"هي حرة".. مغامرة نحتية لاستكشاف عالم المرأة

الفنان أحمد عبدالتواب يقدم من خلال الجسد المنطلق بحرية وليونة في الفضاء تعبيرا عن شموخ الطبيعة وبناء للوجود بأكمله وفق هندسة موازية.
الأحد 2018/05/20
ذاكرة الفنان اللاقطة تستعيد الموروث النحتي في مصر الفرعونية

من الممكن تجسيد شموخ الطبيعة من خلال الجسد الأنثوي الذي يتمدد بليونة مستعمرا الفضاء، وهذا ما أنجزه النحّات أحمد عبدالتواب في معرضه “أنا حرة”.

رحلة الفنان محطات متتالية من المغامرات، ولعل المغامرة الأخطر هي محاولة اقتحام عالم المرأة، فهو عالم الأسرار الخفية والطاقات الكامنة والمشاعر الفوّارة. ويأتي إطلاق سراح الجسد الأنثوي بمثابة المعنى الكامل للتحرر، وإعادة تشكيل الوجود كله وفق هندسة موازية.

وقد التقط الفنان أحمد عبدالتواب هذه “الثيمة” التثويرية في معرض جديد منعقد في القاهرة بعنوان “هي حرة”، انسحبت فيه الحرية على كل شيء. أكثر من مستوى من مستويات التحرر في معرض التشكيلي أحمد عبدالتواب (42 عاما) الذي تستضيفه قاعة الزمالك للفن بالقاهرة (29 أبريل-21 مايو)، ويتضمن مجموعة من تكويناته النحتية مختلفة الأحجام، التي تعكس شخصية الفنان المصري صاحب الرصيد الزاخم في النحت منذ عهد الفراعنة.

وجوه هذه الحرية تتمثل في الخامة التي يطوعها الفنان بسلاسة، وفي إعادة التعاطي مع الأشكال والخطوط الهندسية على نحو مغاير، وفي اتخاذ المرأة أيقونة للمعرض، وكذلك في الفكرة الأساسية المنبنية على تشخيص قيمة الحرية من خلال إطلاق سراح الجسد.

بناء الوجود

تتسع التشكيلات والتكوينات المعاصرة لعناصر حياتية حديثة
تتسع التشكيلات والتكوينات المعاصرة لعناصر حياتية حديثة

يحمل معرض الفنان أحمد عبدالتواب عنوانا دالّا هو “هي حرة”، لتحيل العتبة المفتاحية للتجربة بشكل مباشر إلى الأنوثة وإلى الحرية، ويتهيأ المتلقي قبل مطالعة الأعمال للتفاعل مع عالم يكرم المرأة ويحتفي بالنسوية ويعلي لواء الحرية.

يتخطى عبدالتواب التصور الأولي الذي يقترحه عنوان المعرض، ليقدم في تجربته من خلال هذا الجسد المنطلق بحرية وليونة في الفضاء تعبيرا عن شموخ الطبيعة ذاتها، وبناء للوجود بأكمله وفق هندسة موازية، تلقائية الروح والطابع، رغم حساباتها التشريحية الواعية.

يتمتع الفنان بذاكرة لاقطة، هاضمة، تنفتح على الموروثات النحتية بمصر القديمة، وتستدعي ملامح المرأة الفرعونية بقوتها وجسارتها، ووقوفها إلى جانب الرجل كتفا بكتف، وتحضر هذه المرأة في أعمال الفنان، في إطار تشكيلات وتكوينات معاصرة، تتسع لعناصر حياتية حديثة.

قد تنطلق المرأة فوق صهوة حصان، أو على متن مركب، كما قد تقود في الوقت ذاته دراجة بخارية. قد تعكس المرأة صورة من صور تمثال الحرية الشهير، وقد تتحول إلى راقصة باليه، وقد تقفز من طوق النار أو تعبر عنق الزجاجة الضيق إلى براح بلا حدود.

لا حدود لرغبة الأنثى في التمرد على القيود وتجاوز الحدود
لا حدود لرغبة الأنثى في التمرد على القيود وتجاوز الحدود

وحتى في ثباتها واستقرارها، تتمتع المرأة بحريتها كاملة، وتتجلى ثقتها بذاتها، فهي الجالسة بأريحية كأنما تجلس فوق كرسي العرش، والمتماهية مع شجرة الخلق الأبدية، وإذا طرحت الشجرة ثمارا، أنجبت المرأة طفلا اسمه “المستقبَل”.

مثل هذه الرموز التي يقدمها عبدالتواب تتسم عادة بطابع حركي يلائم درامية الحالة التي تبدو عليها المرأة، وهو سر من أسرار تفرده، إذ يتطلب هذا الطرح تطويعا وتعاملا خاصّا مع خامة البرونز في المنحوتات متوسطة وكبيرة الحجم، وهو جهد يتطلب صبرا طويلا وحساسية فائقة.

ويفرض أسلوبه التقني من خلال بناء مغاير للأشكال الهندسية الاعتيادية، كالدائرة والمثلث والمستطيل والمخروط، ويقيم الفنان علاقات جديدة بين هذه الأشكال، ليتمكن من خلال الانصهار والتمازج من تثوير الشكل الكلي، وتحميله روح الإنسان، ودفقات الحركة، ووهج الملامح المعبرة عن حالة بعينها، من غير استغراق في التفاصيل.

أسرار الليونة

الرهافة والرقة والليونة مفردات القوة التي تهيمن على الفراغ
الرهافة والرقة والليونة مفردات القوة التي تهيمن على الفراغ

في تجربة الفنان أحمد عبدالتواب، ليس بالضرورة أن يكون الشموخ والقدرة على الانطلاق بلا حدود والهيمنة الكاملة على الفراغ مرادفات للقوة بمعناها الميكانيكي الذي قد يحيل إلى الصلابة والعنف، فهذه القوة بما تتسع له من جسارة وإقدام واقتحام قد تتحقق أيضا من خلال الليونة والعذوبة في الجسد الأنثوي الرقيق الدقيق.

تتسم منحوتات عبدالتواب بسلاسة البناء وانسيابية التحرك الأفقي والانطلاق الرأسي، فهي أشكال عضوية بامتياز.

وفي هذه الأنساق تفرض الأنثى قوانينها على التكوين الكلي، فهي القطب المركزي للعمل، الذي يتحول في النهاية إلى كتلة سائلة من الفيوضات المتدفقة والمشاعر المتصاعدة كأنغام الموسيقى وإيقاعات الطبيعة البكر، من غير نشاز أو تنافر بين العناصر.

معرض التشكيلي أحمد عبدالتواب، تمثيل حي للثورية الفنية، بهدوء ومن غير شعارية أو ضجيج، حيث تتحقق الثورة بذاتها من خلال الجماليات والآليات الحداثية، التي يطرحها الفنان خارج الأطر والقوالب الجاهزة بروح مغايرة للسائد، متجاوزة للمستقر والمألوف.

14