هيلين الخال الرسامة التي كتبت أجمل النصوص

الأحد 2016/03/06
زوجة الشاعر التي يطاردها شبحه

لندن - لو أنها كانت افتتاحية عصر فنّي فستكون واحدة من أهم رموزه. انتمت إلى ستينات القرن الماضي بالرّغم من أنها عمرا تُحسب على جيل الرواد المؤسسين لتيار الحداثة الفنية في لبنان.

المرأة التي رسمت لتكون صلة وصل بين جيلين وكتبت لتقوم برحلة اكتشاف في ما هو أنثوي في الفن. لا يزال كتابها “النساء الفنانات في لبنان” بمثابة سجل فريد من نوعه يؤرخ لمساهمة المرأة في تحديث النظرة العربية إلى الفن والتفكير فيه.

أمّا حين أغنت خيال الأنوثة باقتراحاتها النقدية فإنها انتقلت إلى المشهد الفني العام الذي تلمّست الطريق إليه عبر تحليل تجارب 82 فنانا لبنانيا من مختلف الأجيال، من غير أن تنحاز لأسلوب فنيّ بعينه.

انفتحت من خلال “غاليري وان” وهي القاعة الفنية التي أقامتها في بيروت عام 1963 على الفن العربي، فكانت تلك القاعة بمثابة الرئة التي تنفست من خلالها بيروت هواء المغامرة العربية الجديدة في الفن.

لم تكن هناك في بيروت قاعة لعروض فنية بمعايير الاحتراف قبل غاليري وان. غير أن الأهم أن تلك القاعة صنعت من بيروت ولو لأمد قصير عاصمة للفن العربي الحديث.

الرسامة والكاتبة ومديرة الصالة الفنية كانت في الوقت نفسه زوجة شاعر كبير. وهو ما أثقل كاهلها بالكثير من التكهنات التي سعت إلى تكذيبها، وصولا إلى اعلان براءتها من كل ما يتعلق بالإيمان بموهبة زوجها الشعرية الذي كان بحق (بابا) الشعر الحديث في العالم العربي.

هل كانت هيلين خطأً ارتكبه يوسف الخال حين استقدمها من نيويورك زوجة له فإذا بها تتمرد عليه بعد سنوات لينبّ غضبها منه على ريادته الشعرية؟ غير أن ما لا يمكن لأحد إنكاره أن تلك المرأة كانت رسامة وناقدة حقيقية.

الرسامة التي أصبحت زوجة لشاعر

ولدت هيلين الخال في ولاية بنسلفانيا الأميركية عام 1923 لوالدين لبنانيين مهاجرين من طرابلس. في الثانية عشرة من عمرها تعرفت على الرسم حين جلست موديلا في قاعة لتعليم الرسم. أما حين بلغت العشرين من عمرها فإنها ارتبطت بالرسم بطريقة مختلفة. يومها أقعدها المرض فصارت تجد في الرسم تسليتها الوحيدة. رسمت يومها صورة شخصية لأخيها.

حين عادت إلى بيروت برفقة والدتها عام 1946 التحقت بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (البا) ودرست الرسم لسنتين إلى جانب شفيق عبود وفريد عواد وإيفيت أشقر وميشال بصبوص وسواهم من الفنانين الذين قُدر لهم في ما بعد أن يكونوا سادة المشهد الفني في خمسينات وستينات القرن الماضي. حين عادت هيلين إلى نيويورك استأنفت دراستها للفن لتعود عام 1960 إلى بيروت في ما بعد فنانة برفقة زوجها يوسف الخال الذي كان قد أصدر قبل سنوات مجلة “شعر” التي كانت رائدة في تبنّي تحولات الشعر الحديث التي بدأت في العراق.
هيلين الخال انتقلت من التشخيص إلى التجريد بيسر شديد
في عام عودتها إلى بيروت أقامت أول معارضها الشخصية. بدأت هيلين عام 1966 بالكتابة عن الفنانين اللبنانيين والعرب بالإنكليزية وهي المقالات التي شكلت مادة كتابها “رنين” الذي صدر بعد وفاتها عام 2009. أما كتابها الأول “النساء الفنانات في لبنان” فقد ألّفته عام 1976 يوم كانت تعلّم الرسم في الجامعة الأميركية ولم ينشر إلا في عام 1987 من قبل معهد دراسات المرأة في العالم العربي بالجامعة نفسها.
هيلين لم تكن لبنانية تماما بسبب لغتها الإنكليزية في بلد، لغته الثانية هي الفرنسية. غير أنها لم تكن ترغب في أن تمثل دور المستشرقة حين كتبت عن الفن العربي الحديث كما عرفته من خلال ما عرضته في قاعتها من أعمال فنية عربية.

روح اللون التي تقود إلى التجريد

انتقلت هيلين الخال من التشخيص إلى التجريد بيسر شديد. كان اهتمامها بتفاصيل الجسد قد قادها إلى تأمل ما لا يُرى من تلك التفاصيل، فكان ذلك فاتحة للاستغراق في ما لا يمكن تشخيصه. تقول الفنانة وهي تصف طقسها في صناعة اللوحة “بداية أفتّش عن نظام داخلي في اللوحة. ومن ثم ألجأ إلى السيطرة عليه من خلال مشاهدة العين ثم تحديد اللون الذي يحمل في داخله روحا وحركة. كالإنسان الذي يملك روحا فإن للون روحا. حينها يستطيع اللون أن يتكلم وحده. وهذا هو هدفي في الفن التجريدي”.

هيلين التي تبدو من خلال كلامها السابق منحازة إلى الفن التجريدي الذي ختمت به مسيرتها الفنية كانت قد جرّبت الرسم متأثرة بالانطباعية والتعبيرية والتكعيبية من أجل أن تصل إلى ذاتها. ما لم تكنه هيلين في رسومها كانته في حياتها. في وقت مبكر من حياتها أتيح لها أن تعلن عن موقفها المتمرد على الرسم التقليدي. ذلك لأنها كانت مديرة غاليري وان. وهو الغاليري الأول في بيروت، بل وفي العالم العربي وهي في الوقت نفسه زوجة بابا الشعر العربي الحديث.

ولكن هيلين لم تأبه كثيرا حين أغلقت قاعتها الفنية وانفصلت عن زوجها. كانت أقوى من أن تكون تابعة لأحد ولم تكن الخدمات التي قدمتها للفنين اللبناني والعربي إلا جزءا عارضا من مسيرتها الفنية. ما فعلته هيلين الخال بعد أن أغلقت أبواب قاعتها وانفصلت عن زوجها كان الأهمّ في حياتها. لقد أقامت العديد من المعارض الشخصية في العالم كما أنها ألقت محاضرات الفن في العديد من الجامعات العالمية.
هيلين الخال المرأة التي رسمت لتكون صلة وصل بين جيلين. انتمت إلى ستينات القرن الماضي بالرغم من أنها عمرا تحسب على جيل الرواد المؤسسين لتيار الحداثة الفنية في لبنان

كتابها “رنين” الذي لم تره، ذلك لأنه صدر بعد وفاتها يكشف عن تلذّذها في الكشف بحميمية عن ذاتها التي تتلصّص بحب على ما يقوم به الآخرون. لم تكتب عن فنان إلاّ لأنّها أحبّت أعماله. ربما رغبت في تشجيع ذلك الفنان، غير أنها في الوقت نفسه كانت ترغب في التعلم منه.

شبح زوجة الشاعر

لم تتخل هيلين عن لقبها الذي اكتسبته بسبب الزواج. كانت دائما هيلين الخال. غير أن عقدة “زوجة الشاعر” كانت قد أربكت حياتها بعد أن أنهت حياتها الزوجية. فكانت مضطرة إلى أن تعلن في كلّ مرة تتكلم فيها أنها لم تعد تقيم في الماضي. ولأن يوسف الخال لم يكن شخصا عاديا فقد لجأت هيلين إلى هدم أسطورته من خلال التقليل من قيمة شعره. حرب لم تكن متكافئة. ذلك لأن الخال وقد طواه الموت لم يكن قادرا على الدفاع عن نفسه غير أنّ منجزه الثقافي كان أقوى من أن تهده أفكار امرأة، ترغب في الانتقام منه شخصيا.

ربما سعت هيلين من خلال هجومها على المنجز الإبداعي لزوجها السابق إلى أن تؤكد استقلالها. وهو ما لم تكن في حاجة إليه. ما أنجزته الفنانة التي توفّيت عام 2009 في مختلف مراحل حياتها يؤهلها لكي يبعد عنها شبح زوجة الشاعر الذي تخشاه. هيلين الخال الرسامة والكاتبة هي أكبر وأهم من زوجة (بابا) الشعر العربي الحديث.

10