، لكن كوبر دائمًا ما يُشعر البعض بأنه يعرف عن هذا المنتخب ما لم يعرفه غيره ولا حتى خبراء اللعبة المخضرمون من نجوم الكرة المحليين رغم تاريخهم الطويل، فما السر؟

بطولات كبيرة فقدها كوبر في اللحظات الأخيرة، إلا أنها لم تجعله يعرف طعم الإقالة إلا مع الأندية، فقد تعرض للإقالة ثلاث مرات مع ريال بيتيس الإسباني ثم بارما الإيطالي، ثم الوصل الإماراتي.

يقول مؤيدوه إن السر هو نجاح كوبر في التعرف على طبيعة اللاعب المصري التي حيّرت العشرات من المدربين، وعرف كيف يستفيد من قدرات كل لاعب، وإن الرجل واقعي ويجيد رسم خريطة المباراة وفقا للإمكانات الفنية والبدنية المتاحة أمامه، وما دليل ذلك إلا تمسكه بصرامة باللاعبين المحترفين، فعند اختيار القائمة يضع المدرب الأرجنتيني المحترفين المصريين على رأس القائمة ثم يكمّلها بالمحليين.

وبين الواقعية والعناد يحتار الكثيرون في وصف الرجل، فاللاعبين الذين يقع عليهم اختياره قبل كل مباراة معروفون للجميع ولا يخطئهم أيّ متابع، ولا تكون تغييراته خلال المباراة إلا في حدود ضيقة للغاية وبعدد قليل جدا من اللاعبين، وتبريره لذلك هو أن المجموعة التي نالت ثقته باتت على دراية تامة بخطة اللعب واتسقت مع أفكار المدير الفني وجهازه المعاون.

لكن آخرين يؤكدون أن كوبر لا يهوى المهاجمين أو أصحاب النزعة الهجومية، بل ويذهبون إلى أنه لو لم يكن اللاعب محمد صلاح المحترف في صفوف ليفربول الإنكليزي قد حقق المكانة التي هو عليها الآن وذاع صيته في إنكلترا لما ضمه كوبر إلى قوام منتخب مصر.

“الأهم عندي هو الفوز بالمباراة ولا يهمّني ماذا تريد الجماهير”، هكذا يردّ كوبر على منتقديه، وفعليا فإن كرة القدم لا تعترف إلا بالانتصارات، فلم تحسم الهجمات المنظمة ولا المراوغات اللافتة وحدها نتيجة المباراة وإنما النتيجة يحسمها الفوز بقطع النظر عن حلاوة الأداء.

استثمار أخطاء الآخرين

كوبر يرى أن طريقته الدفاعية البحتة واللعب على الهجمة المرتدة هي الأصلح والأفضل لمنتخب وصل إلى نهائي كأس الأمم الأفريقية ثم خسر أمام الكاميرون بسبب الإجهاد، ما جعله يتمادى في تحفظه دون أن يدرك أن منتخب مصر يضم مجموعة من أصحاب المهارات العالية.

الناقدون لكوبر يقولون “صحيح أن طريقة كوبر باللعب على أخطاء المنافس قد تصل بك إلى نهائي القارة السمراء أو تقودك إلى حجز تذكرة المونديال، لكنها مع ذلك لا تأخذك إلى منصات التتويج أو الربح بشكل دائم، إذ التتويج يكون للمغامرين فقط”.

افتقاد الرجل لروح المغامرة هو ما منحه لقب “المنحوس”، واشتهر طوال مسيرته التدريبية، البالغة 22 عاما، بسوء الحظ والهزيمة في المباريات النهائية، ورغم هذا المشوار الطويل لكوبر إلا أن بطولاته شحيحة ولا يمتلك منها فقطإلا القليل، فقد نال لقب “كوبا كونميبول” مع لانوس الأرجنتيني، وهي مسابقة شبيهة بكأس الاتحاد الأوروبي، كما فاز مرتين بلقب كأس السوبر الإسبانية، الأولى مع ريال مايوركا عام 1998، ثم فالنسيا في العام 1999.

عمر المنتخب المصري لكرة القدم يزيد على أكثر من مئة عام، وخلال تلك المدة تولى عدد غير قليل من المدربين، محليين وأجانب، تدريبه، لكن كوبر دائما ما يشعر البعض بأنه يعرف عن هذا المنتخب ما لم يعرفه غيره.

سوء الحظ عاند كوبر في التتويج ببطولات أكبر وخسر كأس إسبانيا مع ريال مايوركا أمام برشلونة بضربات الترجيح، ثم خسر نهائي بطولة أوروبا للأندية أبطال الكؤوس أمام لاتسيو الإيطالي.

علاوة على هذا، أدارت منصة التتويج بدوري أبطال أوروبا وجهها عن كوبر مرتين، الأولى عندما كان يتولى الإدارة الفنية لفالنسيا الإسباني وخسر نهائي نسخة عام 2000 أمام ريال مدريد بثلاثية نظيفة، وفي النسخة التالية 2001 خسر بركلات الترجيح أمام بايرن ميونيخ الألماني.

هكذا خرج من إسبانيا، غير أن سوء الحظ ظل لصيقا به حتى في إيطاليا، ومع إنتر ميلان خسر لقب الدوري الإيطالي، وسقط في الجولة الأخيرة أمام لاتسيو بهزيمة (2-4)، رغم أن التعادل كان كافيا للتتويج.

ورغم البطولات الكبيرة التي فقدها في اللحظات الأخيرة إلا أنه لم يعرف طعم الإقالة إلا مع الأندية الصغيرة، فقد تعرض للإقالة ثلاث مرات مع ريال بيتيس الإسباني ثم بارما الإيطالي لفشله في الهروب بهما من شبح الهبوط، ثم الوصل الإماراتي لسوء النتائج.

“العبقري المنحوس” لقب أطلقته الصحافة العالمية على الأرجنتيني هيكتور كوبر، لكنه مع منتخب الفراعنة ابتسم له الحظ ونجح أخيرًا في فك النحس.. فهل يستمر الحظ مبتسمًا خلال الرحلة الروسية؟ سؤال ينتظر المصريون الإجابة عنه بعد أشهر قليلة.

وتعوّل الجماهير ومعها اللاعبون والمسؤولون على التمثيل المشرف في المونديال، ومحاولة تقديم عروض جادة تثبت أن مصر عادت لمكانتها الرياضية، وهي جزء من محاولات في مجالات أخرى يجري الإعداد لها، وتسعى الحكومة إلى توظيف الانجازات الرياضية، أملا في تأكيد أن لديها إرادة وعزيمة وتطلعات للمستقبل، افتقدها المصريون في العقود الماضية.

9