وأصبح للعرب مدرستهم الفلسفية

الأزمة الثقافية هي أم الأزمات ومنطلقها.. "ما أحوجنا اليوم إلى عودة الفلسفة والإنسانيات إلى صدارة الاهتمام الرهان ثقافي، لا بد أن يؤخذ مأخذ الجد، لأنه الوحيد الذي سيحرر مصيرنا".
الجمعة 2019/05/03
عبدالوهاب بوحديبة: الأزمة الكبرى هي الثقافة

صبيحة يوم الجمعة 17 ديسمبر 2010 أقدم الشاب التونسي، طارق الطيب محمد البوعزيزي، على إضرام النار في نفسه، أمام مقر ولاية (محافظة) سيدي بوزيد، احتجاجا على مصادرة السلطات البلدية لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، ورفضت السلطات شكوى تقدم بها ضد شرطية صفعته أمام الملأ، وقالت له بالفرنسية: ديغاج.

ديغاج.. (ارحل)، كلمة أصبحت شعار الثورة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي. وشعار ثورات عربية متلاحقة.

توفي البوعزيزي، حفيد الفينيقيين، بعد 18 يوما من إشعاله النار في جسده، وكأننا به يجسد مأساة بطل فينيقي أسطوري آخر هو أدونيس، معشوق الإلهة عشتار، الذي قتل في غفلة عنها، وهو يصارع خنزيرا بريا. وعندما جاءها خبر وفاته انتحبت وقالت “سوف يبقى أدونيس ذكرى حزن خالد إلى الأبد. ولتنبثقن زهرة من دمائك”، ولم يمض كثير من الوقت حتى انبثقت زهرة من بين الدم السائل على الأرض، زهرة بلون الدم، رقيقة واهنة الساق تعصف بها الريح.

وكما تقول الأسطورة الفينيقية، أزهر موت البوعزيزي ربيعا أهدته تونس للعرب. وكما الأسطورة أيضا جاء الربيع واهنا تعصف به رياح الأزمات.

من كان يتصور أن “لحظة البوعزيزي” ستحدث كل هذا الأثر. بعد مرور أكثر من سبع سنوات، وبعد أن اهتزت عروش، وتساقطت تيجان، تبدو الصورة قاتمة.. فهل كان على العالم أن يدفع ثمنا غاليا حتى يستفيق إلى حقيقة بسيطة وواضحة.

يبدو أن كل الحلول للمشاكل الكبيرة بسيطة وواضحة، كما تفاحة نيوتن.

الأزمة الثقافية هي أم الأزمات ومنطلقها.. “ما أحوجنا اليوم إلى عودة الفلسفة والإنسانيات إلى صدارة الاهتمام (..) الرهان ثقافي، لا بد أن يؤخذ مأخذ الجد، لأنه الوحيد الذي سيحرر مصيرنا”.

تونس “وَجَدَتها”.. وبالكلمات السابقة قدم وزير الثقافة التونسي محمد زين العابدين، الحل الذي سيساهم في تحرير عالمنا العربي من مأزقه الثقافي والحضاري.

يوم الجمعة الماضي وضعت نخبة من المفكرين في تونس أول حجر لتعبيد الطريق، مدرسة فلسفية، سيكون من أبرز اهتماماتها، تقديم المحاضرات والندوات، لقاءات مع فلاسفة ومفكرين، أيام دراسية تونسية ومغاربية، دروس في الفلسفة والثقافة الفلسفية وتقديم الإصدارات الجديدة. كما سيتم إحداث مكتبة خاصة بها. وفي برنامج المدرسة إحداث ثلاث جوائز: جائزة سنوية كتكريم لباحث في الفلسفة أو لأثر فلسفي، جائزة المقال الفلسفي المنشور خلال العام، وجائزة أفضل رسالة دكتوراه.

إنسان عصر الحداثة والتكنولوجيا الرقمية اليوم كمن يبحر في مركب تائه تتقاذفه الأمواج وهنا يأتي دور الفلسفة لإنقاذه

والثقافة، كما جاء في مداخلة، عبدالوهاب بوحديبة، عالم الاجتماع التونسي المختص بالدراسات الإسلامية، هي بمثابة العمود الفقري لكل المجتمعات، فكل فعل هو فعل ثقافي، الكلام وسلوك الأفراد، الرموز والخرافات والعلوم، كلها أنشطة ثقافية. الثقافة هي ثقافة الفرد، وثقافة الجماعة، وثقافة البشرية جمعاء، وهناك دائما عملية غربلة مستمرة لها، نختار ما يناسبنا منها. كل الأزمات تصب في الأزمة الثقافية.. إنها “أم الأزمات” التي يجري “تجاهلها” لنركز على الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

الثقافة، حسب بوحديبة، مريضة ليس فقط في تونس، بل في العالم، مؤكدا أن الأزمات قد تأتي بالمصائب، ولكنها تأتي أيضا بالحلول. وهذا ما يأمل من مدرسة تونس الفلسفية أن تقدمه. وذلك من خلال استقطاب كل التيارات الفكرية والكفاءات للمساهمة في نقاشات عمومية حول قضايا ساخنة.

واعتبر بوحديبة التقليل من شأن الأزمة التي تمر بها الثقافة خطأ فادحا، لأن الأزمة الكبرى هي الثقافة، ونجاحها أو فشلها ينعكس على بقية القطاعات. كما انتقد الوضع الثقافي بالبلاد وفي العالم ووصفه بالمرضي، موجها اتهامه إلى وسائل الإعلام التي تعتمد على الارتجال والفوضى ولا تفسح المجال للمثقف لإبراز إنتاجاته.

ويرى يوحديبة أن المال هو عدو الثقافة وعدو المثقف والفنان، وأن الدعم الذي تقدمه الوزارة للفنان أو المبدع من أكبر الأخطاء، لأنها تشجع على الخمول وعدم الإبداع. ويضيف أن “لا شيء يزهر الثقافة وينميها غير العمل، لأنه هو الذي ينتج الدعم وينتج المال للتقدم، مشددا على الدور الكبير الذي يجب على الفيلسوف أن يلعبه وهو تسليط لغة العقل، ترسيخ المبادئ والقيم الجديدة، المحافظة على الذوق السليم”.

ويشير بوحديبة إلى أن إنسان عصر الحداثة والتكنولوجيا الرقمية اليوم “كمن يبحر في مركب تائه تتقاذفه الأمواج”، وهنا يأتي دور الفلسفة، لتبحر بنا بعيدا عن التيارات المؤذية.

ووجه بوحديبة نقدا لاذعا للتلفزيون، الذي قال عنه “أبكي حينما أرى تلفزتنا تقدم باسم الثقافة أشياء تافهة”. وأشار إلى الإنترنت، رغم أهميتها، لأن أغلب من يستعملها، يتعامل معها دون نقد ودون إعمال للعقل.

بقي أن نقول إن ماضي تونس يؤهلها لطرح هذه المبادرة، فهي التي قدمت للعالم عبدالرحمن بن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، وقدمت قافلة من المفكرين المصلحين، أمثال الطاهر حداد، ومحمد الطاهر بن عاشور.

وحاضرا قدمت: هشام جعيط، محمد الطالبي، عمر الشارني، فتحي التريكي، فتحي المسكيني… ويوسف الصديق، مؤلف العديد من الكتب المثيرة للجدل مثل “الآخر والآخرون في القرآن”، “أوراق”، “هل قرأنا القرآن أم على قلوب أقفالها”، داعيا فيه إلى قراءة القرآن برؤية معاصرة.

عبدالوهاب بوحديبة، نفسه، كان موضوع مداخلة للمفكر التونسي محمد محجوب، الذي استعرض السيرة الذاتية والمشوار العلمي لـ”أستاذ الأجيال”.

قاد بوحديبة تيارا فكريا يدعو إلى إعادة التفكير في الإسلام بشكل معاصر، وهو من مواليد القيروان عام 1932، حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، بعد دراسته الثانوية بالمعهد الصادقي في تونس العاصمة.

14