"هي في إبداعاتهم" معرض جماعي مصري

الأحد 2017/09/24
في الرؤى الفنية الحديثة المرأة تقود مركب الشمس

اجتمعت عشرات الأعمال لنخبة من رواد الفن التشكيلي ورموزه بمصر، من أجيال مختلفة، للاحتفاء بالمرأة وإعادة اكتشافها فنيًّا، في معرض جماعي بعنوان “هي في إبداعاتهم” بقاعة الأهرام للفن بالقاهرة (12-23 سبتمبر 2017).

عز الدين نجيب، آدم حنين، محمد صبري، أحمد نبيل، محمد شاكر، حسيني علي، فرغلي عبدالحفيظ، الدسوقي فهمي، حسن عبدالفتاح، عبدالمنعم معوض، محمد العلاوي، محمد مندور، ناجي شاكر، عبدالعال حسن، أسماء لها حضور بارز في مسيرة الفن التشكيلي بمصر، تبلورت لوحاتهم وأعمالهم النحتية بالمعرض حول قيمة المرأة ودورها، ومفهوم الأنوثة بمعناها الأشمل.

يأتي معرض “هي في إبداعاتهم” تعبيرًا فنيًّا جماعيًّا موازيًا لاختيار العام الجاري 2017 عامًا للمرأة المصرية، وهو ثالث معرض في هذا الإطار بعد تجربة “هي أصل الحياة” لمجموعة من الفنانات، ومعرض “هي ضد العنف” للفنان عبدالسلام عيد.

يكشف معرض “هي في إبداعاتهم” رؤى المبدعين في المرأة ككيان حاضر بقوة في الواقع المعيش، ومن ثم يستحق أن يحتل هذا الكيان مساحات محورية وجوهرية في أعمالهم. هؤلاء النسوة المحتفى بهن فنيًّا في الأعمال، بوصف التشكيلي محمد الناصر قوميسير المعرض، هن “قوارير الحب والحلم والجمال، صانعات الأمل وصاحبات الدور الخالد في تاريخ البشرية”.

“المرأة والصبّار” تصوير زيتي على قماش، لوحة للفنان أحمد نبيل بالمعرض الجماعي، تعكس خصوبة المرأة/الشجرة، وقدرة الأنثى على الصمود والمقاومة رغم قسوة الظروف، بوصفها صبّارة عنيدة تتحدى العطش.

لوحات وأعمال نحتية لرواد وفنانين كبار تستكشف خريطة الأنثى بوصفها صانعة الأمل وصاحبة الدور الخالد في تاريخ البشرية

هكذا يعاين التشكيلي أحمد نبيل المرأة، واقفة بشموخ تنسج الحلم في فضاءات الكون الشاسع وتلتحف بغموض سحري يحملها إلى عالم خاص يحتدم فيه الصراع بين الأضداد، لتحتل الصدارة وتأخذ دور البطولة، وإن شاركتها عناصر أخرى تفسح لها مجالًا لتخلق حوارًا يؤنس وحشتها ويسرد قصتها، فهي الوعاء الذي يحمل أسرار الحياة التي تظل لغزًا وطلسمًا مرتبطًا بوجودها.

بالخامة ذاتها (تصوير زيتي على قماش)، تمكن الفنان الدسوقي فهمي من طرح معانٍ جديدة تتعلق بالحضور النسوي روحًا وجسدًا، إذ تتجلى المرأة محورًا لأعماله، يحاورها منفردة ومجتمعة بغيرها، ويشاركها بفرشاته المحملة بعجائن الألوان حالاتها المختلفة، في الإشراق والنضج والأنوثة والنضارة والحيوية، وفي الهموم والأحزان والانزواء والانكسار اللحظي.

يجسد الدسوقي فهمي هذه الحالات والانفعالات الأنثوية جميعًا بلغة الزمن وأسلوب الخطوط والمساحات، فهو يرى أن المرأة وجسدها لهما قدرة أكبر على التعبير والتأثير على المتلقي، ويبدو الفنان مفتونًا بتصوير الجلسات النسائية التي تدور فيها حوارات هامسة يسجّلها في رسوم سريعة.

وإلى برونزيات آدم حنين النحتية في تجربته “الماء والسوق”، حيث شموخ المرأة في نهوضها وهيبتها التي لا تخبو في جلوسها، وتستمد رؤية آدم حنين منابعها في تجسيد المرأة من جذوره الفرعونية، وتعامل المصري القديم مع الحجر الصلد بحساسية فائقة، ملخّصًا ما يراه من حوله، ومصوّرًا مشاركة المرأة في سائر الأنشطة ومبادرتها الإيجابية على كافة الأصعدة.

ويحضر الفنان عزالدين نجيب بعملين في المعرض (تصوير زيتي على توال)، الأول بعنوان “ريشة العدالة” والثاني عنوانه “نحو المستقبل”، ويشترك العملان في منح الريادة والبطولة للمرأة، لكي تتقدم المسيرة نحو شمس المستقبل، وعدالة السماء، حارسة طفلها، ومذللة كل الصعاب في طريقه الوعر.

يتفاعل نجيب مع الطبيعة باعتبارها الرافد الأساسي لإبداعاته، سعيًا إلى بلوغ قيمة جمالية وتعبيرية خاصة، هي حصيلة الإنسان والأرض وهموم الوطن وأحداث المجتمع، تشده البيوت التراثية ذات العمارة الفطرية التي تمنحها خصوصية شديدة الثراء، ويستنطق الفنان لوحاته لتحكي تاريخًا حضاريًّا عريقًا في الواحات والصحارى والجبال والسواحل، وتشغل فيه المرأة عادة حيزًا ذا مغزى فلسفي ورمزي.

وبأسلوبه الفريد، يعيد الفنان فرغلي عبدالحفيظ قراءة وجه العالمة المصرية سميرة موسى في عمل تصويري من إبداعاته بالمعرض (تقنية مركبة على قماش)، وهو الفنان الذي اتخذت المرأة مكانًا ومكانة في إبداعاته، سواء المرأة النوبية أو الريفية، وصولًا إلى قمة التجريد مع “العروس” التي رافقته بين اللوحة والتشكيل في الفراغ، وبلغ احتفاء الفنان بالمرأة أن أقام معرضًا خاصًّا تكريمًا لها في العام 2008 وأصدر مجلدًا بهذه المناسبة.

أما رائد “الباستيل” محمد صبري فيشهد المعرض ثلاثة من أعماله من تلك الخامة التي عشقها وهي “الغسيل” و”العجين” و”حول المصباح”، وجوه ومشاهد مختلفة من الواقع المصري في المدينة وفي الريف يمثلها الفنان، مبرزًا كيف تدار عجلة الحياة بأيدٍ نسوية، تتولى صناعة الخبز والغسيل جنبًا إلى جنب مع الإمساك بكتاب من أجل الاستنارة بالعلم وقيادة الوعي.

الفنان محمد مندور يستلهم جسد المرأة في آنيته الخزفية بالمعرض محافظًا على قيمة الإناء في ثوب يزدان بجسد المرأة ويبحر الفنان في عالمه الأسطوري الخاص شديد الإيحاء

ويستلهم الفنان محمد مندور جسد المرأة في آنيته الخزفية بالمعرض محافظًا على قيمة الإناء في ثوب يزدان بجسد المرأة ويبحر الفنان في عالمه الأسطوري الخاص شديد الإيحاء بما فيه من نظام هندسي متناسق يتخذ من السكون والصمت لغة للحوار.

أما الفنان حسن عبدالفتاح، فيكتسي عملاه “المرأة والغراب” و”المرأة والورود” (تصوير زيتي على قماش) بالدينامية والحيوية والروح المتألقة والألوان المتوهجة، وتنسج خطوطه المرأة في تفاعلاتها مع الكائنات والموجودات مبرزة حالاتها المختلفة بين التفاؤل والتشاؤم في اختزال وتركيز يخلقان مساحة للمشاركة والمعايشة والتفاعل.

من جهته قدم حسيني علي رسمًا بالحبر الشيني، مستعرضًا فيه نسقه الخاص في سرد الحكايات الشعبية، والأساطير. ويتميز أسلوب المنمنمات لدى الفنان باسترسال وتوالد، مستلهمًا جذوره من الفن الإسلامي، ومستمدًّا منهجه من التيارات المعاصرة، من خلال منظور شعبي وتاريخي مرتبط بالبيئة المصرية كإطار يحكم الفنان.

من خلال تصوير الإكريليك على القماش، يستعيد التشكيلي عبدالمنعم معوض وجه كليوباترا، مازجًا في عمله بين الفن الفرعوني والزخارف الإسلامية ونقوش الخيامية والأرابيسك، أما الفنان ناجي شاكر فيكشف في اسكتشاته رهافة ملامح المرأة، متخذًا من الانفعالات الداخلية مرتكزًا.

وتلعب المرأة دور البطولة في شعبيات حسيني علي التي تأتي عبر طبقات متنوعة من المساحات تعلوها شبكات الخطوط اللينة في وحدة جمالية تتسق فيها عناصر من الطيور والأشجار والوجود النسوية بتجلياتها المتعددة.

كاتب من مصر

14