هيكل يسقط في فخ خرائط لم تعد موجودة

الاثنين 2015/03/30
هيكل يحرص في لقاءاته الصحفية على السير وفق سيناريو محدد مع مذيعة تم اختيارها مسبقا بعناية

محمد حسنين هيكل يختار محاوريه بعناية ويرفض الأسئلة المفاجئة ويراجع لقاءاته التلفزيونية قبل إجازة بثها على الجمهور، الأمر الذي أوقعه في تناقضات في تحليله الوضع اليمني.

أثار الكاتب المصري محمد حسنين هيكل حالة من الجدل السياسي، بعد الإعلان عن تأجيل أحد لقاءاته شبه الدورية على فضائية (سي بي سي) أخيرا، والتي بدأها منذ أكثر من عام ونصف العام، تحت عنوان “مصر أين.. ومصر إلى أين؟”، ويتحدث فيها مع الإعلامية لميس الحديدي عن الأوضاع المصرية، والعلاقات الإقليمية والدولية.

والعلاقات الدولية الواسعة التي تمتع بها هيكل شرقا وغربا، جعلته يقدم نفسه على أنه رأس الحكمة، لكن ذلك دفع كثيرين إلى اتهامه بإدعاء معرفة جميع تفاصيل الخارطة السياسية الإقليمية والدولية، مع أنه لايزال يتحدث بلهجة الماضي وأن العالم قد تغير تماما من حوله. وجاء تأجيل الحلقة، مصحوبا ببيان أصدره حمل انتقادات واضحة لعملية عاصفة الحزم في اليمن، وقرار السعودية تنفيذها قبل انتظار القمة العربية.

وفتح البيان المفاجئ الباب لنقاشات طويلة في مصر حول دوافع اعتراض هيكل، وسلط الضوء على التناقضات التي تحويها تصريحات وحوارات الكاتب الكبير الإعلامية، وهو ما حدث عقب ثورة 25 يناير 2011، ووصفه لشباب الثورة بأنهم كالذي ينوي الصعود إلى سطح القمر، وبعد نجاح الرحلة وقف صامتا عندما سئل عن الهدف من رحلته.

وجاء في بيان هيكل الذي شرح فيه أسباب تأجيل بث حلقته يوم الجمعة الماضي “أن هناك طوارئ وقعت تمثلت في قرار العمل العسكري في اليمن، بواسطة 10 دول عربية ضمنها مصر، وأن هذه الضربة العسكرية سبقت كل الترتيبات، على رأسها مؤتمر القمة العربية المنعقد في مدينة شرم الشيخ، حيث كان متصورا أن يكون التدخل العسكري بعد القمة، خاصة وأن أهم البنود الواردة في جدول أعمال القمة، إنشاء قوة عربية مشتركة”.

وجاءت تصريحات هيكل في الحلقة المؤجلة لأجل غير مسمى، مغايرة تماما لما يحدث على أرض الواقع، ما أعاد طرح التساؤل نفسه الذي يتردد منذ سنوات، وهو لماذا يصر هيكل على احتكار التحليلات السياسية في كل أزمة، سواء كانت عربية أو إقليمية أو دولية؟

هيكل رسم خارطة الحلقة وفقا لتجربة قديمة مع اليمن عاش تفاصيلها عندما كان مقربا من عبدالناصر

وجعلت هذه المسألة كثيرين يتهمونه بأنه يتحدث فقط عن أشخاص فارقوا الحياة، وأنه يستند في رواياته على أناس غالبا لا وجود لهم حاليا، وأن تقديراته ليست صائبة دائما، والدليل أنه طلب بنفسه عدم بث الحلقة أخيرا، لأن مضمونها، الذي تم تسجيله قبل موعد بثها بثلاثة أيام كان يسير في اتجاه سياسي عكس الواقع في الأزمة اليمنية.

وما جرى في اليمن لم يعد مجرد احتمالات كما زعم هيكل، لكن البيان الذي أصدره بشأن الضربة العسكرية، استغله بعض الرافضين لعملية عاصفة الحزم استغلالا سلبيا، حيث بثته مواقع مقربة من إيران والحوثيين على أنه رسالة من هيكل تكشف رفضه للعملية العسكرية واحتجاجه عليها.

وقال موقع حزب “الحرية والعدالة” الذراع السياسية لجماعة الإخوان، إن هيكل كشف عبر البيان عن امتعاضه من قرار السعودية قيادة العمليات بالتحالف مع دول الخليج، ودول أخرى بينها مصر، دون انتظار مؤتمر شرم الشيخ، ما أفسد الفرصة على توظيف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للقمة لصالحه.

وإذا كان البعض ينتظر طلة هيكل على الشاشة منذ قيامه بتقديم برنامجه الشهير “مع هيكل” على قناة الجزيرة القطرية (عاد وهاجمها)، إلا أن تصريحاته وآراءه التليفزيونية مؤخرا أصبحت الأكثر إثارة إعلاميا في مصر، لما تحمله من تناقضات سياسية، وصلت أحيانا إلى حد تحريف بعض الروايات، ولي أعناق حقائق لصالح موقفه.

الأسباب المعلنة لتأجيل إذاعة حلقة هيكل، أن الضربة الجوية للحوثيين قلبت كل الحسابات، لكن الحقيقة أن متابعين قالوا إن الأستاذ (كما يطلق عليه في مصر) بحاجة إلى وقت للتفكير في ما يجري، واستقصاء المعلومات قبل أن يدلي بدلوه، حتى لا يكون الواقع في واد وهيكل في واد آخر.

وأكدت مصادر مطلعة داخل محطة “سي بي سي” لـ “العرب”، أن الحلقة جرى تسجيلها يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضى، حيث وضع هيكل، كالعادة، المحاور التي سيتحدث فيها أمام المذيعة التي تم اختيارها مسبقا بعناية، وفقا لمواصفات حددها بنفسه، والتي توافرت في الإعلامية لميس الحديدي، على رأسها الإنصات التام أثناء الحوار، فضلًا عن عدم الخروج عن السيناريو الذي يرسمه “الأستاذ” بنفسه لكل حلقة، كما أنه لا يحب الشغب أو الأسئلة المفاجئة.

وقد عرف عن هيكل أنه يعمل وفق طقوس خاصة، حيث لا يخرج أي تصريح منه لأي صحيفة إلا إذا قام بمراجعته وحذف أو إضافة ما يراه مناسبا، فالبيان الأخير صيغ بعناية ليبعد أي خطأ بشري يكون قد وقع فيه هيكل.

عرف عن هيكل أنه يعمل وفق طقوس خاصة، حيث لا يخرج أي تصريح منه لأي صحيفة إلا إذا قام بمراجعته وحذف أو إضافة ما يراه مناسبا

وكشفت مصادر داخل فضائية “سي بي سي” لـ “العرب”، أن الرجل اعتاد أن يبعث بمحاور اللقاء ليتم وضع الأسئلة عليها، ثم ترسل إليه ليحذف منها أو يضيف إليها ما يشاء، وبعدها يتم تسجيل الحلقات، ثم تبعث له مسجلة مرة أخرى ليشاهدها ويجيز بثها، وهو ما تسبب في تأجيل حلقته الأخيرة، حيث احتوت المحاور التي وضعها على الأوضاع في اليمن وتصاعد نفوذ الحوثيين واقترابهم من السيطرة على البلاد بشكل تام، وكان ذلك قبل بدء العملية العسكرية “عاصفة الحزم”، فقام بتحليل الموقف على أساس صعوبة القيام بعمل عسكري في اليمن ضد أنصار الله.

وقال مراقبون لـ “العرب”، إن هيكل رسم خريطة الحلقة وفقا لتجربة قديمة مع اليمن، عاش تفاصيلها عندما كان مقربا من الرئيس جمال عبدالناصر، وقت التدخل العسكري المصري في اليمن منتصف ستينات القرن الماضي، والذي أدى إلى مقتل الآلاف من الجنود المصريين. وأشار المراقبون إلى أن هذه التجربة بكل مراراتها، باعتبارها أحد عوامل انكسار مشروع عبدالناصر وساعدت على هزيمة يونيو 1967، لا تزال عالقة في ذهن هيكل وموقفه السلبي معروف من المملكة العربية السعودية، كل ذلك أرخى بظلاله السلبية على رؤيته للأحداث الراهنة في اليمن، حيث بدا في الحلقة المحجوبة كمن يتحدث عن يمن الستينات، لذلك كانت رؤيته وفقا لبيانه الأخير أن مصر لا يجب أن تشارك في الضربة العسكرية، رافضا أن تقاتل القوات المصرية بجوار العرب ضد تمدد الحوثيين المدعومين من إيران.

في الوقت الذي اتضحت الرؤية بالدعم الإيراني للجماعات المسلحة، يصر هيكل على أن يسير في طريق آخر، حيث يرى أن مصر لابد أن تتجه ناحية طهران، وأن تعمل على توطيد علاقاتها معها، زاعما أن الدعم الخليجي للقاهرة لا يجب أن يقف أمـام تقاربها مع طـهران.

18