هيمنة الجامعة على الثقافة في تونس

السبت 2013/12/14

يبرز التاريخ الثقافي والأدبي في تونس أن جلّ مبدعي تونس، وكتابها، ومثقفيها الموهوبين، والذين صنعوا مجد الثقافة التونسيّة ليست لهم شهائد جامعيّة. وحتى وإن كان البعض منهم قد حصل عليها فهو لا يعبأ بها عندما يتعلق الأمر بالإبداع والفن. فالشابي مثلا، والذي يعتبر أهمّ أشهر شاعر تونسيّ في القرن العشرين، لم يجدّد لغته وأسلوبه وأدوات تفكيره اعتمادا على شيوخ الجامعة الزيتونيين حيث كان يَدْرُس، بل على مطالعاته الخاصة في المجلات، والكتب القادمة من المشرق العربي، والتي ساعدته على التعرف على جبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي وطه حسين وعباس محمود العقاد، وغيرهم من الذين لعبوا أدوارا أساسيّة في تجديد الثقافة العربيّة في العقود الأولى من القرن العشرين.

وبسبب عدم حذقه للغة الفرنسيّة، اعتمد صاحب "أغاني الحياة" على صديقه القيرواني محمد الحليوي الذي أتاح له فرصة الانفتاح على الثقافة الغربية، وعلى الشعراء الرومانسيين الكبار في فرنسا وفي بريطانيا وفي ألمانيا. فجاءت ثورته الشعرية التي أغضبت المحافظين من رجال الدين، ومن أهل الثقافة عاكسة للمجهود الجبّار الذي بذله، رغم عمره القصير، لتعميق ثقافته، ورؤيته للشعر والفن. ولم يتسلح الطاهر الحداد بأيّ شهادة جامعية لكي يكتسب حرية فكرية نادرة في زمنه. تلك الحرية التي سمحت له بأن يكتب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" مدافعا عن حرية المرأة. فما كان من شيوخ جامع الزيتونة إلاّ أن "كفروه"، وحرّضوا عليه العامّة ليقذفوه بالحجارة، ويعتدوا عليه بالضرب في الأسواق، وفي الأماكن العامة. ونعلم أن جماعة "تحت السور" الذين أحدثوا ثورة فعلية في مجال الشعر، والنثر، ونمط الحياة الثقافية والفنية لم يكن حظهم من التعليم غير الشهادة الابتدائية. وجميعهم طوّروا مواهبهم من خلال الاحتكاك ببسطاء الناس، وبالتجول في الأسواق العامة، وبالسهر في المقاهي، وفي حانات اليهود، والمالطيين، وفي محلات البغاء السريّ. وهذا ما تعكسه قصص وأزجال علي الدوعاجي، وصديقه محمد العريبي. وكان شيوخ جامع الزيتونة يلعنون أولئك "الفتيان الفاسقين"، ويطالبون بـ"رجمهم" بسبب حياة التهتك التي كانوا يعيشونها، والتي غذت خيالهم، وإبداعاتهم.

أمّا الراحل البشير خريف فقد حدّثني ذات يوم خريفي غائم وممطر أنه كان عطارا وتاجر حبال في السوق السوداء خلال الحرب الكونية الثانية. بل إنه فكر ذات مرّة عندما انسدّت أبواب الرزق أمامه بأن يعود إلى الجريد، مسقط رأسه، ليعمل مروّضا للأفاعي. وعاد فريد غازي من باريس بشهادة دكتوراه غير أن الأساتذة الجامعيين الآخرين ناصبوه العداء بسبب رفضه الاختلاط بهم، ومفضّلا عليهم الفنانين، والأدباء البوهيميين، وقارئات الكفّ، والرواة الشعبيين. وفي حوار مسهب معه، قال لي محمود المسعدي، صاحب رائعة "حدّث أبو هريرة قال"، بأنه استفاد من مطالعاته الخاصّة، والمعمّقة لآثار عظماء أدباء الشرق والغرب أكثر مما استفاد من دراسته الجامعية في "السربون".

ويمكن القول بأن أغلب الذين نهضوا بالحركة الأدبية، والشعرية منذ الاستقلال وحتى اليوم ليسوا من أصحاب الشهائد الجامعية الرفيعة. والجامعيون الذين أثبتوا قدرتهم في مجال الإبداع لا يفاخرون بشهائدهم مثلما يفعل كثيرون آخرون. سُقتُ هذه الخواطر لكي أطرح قضيّة هيمنة الجامعة التونسية على الثقافة في تونس. وهذه الهيمنة تتسع يوما بعد آخر لتصبح شبه شاملة. والأمثلة على ما ذكرت كثيرة، فالجامعيون يسيطرون على لجان الجوائز الأدبية، وهم مطلقو الأيدي في منحها لمن يريدون. وغالبا ما يتمّ ذلك على أساس المحاباة والمجاملة والعلاقات، والمصالح الشخصيّة. وهذا ما تعكسه جائزة "كومار"، وجائزة "أبو القاسم الشابي".

والجامعيون هم الذين يسيّرون المركز الوطني للترجمة. وبين هؤلاء من لا يكاد يعلم شيئا عن الثقافات، والآداب الأخرى. ومن بين هؤلاء أيضا من لم تتجاوز ثقافته الدروس التي يكررها أمام طلبته منذ عدة عقود. ونحن لا نكاد نجد مبدعا واحدا خارج الإطار الجامعيّ في "بيت الحكمة".

16