هيكلة جديدة للإعلام المصري تهدف إلى تطوير المحتوى

تغييرات جديدة في المشهد الإعلامي المصري من المنتظر أن ينتج عنها ضخ دماء جديدة على مستوى القيادات العليا التي تضع السياسات الإعلامية وتتحكم في المضمون.
الجمعة 2019/08/16
زاوية رؤية جديدة للإعلام المصري

شكل غياب الإعلام المصري عن حادث معهد الأورام الذي وقع في 4 أغسطس الجاري جرس إنذار للحكومة المصرية، لفقده المبادرة والقدرة على مد الجمهور بالمعلومة المتعطش إليها، لذلك اتخذت الحكومة القرار بإجراء تغييرات لضخ دماء جديدة وتطوير المضامين الإعلامية وإعادة الاهتمام بالمحتوى السياسي الذي همشته سابقا.

القاهرة- ينتظر المشهد الإعلامي في مصر تغييرات على مستوى القيادات والمضمون، حيث تشهد الساحة الإعلامية حالة من الجدل مع تغيير وجوه إعلامية بارزة، وتواتر أنباء عن دمج فضائيات وإدخال تعديلات إدارية وتحريرية على بعض الصحف الحكومية، بالتوازي مع قرب إعلان تشكيل الهيئات الإعلامية الثلاث (المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والوطنية للإعلام).

وجاء غياب الإعلامي أسامة كمال عن تقديم برنامج الـ”توك شو” الرئيسي على فضائية “دي.أم.سي” واستبداله بالإعلامي الشاب رامي رضوان مؤخرا، كمؤشر على رسائل عديدة، لأن كمال كان أحد المقربين من جهات رسمية عديدة.

وربطت بعض المصادر بين تقدم رضوان واستبداله بكمال وبين إشادة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مؤخرا بكفاءة وأخلاق الأول، واعتبروها إشارة البدء في تغيير حقيقي في الوجوه القديمة.

وقالت مصادر مطلعة لـ”العرب”، إن التغييرات الجديدة من المنتظر أن ينتج عنها المزيد من ضخ الدماء الجديدة على مستوى القيادات العليا التي تضع السياسات الإعلامية وتتحكم في المضمون المقدم عبر الوسائل المحلية المختلفة، وبالتالي فإن الحالة الإعلامية التي طغى عليها الجانب الدرامي والترفيهي سوف يحل محلها إنتاج محتويات ثقافية وسياسية لاستعادة جزء من الجمهور مرة أخرى.

ويعاني الإعلام المصري من مشكلات هيكلية منذ سنوات، وفشلت محاولات تطويره الشكلي في جذب المشاهدين، واضطرتهم إلى استقاء معلوماتهم من خلال مصادر أجنبية.

وقد تكون حالة الاستقرار السياسي في البلاد عقب إدخال التعديلات الدستورية في شهر أبريل الماضي وتخطي تحديات أمنية دقيقة وإحكام الحكومة قبضتها على غالبية الملفات التي كانت تشكل هاجسا، داعمة لفتح مساحات جديدة تتيح حريات أكبر في الوسائل الإعلامية.

ويرى البعض من الخبراء أن الحكومة تسعى إلى إيجاد إعلام يقدم خدمة عامة للجمهور تستهدف توعيته ثقافيا في مواجهة الحملات الخارجية التي تشنها وسائل إعلام معادية، محسوبة على تركيا وقطر وجماعة الإخوان، من خلال الاعتماد على إعلاميين شباب، وطي صفحة وجوه قديمة ومستهلكة بعد أن غيرت مواقفها مرات، وأضحت غير مؤثرة.

استبدال الإعلامي أسامة كمال بالشاب رامي رضوان إشارة البدء في تغيير حقيقي في الوجوه القديمة
استبدال الإعلامي أسامة كمال بالشاب رامي رضوان إشارة البدء في تغيير حقيقي في الوجوه القديمة

وقال محمد المرسي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن الحكومة المصرية أدركت حجم الأزمة التي تسبب فيها غياب الإعلام وفقدان تأثيره محليا وعربيا، بعد أن كان من عوامل استقرار الأنظمة السابقة، غير أن المشكلة مازالت قائمة في طرق العلاج والتي تسير في فلك تغييرات الوجوه والأشخاص والقرارات الاقتصادية، فيما غابت الرؤية السياسية لتقتصر على الاستغراق في التركيز على الإنجازات.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن إقرار البرلمان مؤخرا لقانون تداول المعلومات المعطل، وإعطاء مساحة أكبر للإعلاميين للتعبير عن جوهر المشكلات التي يواجهها المجتمع، مقدمة لتغيير متوقع في المحتوى، وهو ما يرتبط بتغير وجهة نظر الحكومة تجاه الإعلام، بحيث تكون لديها سعة صدر لتقبل النقد، وقناعة بأنه يصب في صالحها ولا يضرها.

وألمحت جهات رسمية إلى أن الحكومة بدأت في تطبيق منظومة إصلاح المحتوى الإعلامي، وتقوم حاليا بإنشاء أكبر مدينة للثقافة والفنون في العالم، ما يبرهن على التوجه الجديد.

ويرى المرسي أن الخطوة الأولى التي تقدم عليها الحكومة في الفترة المقبلة ترتبط باستعادة السبق الصحافي والإعلامي للفضائيات، بحيث تكون الوجهة الأولى للمشاهد عند وقوع الأحداث الكبيرة هي القنوات المحلية وليست العربية، كما هو الحال حاليا، لافتا إلى أن هناك ورش عمل وجلسات تجري لتطوير محتويات قناة “اكسترا نيوز”، وأخرى لإطلاق فضائية إخبارية عربية.

وغاب الإعلام المصري عن حادث معهد الأورام الذي وقع يوم 4 أغسطس الجاري بفعل غياب المعلومات الرسمية، واتخذت وسائل الإعلام المحلية قرارا بعدم التغطية الإخبارية انتظارا لبيانات ترشدهم، ما تسبب في عزوف المواطنين عن متابعة المساحات التي منحتها بعض وسائل الإعلام عقب صدور بيان رسمي بعد نحو 20 ساعة أكد أن الحادث إرهابي.

وتسببت هذه النتيجة في التشكيك في الرواية المصرية التي حملت حركة حسم الإخوانية مسؤولية الضلوع في العمل الإرهابي، بما انعكس سلبا على آراء مواطنين كانت الحكومة تضمن ثقتهم فيها وما تقدمه عبر وسائل الإعلام المحلية، فضلا عن انزعاج بعض الدوائر الأمنية من عدم قدرتها على تسويق وجهة نظرها.

كما أن البعد الاقتصادي له دور مهم في التدخل الحكومي الحالي، حيث ينفق الإعلام المصري سنويا 6 مليارات جنيه (360 مليون دولار) ولا يحقق عوائد سوى 2 مليار جنيه فقط (120 مليون دولار)، وفق ما ذكر الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي قارن هذه الأرقام بعهود سابقة كان يحقق فيها الإعلام عوائد مالية كبيرة، ما دفعه إلى التأكيد أن التطوير لن يطول الراديو والتلفزيون فقط، والتحرك سيكون لمواكبة العصر، ما يعني الارتكان إلى المنصات الإلكترونية أيضا.

الحكومة المصرية عليها الانتقال من تقديم إعلام حزبي يركز على إنجازاتها إلى "إعلام سياسي" يخاطب جميع الفئات

في المقابل، فإن البعض من العاملين في الحقل الإعلامي يخشون من ترجمة تلك التصريحات إلى مزيد من التقشف، ما يعني زيادة الأزمات وليس حلها، لأن الإعلام القوي بحاجة إلى قدرات مالية وتكنولوجية حديثة تمكنه من مسايرة الإنفاق السخي، وأن الذهاب باتجاه تحجيم الإعلام، يرجح أن تدفع ثمنه الدولة سياسيا وهي خسارة أكبر بكثير من الخسارة المالية.

وأكد مروان يونس، خبير الإعلام السياسي، أن الحكومة المصرية عليها الانتقال من تقديم الإعلام الحزبي الذي يركز على إنجازاتها ويخاطب الموالين والمؤيدين لسياساتها، إلى ما يسمى بـ”الإعلام السياسي” الذي يخاطب جميع الفئات ويشبع رغباتهم، ما يتطلب إفساح المساحة للرأي الآخر الذي غاب بشكل كلي وتوسيع مساحات الأفكار والنقاشات لأن ذلك هو المتنفس للمشاهدين.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن برامج الثقافة والمعلومات العامة والعلوم قد تأخذ نصيبا خلال الفترة المقبلة لرفع نسب وعي المواطنين، غير أن ذلك لن يكون كافيا في ظل الحاجة إلى برامج تناقش الشأن العام بطرق مختلفة عن التي تقدم في قوالب تجاوزها الزمن وخرجت فعليا من الخارطة الإعلامية.

وأشار إلى أن الحكومة ما زالت تتعامل مع الإعلام بأيد مرتعشة وتخشى من مغبة علاج الأزمات بشكل كلي، وتشبه المريض الذي يعاني من مرض مزمن ويرتكن إلى المسكنات، ما يجعلها تقدم على استخدام إجراءات جزئية من خلال الوجوه الجديدة والحديث عن تقنين الهياكل الاقتصادية، على اعتبار أن ذلك يؤدي إلى إصلاح حقيقي.

18