وأبي كسرى علا إيوانه

الجمعة 2013/09/06

"أُعْجِبَتْ بي" هي أغنية للموسيقار محمد عبد الوهّاب، ألّفها الشاعر مهيار الديلمي (ت 1037م)، الذي قال عنه الباخرزي في دمية القصر: "شاعر له في مناسك الفضل مشاعرُ، وكاتب تحت كل كلمة من كلماته كاعبُ، وما في قصائده بيت يتحكم عليه بلو وليت، وهي مصبوبة في قوالب القلوبِ، وبمثلها يعتذر الدهر المذنب عن الذنوبِ".

كتب مهيار قصيدة في امرأة تُدعى "أم سعدٍ" وبدأها بقوله: "أعجبتْ بي بين نادي قومها/ أمُ سعدٍ فمضتْ تسألُ بي/ سَرَّها ما علمتْ من خُلُقي/ فأرادت عِلمَها ما حَسَبي"، وبقيت هذه القصيدة طيَّ كتب الأخبار حتى انتبه لها الموسيقار محمد عبد الوهاب عام 1939 إثر الدعوة التي وُجّهت له لتقديم أغنية في حفل زفاف شاه إيران "رضا بهلوي" بالأميرة "فوزية" أخت الملك فاروق بقصر القبّة بالقاهرة.

ويبدو أن عبد الوهاب أراد بغناء قصيدة مهيار ضمان انشداد الشاه إليها لكون كاتبها ذا أصل فارسيّ، وفيها مناخات تعبق بعظمة تاريخ الفُرس. ولئن نجح محمد عبد الوهاب في غناء هذه القصيدة وأطرب الشاهَ بها، فإنه انتهك فيها أمريْن: سلامةَ لغتهــا وأصالة "أمّ سعد" المحكيّ عنها في القصيـدة.

بالنسبة إلى الانتهاك اللغوي، فصورته أن البيت السادس من قصيدة الديلمي تضمّن قوله: " وأبي كسرى علا إيوانُه/ أين في الناس أبٌ مثلُ أبي" وفيه يفتخر الشاعر بانتمائه إلى كسرى أنوشروان الذي بنى قصرا عاليا (إيوانا) لم يسبق إلى علوّه قصر آخر في جنوب مدينة بغداد، بعد الحملة العسكرية على البيزنطيين عام 540م.

غير أنّ هذا البيت تحوّل في أغنية عبد الوهاب، التي وصفتها سابقا بكونها رائعة، إلى الشكل التالي: "وأبي كسرى على إيوانِه/ أين في الناس أبٌ مثلُ أبي"، حيث غيّر عبد الوهاب الفعل "علا" (المُحيل إلى علوّ مكانة صاحبه) إلى الحرف "على" الذي يفيد الاستعلاء على المجرور، في معنى أنّ كسرى أعلى من قصره، وهو ما لا يستقيم مع خطّة الشاعر المدحية، إذ هدم فيها الموسيقار عبد الوهاب ركنا من أركان نسقية الفخر التي قامت عليها.

أمّا انتهاك عبد الوهاب لأصالة الشخصية المذكورة في القصيدة فيتمثّل في إبداله اسم "أم سعد" صاحبة مهيار بـ "ذات الحسن"، وهو أمر لا يستقيم إيقاعيا ولا حتى اعتباريا. ذلك أن عبد الوهاب عمد إلى هذا الإبدال لسبب عائلي بحت، حيث أن زوجة أخيه أمّ الفنان سعد عبدالوهاب (ت 2004)، الذي غنّى "على فينْ وَخْدانى عنيك"، تسمّى "أم سعد"، وقد خشي عبد الوهاب، وفق أحد تصريحاته الإذاعية، من حدوث بعض القلق الأسري إن هو غنّى أغنية فيها ذِكرٌ لاسم من نساء عائلته.

ومهما كانت أسباب تجرّؤ عبد الوهّاب على انتهاكيْه لقصيدة الشاعر مهيار الديلمي، فالثابت أنّ تاريخ الغناء العربي شهد كثيرا من مثل هذه الانتهاكات التي يُجريها المغنّون على النصوص الشعريّة الكبرى دون استشارة الشاعر أو الذائقة الشعرية العامّة، على غرار ما حدث مع نصوص نزار قبّاني، وهو أمر قد يُجلي حقيقةَ أنّ المغنّي لا يخشى من انجراح جسد القصيدة خشيته من خدش حياء العائلة ومنظومة أخلاقها.

14