هيمنة السلطة الدينية جعلت دمقرطة "إيران الخمينية" مجرد شعار

الثلاثاء 2014/03/18
الجهاز السياسي للدولة واتخاذ القرارات المهمة يخضع لسيطرة خامنئي

طهران - رغم تغير رأس النظام في إيران من محافظ في عهد أحمدي نجاد، إلى معتدل مع الرئيس حسن روحاني، إلا أن تركيبته لم تشهد تغييرا كبيرا حتى مع تلك التصريحات التي أطلقها روحاني بأن بلاده ستظهر انفتاحا أكبر على الغرب، وتعتمد مقاربة جديدة ومختلفة في نظرتها إلى القضايا العربية.

يجمع أغلب المراقبين للشأن الإيراني أن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، لن تشهد أي تغيير يذكر في ظل تبعية النظام لسلطة المرشد الأعلى، وستبقى على ما هي عليه مع نهج متشدد. في هذا السياق تناول مركز المزماة للدراسات والبحوث، في دراسة تحليلية، بنية النظام الإيراني السياسية ومدى الاستقلالية التي تتمتع بها في اتخاذ القرارات السياسية في ظل سيطرة المؤسسة الدينية عليها.


هيمنة السلطة الدينية


لم تشهد بنية النظام الإيراني ، تحديثا في هيكلياتها وآليات عملها، في ظلّ تحديات داخلية وإقليمية، أدّت إلى أضرار جسيمة بالاقتصاد الإيراني، وعززت خطوط الفصل بين الأقوام المنضوية تحت الدولة الإيرانية، ووسّعت دائرة الرفض لها في محيطها العربي.

وتهيمن السلطة الدينية على الجهاز السياسي، طيلة عقود الثورة الإيرانية، وتشكّل عامل ضغط في اتجاه تشدّد مناهج العمل السياسي، وتصلّب مواقفها على مستويات السياسة الداخلية والخارجية معا.

وقد أوصل هذا التشدد في النهج السياسي، البلاد إلى عدة مآزق باتت مستعصية على الحل أمام القيادة الإيرانية، وهو ما دفع شخصيات عدّة إلى البحث في تحديث تلك الآليات، ضمن آلية تحديث النظام السياسي ذاته، مع المحافظة على شكله الثيوقراطي، ولكن مع إعادة توزيع للصلاحيات داخل هيكلة النظام.

لا يختلف التيار الإصلاحي عن نظيره المحافظ المتشدد، حيث تعود مرجعية كلا الطرفين إلى سلطة المرشد

وقد أنتجت تلك المحاولات صدامات بين أقطاب النظام الإيراني (المرشد، الحرس الثوري، رئيس الدولة)، طالما كان الحسم فيها لتيار المرشد المتحالف مع الحرس الثوري، على حساب السلطة السياسية، عدا عن عجز تيارات المعارضة الداخلية ، عن إحداث تخلخلات في هيكلية العمل السياسي لصالح اكتساب بعض الصلاحيات والأدوار.


رؤساء مختلفون


كثيرا ما أتى رئيس الدولة من الأوساط الدينية-السياسية (رفسنجاني، خاتمي، روحاني)، مما يعني احتكار السياسي لصالح الديني من جهة، وإشكالية إدارة الدولة ذاتها عبر التيار الديني، وعدم الخروج عن المسارات التي رسمها الخميني في إخضاع الدولة للآليات الثيوقراطية، وهو ما يعيق استحداث نمط تحديثي من جهة أخرى.

ولا يختلف التيار الإصلاحي عن نظيره المحافظ المتشدّد والمهمين على السلطة، إلا في طبيعة تلك الأدوار والوظائف المنوطة بالدولة، إلا أنّ مرجعية كلا الطرفين تعود إلى الثيوقراطية الدينية ذاتها، وتؤكد جميعها حرصها على المحافظة على تلك المرجعية، خشية انفراط عقد الهيمنة القومية-الدينية على المجتمعات الإيرانية، التي يرتكز عليها النظام الإيراني.

وتسببت محاولات إعادة توزيع الوظائف والأدوار داخل بنية السلطة الإيرانية، في وقوع عدد من التصادمات، أطاحت بالعنصر الرئاسي وتياره، رغم ما قد يجلبه من منجزات للدولة داخليا وخارجياً، أو لمشروع التوسع والهيمنة الإيرانية في المحيط العربي، بداية من الإطاحة ببني صدر في مطلع فترة الخميني، مرورا بتيار خاتمي، الذي أطيح به حين بدأ يأخذ أحجاما بدت أنها ستتوسع على حساب صلاحيات المرشد ذاته، وليس انتهاءً بالصدامات التي دارت بين الرئيس السابق نجاد والمرشد الإيراني خامنئي.

يضاف إلى ذلك، ما تشهده إيران منذ انتخابات عام 2009، من ناحية ملاحقة رموز التيار السياسي الإصلاحي-الديني، وتصويرهم على شكل معارضة للنظام، فيما هم جزء آخر من النظام، كان يسعى إلى استحداث آليات عمل سياسية تعيد توزيع تلك الأدوار، في ظلّ تغييب مطلق لكافة أشكال المعارضة الأخرى.

يأتي ذلك، عدا عن الانقسامات الحاصلة داخل التيار المحافظ ذاته، ما بين راديكاليين وبراغماتيين وأتباع المرشد، فلكل مصالحه التي يسعى إلى تكريسها، عبر مشاريع تبدو في ظاهرها سياسية.

87 بالمئة نسبة النفط الأحوازي من الدخل الإيراني


إشكاليات وعوائق


تواجه العديد من الإشكاليات، كتدهور الحالة الاقتصادية والمجتمعية داخل إيران، الرئيس روحاني، خاصة أنّ الملفات المنوطة به قد وصلت إلى مرحلة تأزم تحتاج إلى حلول كلية، لا يمكن معها اتباع نهج التأجيل، أو تصدير الأزمات، في وقت باتت البيئة الإقليمية (الحاضن للأزمات الإيرانية)، عامل ضغط على الداخل الإيراني، وتشهد إيران لحظة تحول إلى استيراد أزمات المنطقة التي استفحلت نتيجة تدخلاتها الصلبة فيها (العسكرية)، عوضا عن تصديرها كما كانت تفعل سابقا.

ومن أولى تلك الملفات، ملف البرنامج النووي الإيراني، فرغم اندفاع روحاني لعقد اتفاق نهائي مع القوى الدولية، لإنهاء هذا الملف، عبر طيّ المشروع التسليحي النووي، وفتح المنشآت النووية الإيرانية أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتيشها ومراقبتها، إلا أنّ ذلك يتطلب من المرشد والحرس الثوري أولاً، إعادة تشكيل الاستراتيجية الإيرانية وتوجهاتها الإقليمية والدولية، وإعادة حساب المنافع المترتبة على البرنامج النووي، لصالح إلغائه، وهو ما يبدو مستعصيا حتى الآن في الفكر السياسي الإيراني .

وثاني تلك الملفات، هو إعادة تقييم المشروع الإيراني في المشرق العربي (العراق، سوريا، لبنان)، ففيما يدفع المرشد والحرس الثوري، إلى مزيد من عسكرة البيئة المشرقية، وتوسيع نشاط الحرس الثوري والميلشيات الشيعية في سوريا، فإن احتمالية استمرار الأسد في السلطة باتت معدومة، وهو ما يجعل المشروع الإيراني بأكمله عرضة للسقوط في البيئات المجاورة لسوريا بعد سقوط الأسد.


اضطهاد الأقليات


ومن تلك الملفات أيضاً، ملف القوميات المضطهدة في إيران،التي تمارس عبر سياساتها المتعددة التطهير العرقي في الأحواز، وتنتهك جميع بنود حقوق الإنسان والمواثيق الدولية بشكل صارخ. وتشكل الأحواز الأهمية القصوى لإيران من حيث الثروات الهائلة والموقع الاستراتيجي المطل على الخليج العربي.

ويقول المراقبون إن خروج الأحواز من السيطرة الإيرانية، سيشكل ضربة موجعة لموسكو وانهيار جميع المشاريع الاقتصادية والتجارية والاستثمارية الروسية في إيران، إذ لا تستطيع إيران دعم تلك المشاريع اقتصادياً، لأن النفط الذي يشكل أكثر من 87 بالمئة من الدخل الإيراني سيكون خارج سيطرة الدولة الإيرانية، حيث يقع معظمه في الأراضي الأحوازية.

وبخروج الأحواز من السيطرة الإيرانية ستفقد إيران دورها الإقليمي، وستنتصر الثورة السورية وبالتالي ستخرج سوريا تلقائيا من النفوذ الروسي.

في المقابل، فإنّه ومنذ أن قامت الثورة الخمينية، عمد مؤسسها إلى تعزيز سلطته ومركزه عبر تجاوز كافة مؤسسات الدولة، إلى إنشاء قوة عسكرية (الحرس الثوري) تتفوق على الجيش ذاته، هدفها حماية شكل النظام ومشروعه، مقابل صلاحيات تتسع باستمرار، وفيما أتى روحاني من داخل مؤسسات الدولة ذاتها الأمنية والعسكرية، فإنّه يدرك أن لا قدرة له على تقديم أطروحات تطال شكل النظام السياسي، وصلاحيات المرشد ومن خلفه حرسه.

وغالبا ما اتخذ الفاعل الرئاسي في إيران، شكل رئيس جهاز إداري موجه، وفق صلاحيات محددة ومؤطرة دستوريا وواقعيا لا يمكن تجاوزها، وفيما تسمح قيادة المرشد الإيراني بخروج الرئاسة عن الفكر الاستراتيجي لها، فإنها بذلك تحاول جسّ نبض محيطها الإقليمي والدولي، ضمن فهم لا يتجاوز اكتساب المصالح دون مشاركتها أو تقديم تنازلات مقابلها.

وتخلص الدراسة إلى أنه لن تطول الفترة التي سيتعرض فيها النظام الإيراني لاهتزازات عنيفة، كارتدادات طبيعية لنهجها، وهي لا تبدو بعيدة عن حراك احتجاجي مجتمعي واسع، خاصة أنها شهدت إرهاصات لذلك عام 2009، مع ارتفاع الوعي المجتمعي لمدركات الفساد والاستبداد القائمة في إيران الخمينية.

6