وأما بعد..

الخميس 2014/07/17

أتذكر واقعة تراثية كنتُ قد قرأتها قبل سنوات عدّة. حيث جاء في بعض كتب الأخبار أنّ الخليفة عمر بن عبدالعزيز تلقى في أحد الأيام رسالة من أحد ولاته، وكانت الرسالة طويلة التمهيد قصيرة الموضوع. افتتحها الوالي بالبسملة، ثم حمد الله حمدا كثيرا وأثنى عليه مرارا، واستغفر ما شاء له الله أن يستغفر، ثم انتقل إلى الصلاة على النبي وعلى آله وصحبه، مستعرضا خصالهم الحميدة، ثم استظهر بعض عبارات وصيغ وأساليب السلام على خليفة المسلمين والثناء عليه، والدعاء له بالصحة واليمن والبركات وبأشياء أخرى كثيرة، حتى كاد الخليفة يضجر من طول الاسترسال.

وفي آخر الرسالة جاء الموضوع على النحو التالي: وأما بعد، فإننا نخبرك مولانا بأنّ الورق ينقصنا. فماذا كان رد فعل عمر بن عبدالعزيز؟ أجاب الوالي في سطر واحد، فقال: الحمد لله، أما بعد، لو كنتم تقتصدون في الكلام ما كان ينقصكم الورق. والسلام.

بين صيغة الطلب وصيغة الرد فارق كبير، فارق بين عقليتين متناقضتين: عقلية تظنّ أنّ الإكثار من ذكر الله وترديد الأدعية والمفردات الدينية هو الكفيل بإرضاء الله عز وجل والتأثير في النفوس وتحقيق الفوز ونيل المراد، في ما نسميه بالتوظيف السحري للدين، وعقلية ثانية ترى أن النتائج العملية على مستوى تحسين حياة الناس هي الأهم وهي ما يريده ويباركه الله في الأخير.

قبل أيام كنت أبحث في اليوتيوب رفقة ابنتي عن تمارين في المعادلات الرياضية من الدرجة الثانية، وبالصدفة أو لأسباب فنية تتعلق بالشبكة، فقد كان جميع الأساتذة مغاربة. وسأنقل الصورة بأمانة، أحيانا يكون علينا أن ننتظر الأستاذ حتى يبسمل ويحمدل ويستغفر، وأحيانا يحتسب مجهوده لله أو يدعو الله أن يجعله صدقة جارية لكافة أبناء المسلمين، قبل أن يدخل إلى صلب الموضوع.. كما لو أن الرياضيات يجب أن تكون ملفوفة بالعبارات الدينية وأن يكون مقصودها أبناء المسلمين حصرا، حتى يحتسبها الله صدقة جارية!

وفي أحد الأشرطة وجدنا درس المعادلات مصحوبا بصوت شيخ يقرأ المعوذتين. حتى أن ابنتي علقت قائلة: هل الأستاذ هنا يحل المعادلات أم يصرعها؟

24