هيموفيليا ثقافية

الجمعة 2016/01/08

ما تفعله قافلة الذئاب حين تجهز على الذئب الجريح حتى المـوت، لا يمكـن أن نعـدّه جريمة أخلاقية عندما نعرف أن دمه غير قابل للتخثر يمكن له أن يدلّ على منازلها لو أنّه فكّر في النجاة عن طريق العودة إلى بيته، هذه العودة لم يقدّر لها أن تكون محمودة الخطوات والعواقب إذا وضعنا في الحسبان أن الذئاب تعيش في بيوت وهمية لا تعرفها الخرائط، وما دام خيـط الـدم الذي يتبـع ذئبا جـريحا سيفضي حتما إلى فنائها، لا يملك المرء إلا أن يرى في قـانونها هـذا جـانبا من الصواب بعيدا عن الأطر الأخلاقية التي تحكمها الألفة وقـرابة الـدم؛ الهيموفيليا كلمة تعني سيـولة الدم، وهـو مـرض وراثي يعنـي أن دم المصاب بهذا المرض غير قابل للتخثر.

وثمة هيموفيليا ثقافية تمتد جذورها في أعماق التاريخ العربي، وأعني بها المحاولات المتأخرة التي يسعى من خلالها المثقفون من فصيلـة الذئـاب الجريحة للعودة إلى تطبيب جروحهم في الأحضان التي هجروها، ومثلوا بدفئها خيانة ومديحا للقتلة واستجداء لماكنات صناعة الدنانير، أولئك الذين كانـوا يعرفون خواصر آبائهم فيقضمون منها ما طاب لهم، العالم كلّه يمنحهم ألسنة ومنابر ويطلب منهم المزيد، وهم فكهون في تلك النعم، كيف لا وهم في الأصل من أشباه الضفادع التي سعت إلى أن تكون أبقارا في الوقت الذي يكثر فيه النافخون، حتى إذا انفجرت وسالت دماؤها تخلى عنها القطيع وصار من الحتميّ أن تطبق عليها شريعة الذئاب المعافاة.

وحين يتسنى لأحد من هؤلاء المثقفين أن ينجو بدمه الذي يتبعه، لا يجد سوى البلاد التي شتمها مـلاذا، مستعينـا بالاعتذار حينا وبالتدليس أحيانا أخرى، ولعلـّه يقتـرح على نفسه قصصا ملفقة عما كان يعانيه عندما كان يعوي في صحراء أسياده، وقد تنطلي هذه المسوّغات على الوادعين من بيض الضمائر، فيحاولون أن يلتمسوا له بياضا مصطنعا يلبسه بين حشودهم، إلا أنّه أسوة بحاملي مرض الهيموفيليا، سيكون دمه سائلا، وعليهم أن يتحمّلوا مشقة الحذر منه ومشقة الحذر عليه، حين يعيش بينهم ذئبا مدللا؛ لا يسقط على حجر ولا حجر يسقط عليه، لا يصدقه الناس إلا حين يتحدث عن دمه القابل للانهمار في أي لحظة يحتك فيها جسده بخشونة البلاد، ويعيد تشكيل الحكايا بمخيلة مناضل زائف، صورته في سمائه هي ذاتهـا صورته في الأرض التي أوى إليها مستكينا، يتمنى لو أن من حوله جميعا من الذئاب، وحين تصحو جروح جسده نازفة، يسعى بها راكضا صوب مخابئهم، فرحا بالقطعان التي تتبعه كي تعرف الطريق إلى إخوته.

شاعر عراقي مقيم في الأردن

14