هي مجنونة حقا

الأحد 2017/09/03

لن نعود بعقارب الزمن كثيرا إلى الوراء، ربما هي عشرة أعوام فقط تبدو كافية كي نقوم بمقارنة لا تبدو لدى البعض غير ممكنة، لكن لدى البعض الآخر هي ضرورية كي نعرف البون الشاسع بين ما يحصل في العصر الراهن وما حصل قبل عشرية فقط من الزمن..

الحديث هنا يتعلق أساسا بصفقات ضم اللاعبين في “الميركاتو” الصيفي الحالي الذي انقلبت فيه كل الموازين، وبلغت أرقام المعاملات في هذا السوق معدلات تاريخية وصعودا صاروخيا ينبئ بمستقبل قريب أكثر سخونة في هذا المجال.

اليوم وبعد أيام قليلة من غلق سوق الانتقالات الصيفية، ربما يجب التنويه والحديث عن الأرقام الفلكية التي عرفتها هذه السوق في كبرى الدوريات الأوروبية، فالمبالغ التي صرفت خلال الشهرين الأخيرين توحي بأن عالم كرة القدم تخطى كل الحواجز، وربما بات بالأساس موطنا للأغنياء وأصحاب النفوذ المالي القادرين على ضخ أموال طائلة من أجل الظفر بأبرز اللاعبين، حتى وإن كلف ذلك دفع مبالغ لا تستجيب تماما لقدرات اللاعبين ومستـواهم.

في هذا السياق أكدت التقارير قبل

أيام عديدة من غلق سوق الـــدوري الإنكليـزي أن أندية الدرجة الأولى صرفت أكثر من مليار يورو من أجل تعزيز صفوفها وتقوية قدراتها، أما في الدوري الإسباني ورغم وجود بعض الصفقات بأسعار معقولة، فإن تعاقد الفرنسي عثمان ديمبلي مع برشلونة قادما من بوروسيا دورتموند كسّر كل الحواجز وحطّم بعض الأرقام، وسعر هذا اللاعب المغمور نسبيا تجاوز بأشواط سعر النجم العالمي كريستيانو رونالدو عند قدومه إلى ريال مدريد سنة 2009.

أما في الدوري الفرنسي فحدث ولا حرج خاصة بعد أن أبرم فريق باريس سان جرمان صفقة القرن بتعاقده مع النجم البرازيلي نيمار الذي ضحّى بنجومية برشلونة وتوهجها من أجل عقد تجاوز 222 مليون يورو، قبل أن يقوم هذا الفريق في آخر الميركاتو بضم النجم الشاب كيليان مبابي على سبيل الإعارة من موناكو بمبلغ خرافي.

فهل يستحق كل هؤلاء النجوم هذه المبالغ الطائلة التي صرفت خلال “الميركاتو” المجنون؟ وكيف سيكون سعر بعض النجوم من الأساطير الحقيقية لو كانوا ينشطون في هذا الزمن مثل البرازيلي رونالدو والفرنسي زيدان والإسباني راؤول والإيطالي دال بييرو؟

هي سوق مجنونة بحق، ولا تصلح إلاّ للأغنياء الذين لم يتركوا شيئا للفقراء، بعد أن رفعوا سقف العروض المقدمة بشكل لا يصدق.

اليوم يمكن القول إن كرة القدم بدأت تحث خطواتها بشكل متسارع كي تخرج نهائيا من ديار الفقراء، فكل شيء يخص هذه الساحرة المجنونة ضربه “وباء” الغلاء والارتفاع الصاروخي في الأسعار.

قديما وقبل أقل من عشرين سنة عرضت مباريات مونديال فرنسا في أغلب القنوات التلفزيونية المحلية في شتى أصقاع العالم بمبالغ معقولة للغاية، كان الجميع إلى غاية ذلك المونديال، وخاصة الفقراء منهم، ينعم بمشاهدة مباريات “رائعة” بمشاركة نجوم وأساطير رائعين، لكن بدأ كل شيء يتغير في لمح البصر وبسرعة البرق.

لقد ضرب هذا “الوباء” كل الفعاليات والبطولات الكروية، فإذا كنت غير قادر على أن تدفع فإنك لن تتابع نجمك المفضل، إذ أن أغلب الدوريات القوية باتت حكرا على القنوات الخاصة مدفوعة الأجر.. لن نتحدث كثيرا عن أسعار التذاكر التي ارتفعت تدريجيا بشكل غير مسبوق، لن نتحدث أيضا عن الإشهار في المناسبات الكروية التقليدية بعد أن ازدادت أثمانه المئات من المرات مقارنة بما كان عليه الوضع في بداية الألفية.

ربما يجب أن نعود لموضوعنا الأول المتعلق بهذه السوق المجنونة الخاصة بانتقالات اللاعبين، فالمفاهيم تغيرت كليا وقيمة اللاعب باتت لا تستجيب فقط للشرط الأولي المتعلق أساسا بموهبة اللاعب ومستواه، بل بمعطيات أخرى تتعلق بأمور مرتبطة بمدى استجابته لمتطلبات سوق الإعلانات، إذ تحول اللاعب إلى “سلعة” تعرض للبيع في الملعب وفي الأقمصة وكل الملابس الرياضية وفي المواد الاستهلاكية، بات سلعة ومنتوجا ربحيا تقمص دور البطولة في الإعلانات التي تبث في أغلب القنوات الثرية.

هذا اللاعب الذي نتحدث عنه في عصرنا الراهن وبعد تحوله إلى أداة ترويجية في المواد الإعلانية ربما حق له أن يكسب المليارات من الدولارات ويغدو سلعة غالية الثمن في الميركاتو، فهو بات اليوم أشبه “بالدجاجة التي تبيض ذهبا”، فنيمار مثلا بعد تحوله إلى الفريق الباريسي ساهم في ظرف سويعات في كسب فريقه الجديد مرابيح كبيرة بعد أن بيع عدد كبير للغاية من الأقمصة التي تحمل اسمه، هذا اللاعب أيضا سيغنم أموالا أخرى متأتية من الإعلانات والترويج لفعاليات اجتماعية ورياضية تعادل ما سيحصل عليه من الفريق.

اليوم يحق القول إن هذه الكرة الساحرة الجميلة الممتعة التي كانت ملهمة الأبطال والأساطير، تخلت عن مبادئها الأساسية بعد أن أصابها الجنون وتلبّستها سطوة المال، وباتت تفرض شروطها على الجميع، فمن يدفع أكثر يغنم، ومن يعجز عن ذلك فلينضم إلى قافلة الفقراء، ويكتفي بالصمت في حضرة الساحرة المجنونة.

كاتب صحافي تونسي

23