هيمنة المتشددين على باكستان: براءة القاتل وتجريم الضحية

يمكن أن يكون الفكر الإسلامي السياسي غطاء لتحدي الدولة والوقوف أمام نفاذ قوانينها، خاصة عندما يكون متبوعا بقوة جماهيرية مغلوبة على أمرها صدقت ما تروجه الجماعات الإسلامية المتشددة من خطاب زائف يقوم على اختزال كل الدين في الجماعة أو زعيم الجماعة. وهذا ما حدث فعلا في باكستان عندما تم تنفيذ حكم الإعدام في حارس شرطة متشدد قام بقتل محافظ إحدى الولايات لاعتقاده أنه قام بجريمة تجديف.
الأربعاء 2016/03/02
شعبية واسعة للمجرمين!

إسلام آباد- وصل التشدد الإسلامي في باكستان إلى درجة تمكن فيها من اختراق القطاع الذي يمثل الدولة والقوانين بكل ما لكلمة الدولة من معنى. فقد تم تنفيذ حكم الإعدام على ضابط الشرطة الذي كلف بحماية محافظ ولاية البنجاب شرقي باكستان، الإثنين، بعد أن اغتال الضابط المحافظ سلمان تاسير بأكثر من ثلاثين رصاصة في جسده، فقط لأنه سمع من أحد قيادات جماعة الحركة السنية المتشددة أن سلمان تاسير يقوم بالتجديف وذلك سنة 2011.

وحكم على الضابط ممتاز قدري بالإعدام لارتكابه جريمة قتل مع سبق الإصرار، لكن المسألة لم تتوقف عند الحكم أو التنفيذ، بل إن الجريمة بتفاصيلها ونتائجها تعكس مدى خطورة تغلغل الفكر الإسلامي في جهاز الدولة الباكستانية التي تعد دولة إسلامية بدورها وفي غير حاجة إلى حركات إسلامية تقوم مقام قوانينها. وقد اتخذت الأجهزة الأمنية في العاصمة إسلام آباد وفي محيط السجن المركزي إجراءاتها الأمنية المشددة خوفا من حدوث أعمال عنف مع متظاهرين إسلاميين من المنتمين إلى جماعة الحركة السنية المعروفة بتطرفها وردود أفعالها العنيفة.

وكتبت صحيفة “نيوز” الباكستانية الصادرة باللغة الإنكليزية أن هذه “الجريمة تثبت أن المتطرفين لا يحتاجون إلى أن ينضموا إلى حركة طالبان مع اللحى والعمامات، فهم موجودون في كل مكان وبكل المظاهر”، وهو الأمر الذي يؤكد أن الواقع الشعبي والسياسي في باكستان يعاني من نمو الحركات المتطرفة في الزوايا غير المكشوفة للدولة مثل المدارس غير المرخصة والجبال التي تتدرب فيها مجموعات كبيرة من أتباع تنظيم القاعدة وحركة طالبان بشقيها الباكستاني والأفغاني.

التشدد الإسلامي في باكستان وصل إلى درجة تمكن فيها من اختراق القطاعات الحساسة للدولة

وأضافت الصحيفة أنه إذا كان مؤسس باكستان محمد علي جناح من أنصار العلمانية، فقد انزلقت البلاد تدريجيا إلى الأسلمة في العقود الأخيرة، يشجعها على ذلك خصوصا الدعم الذي قدمته بعض الحروب في المنطقة كمناسبة لتجميع الجهاديين في أفغانستان، مثل الحرب مع السوفييت والغزو الأميركي.

وبعد سقوط طالبان في أفغانستان باتت المناطق القبلية الباكستانية في الشمال الغربي الواقعة على الحدود بين البلدين ملجأ للمتمردين الإسلاميين وحلفائهم من القاعدة. ويعد ذلك أهم الأسباب التي حولت باكستان إلى حديقة خلفية للجهاديين والفكر الإسلامي المتشدد الذي وصل إلى اختراق أجهزة متعددة من الدولة أهمها جهاز المخابرات الباكستاني الذي يعتبر قويا، وهو الجهاز المسؤول عن القيام بفتح الحوارات مع التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وطالبان، وأيضا مؤسسة الجيش التي تتهم بين الوقت والآخر بدعم الجماعات الإرهابية في الجبال لحسابات إقليمية خاصة.

وأدان سروات إعجاز قدري رئيس جماعة الحركة السنية المتشددة إعدام ممتاز قدري، وقال في بيان “إعدام قدري يوم أسود في تاريخ باكستان”، الأمر الذي يعكس مدى الترابط بين الجماعات الإسلامية المتشددة وعناصر نافذة في الشرطة الباكستانية.

وقد كانت الحركة السنية المتشددة المحرض الأول على قتل المحافظ سلمان تاسير لأنها ترى أنه قد ارتكب جريمة تجديف (التجديف هو انتقاد الإسلام أو انتقاد شخصيات مقدسة فيه كالرسول محمد، وفي الغالب فإنها جريمة من الصعب إثباتها لأنها مرتبطة بإيمان الأفراد الداخلي والبحث التفصيلي في القصد من قول النقد).

وقال ظفرالله خان مدير مركز الدراسات المستقلة للتربية المدنية إنه “لم يعد في الإمكان إجراء نقاش عقلاني في باكستان”، جاء ذلك في معرض تحليله للواقع المتشدد الذي وصل إليه المجتمع الباكستاني نتيجة انتشار الفكر المتطرف، قائلا إن نسبة محو الأمية بالكاد تصل إلى 50 بالمئة للذكور وأقل من 10 بالمئة للبنات في بعض مناطق الشمال الغربي.

بعد سقوط طالبان في أفغانستان باتت المناطق القبلية الباكستانية في الشمال الغربي الواقعة على الحدود بين البلدين ملجأ للمتمردين الإسلاميين وحلفائهم من القاعدة
ويدفع انعدام التعليم المجاني الأطفال الفقراء إلى آلاف المدارس القرآنية، حيث يعتنقون الخطاب المتطرف. وقال خان إن “الفيروس قد أصاب بعدواه المجتمع كله، فلا النظام التعليمي ولا رجال السياسة قادرون على تأمين علاج شاف”.

وكان سلام تيسير العضو في حزب الشعب الباكستاني الحاكم، وهو أحد رجال السياسة الباكستانيين، أعلن تأييده إجراء تعديل للقانون الذي يجرم الإساءة إلى الدين الإسلامي التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. لكن بعدما نظمت دوائر دينية تظاهرات وإضرابا عاما تكلل بالنجاح أواخر ديسمبر الماضي أعلن حزب الشعب الباكستاني المعروف بتقاليده العلمانية أن إجراء أي تعديل ليس مطروحا.

وقد دعت صحيفة “جانغ” واسعة الانتشار باللغة الأوردية الأسبوع الماضي على صفحتها الأولى قراءها إلى عدم ذرف الدموع على اغتيال تاسير، الأمر الذي يكشف مدى الدعاية المتطرفة للإسلاميين في البلاد.

وأعرب الآلاف من مستخدمي شبكة الفيسبوك الاجتماعية عن سرورهم لاغتيال سلمان تاسير، وهو الحادث الذي يرمز في نظر محللين إلى أن التيار الإسلامي المتطرف قد امتد حتى إلى الطبقات المثقفة في البلاد وهي التي تستخدم الإنترنت. وقال الناشط الليبرالي والمحامي في المحكمة العليا أنيس جيلاي إن هذا الاغتيال “ضربة قوية للقوى الديمقراطية في باكستان”.

13