وائل أبوفاعور وزير إشكالي يطرح معنى ميدانيا مختلفا للعمل السياسي

أبوفاعور القيادي الدرزي الشاب يطرح ما يسميه بالتحدي الكبير الذي يتخذ شكل السؤال "هل سيدخل تيمور جنبلاط إلى المجلس النيابي كما دخل كمال جنبلاط ووليد جنبلاط؟".
الأحد 2018/03/04
جنبلاط ألبس تيمور الكوفية ولم يلبسه عباءة الزعامة

زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى المملكة العربية السعودية قبل يومين، جاءت وسط مناخ يبدو فاتراً من طرف الرياض تجاه الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط حسب التخمينات، لتخرج بعدها تصريحات الوزير السابق وائل أبوفاعور لتزيد من تأكيد المؤكد، وتحدد خطوط الملاحظات السعودية على نهج جنبلاط. فقد أشار أبوفاعور في حديث تلفزيوني قبل أيام قليلة إلى أن حديث جنبلاط حول شركة أرامكو والحرب في اليمن، تم نقل العتب السعودي حوله إليه. وأضاف أبوفاعور “لذلك لم يقم الوفد السعودي الذي يزور لبنان بزيارة جنبلاط، ولكن وجهت إلينا دعوة لزيارة الوفد في السفارة”.

ولأن السياسة حافلة دوماً بالتحولات، فقد كانت، على ما يبدو، أولى نتائج زيارة الحريري الأخيرة إلى الرياض، لقاء جمع أبو فاعور مع المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا في بيروت. لقاء قال عنه أبو فاعور إنه كان إيجابيا.

يرى أبوفاعور الذي ولد ونشأ في أوساط الحزب التقدمي الاشتراكي أن تصريحات رئيس الحزب لا تستند إلى رغبة في انتقاد السعودية، بل تنبع من “حرص على المملكة، باعتبار أن لدى جنبلاط علاقة تاريخية تخوّل له إعطاء رأيه في بعض القضايا”.

وكان جنبلاط قد انتقد في لقاء مع الإعلامية بولا يعقوبيان، قرار الرياض خصخصة شركة أرامكو، معتبراً أنها ملك للعرب، وأن رأيه يعود إلى أنه “اشتراكي يؤمن بهيمنة الدولة على الموارد”، ووصف جنبلاط، في حديثه ذاك، الحرب في اليمن بأنها “عبثية”، قائلاً “إن كل حرب في النهاية هي عبثية”.

المستقبل للشباب

السياسة في لبنان تكاد تعيش اليوم على فكرة وحيدة، هي فكرة الزعامة، بعد الفشل في بلورة عمل وطني مشترك، لذلك يركز أبوفاعور على دور قصر المختارة الهام طيلة ال٣٠٠ عام الماضية
السياسة في لبنان تكاد تعيش اليوم على فكرة وحيدة، هي فكرة الزعامة، بعد الفشل في بلورة عمل وطني مشترك، لذلك يركز أبوفاعور على دور قصر المختارة الهام طيلة ال٣٠٠ عام الماضية

تمرّس أبوفاعور بالعمل الحزبي إلى أن أهّله نشاطه والكاريزما التي يتمتع بها لقيادة “منظمة الشباب التقدمي” الناشطة بين الطلاب والقوى الشبابية. فكان نجاحه في هذه المهمة المفتاح الذي فتح باب عقل وقلب جنبلاط الذي قرّبه منه ورأى فيه نموذجاً للجيل الشاب في الحزب الذي يعوّل عليه لتسلّم الأمانة إلى جانب وريثه الشاب تيمور.

قرّر جنبلاط منح أبوفاعور الفرصة وترشيحه للمقعد النيابي الدرزي عن دائرة راشيا، البقاع الغربي في العام 2005، فلم يخيب ظنه. وفرض نفسه “نجماً” على المنبر البرلماني خصوصاً عند مناقشة البيانات الوزارية للحكومات المتتالية، إلى أن أصبح هو نفسه وزيراً، فكان نشاطه الوزاري لا يقلّ شأناً عن نشاطه النيابي، حتى أنه عندما تولّى الوزارة للمرة الرابعة، وكان قد خبر المقاعد الوزارية، أسندت إليه حقيبة الصحة العامة، فصار اسمه على كل لسان في لبنان.

ولد أبوفاعور في بلدة حلوات الكفير في قضاء حاصبيا عام 1972 وتلقّى دروسه الابتدائية والتكميلية والثانوية في مدارس مسقط رأسه الرسمية. وبعد حصوله على منحة من مؤسسة رفيق الحريري دخل إلى الجامعة الأميركية في بيروت، وتخرّج منها حاملا إجازة في إدارة الأعمال.

وأثناء دراسته الجامعية انتمى أبوفاعور إلى “منظمة الشباب التقدمي” وتدرّج في مسؤولياتها من أمين سرّ مكتبها في الجامعة الأميركية إلى عضو الأمانة العامة للمنظمة، حتى انتخب أمينا عاماً لها، وظلّ على رأسها حتى عام 2002.

غير أن نشاطه في قيادة المنظمة كان لافتاً إلى درجة أنه بعد أن أمضى سنتين في قيادتها، انتخب عضواً في مجلس قيادة “الحزب التقدمي الاشتراكي” فأصبح أقرب إلى جنبلاط الذي بدأ يراقب نشاط أبوفاعور عن كثب ويكلّفه ببعض القضايا الحزبية الداخلية فيبرع الأخير في معالجتها ما زاد من ثقة وإعجاب جنبلاط به، حتى أصبح معاونه السياسي.

يقول أبوفاعور لـ”العرب” عن قلق جنبلاط من ترهل العمل السياسي إن “وليد جنبلاط يعيش دائماً هاجس إعطاء الفرص للشباب، وقد فعل ذلك معي كما فعله لدى اختيار الطبقة الجديدة من مسؤولي الحزب من الأمين العام وصولاً إلى أعضاء مجلس القيادة الذين يحق لجنبلاط تعيينهم بصفته رئيساً للحزب، فجاؤوا جميعهم من عنصر الشباب”. ويضيف أبوفاعور “بعدما أعلن عن نيته إحداث تغيير في الكتلة النيابية التي يرأسها بإدخال وجوه جديدة وشابة، يعلن جنبلاط عن ترشيح نجله تيمور الشاب المثقف والطموح الذي لديه الهواجس نفسها التي يملكها أبناء جيله، مفسحاً المجال أمام كادرين من أعضاء الحزب الشبان والنشيطين، ومرشّحا إياهما إلى جانب تيمور”.

حرب الانتخابات ضد الحيتان

بعد انتهاء تجربة أبوفاعور الناجحة والمثيرة جداً في وزارة الصحة، عاد إلى صفوف الحزب ليمارس نشاطه الحزبي ضمنه وهو يؤكد “أريد أن أمحو هذه النظرية الخاطئة السائدة في المجتمع اللبناني (التي تفيد) بأن الحزبيين أناس انتهازيون الذين بمجرد أن يصلوا إلى ما يريدون ينسون أحزابهم”.

المعركة الأهم لأبوفاعور تلك التي خاضها ضد محتكري استيراد الأدوية، فكانت المرة الأولى التي يتجرأ فيها وزير للصحة على خوض معركة تخفيض سعر الدواء في لبنان، وحقق نجاحاً باهراً في ذلك وصل إلى حد إنقاص أسعار بعض الأدوية بحدود 70 بالمئة

التجربة الميدانية في مواجهة الخصوم تبدت أكثر وضوحاً في عمله في وزارة الصحة العامة، حيث لمع نجم أبوفاعور كثيراً بعدما اتخذ قراراً يقول عنه إنه لم يكن قراراً شخصياً بل قرار من الحزب التقدمي الاشتراكي بمحاربة الفساد والاهتمام بالمسائل الحياتية التي تعني كل الناس.

شن ما اصطلح على تسميته بحملة “سلامة الغذاء”، حيث راح يشرف شخصياً على عمل فريق مفتشي الوزارة الذين لم يتركوا دسكرة وحارة وقرية في لبنان إلا وتوجهوا إليها لمراقبة التزام مقدّمي الخدمات الغذائية إلى الناس بالشروط الصحية المفروضة من الوزارة.

وكانت لهذه الحملة آثار إيجابية جداً، إذ واكبتها الوسائل الإعلامية التي التقطت من جملة ما التقطت عبارة “المواصفات المطابقة” حيث أن المخالفات التي كان مفتشو وزارة الصحة يحررونها بحق المخالفين تستند إلى بند “عدم مطابقة المواصافات”، فأُسْنِدَ إلى أبوفاعور لقب “وزير المواصفات المطابقة”.

لا يخجل أبوفاعور من هذه الصفة بل يعتبر أن ما قام به حقق إنجازاً، إذ أن إدارته لهذه الحملة كشفت العيوب التي كانت تعتري مأكل ومشرب المواطن اللبناني “الذي من حقه على المسؤولين على الأقل حماية صحته، وهذا واجب علي”.

غير أن أبوفاعور كان يدرك سلفاً -حسب ما قاله لـ”العرب”- أنه كان “يشن حملة ضد حيتان المال الذين يتمتعون بحماية سياسية كبيرة في البلد، وبالتالي فإن نجاح الحملة لا يكون بضبط المخالفين وتحرير الغرامات بحقهم، بل يجب أن تستمر وأن تكون شعاراً دائماً وأن يوضع حد لهؤلاء الحيتان وحماتهم لكي يستطيع المواطن أن يطمئن إلى أن غذاءه غير مغشوش ولن يودي به إلى المرض على أقل تقدير”.

من كمال إلى يومنا هذا

أبوفاعور القيادي الأقرب لجنبلاط يرى أن تصريحات الزعيم الدرزي حول رفضه خصخصة شركة أرامكو ووصفه للحرب في اليمن بالعبثية، تنبع من “حرصه على المملكة، باعتبار أن لدى جنبلاط علاقة تاريخية تخول له إعطاء رأيه في بعض القضايا”
أبوفاعور القيادي الأقرب لجنبلاط يرى أن تصريحات الزعيم الدرزي حول رفضه خصخصة شركة أرامكو ووصفه للحرب في اليمن بالعبثية، تنبع من “حرصه على المملكة، باعتبار أن لدى جنبلاط علاقة تاريخية تخول له إعطاء رأيه في بعض القضايا”

المواطن اللبناني شعر ببصمة أبوفاعور الإيجابية، فلم يرفض عند توليه وزارة الصحة يوماً طلب دخول مريض إلى المستشفى على حساب الوزارة، كما أنه خاض معركة أخرى ضد نقابة أصحاب المستشفيات في سبيل تحديد عدد الأسرّة التي تمنحها لصالح الوزارة بعد “معركة كرّ وفرّ” في احتساب سعر السرير. غير أن المعركة الأهم كانت تلك التي خاضها ضد محتكري استيراد الأدوية، فكانت المرة الأولى التي يتجرأ فيها وزير للصحة على خوض معركة تخفيض سعر الدواء في لبنان وحقق نجاحاً باهراً في ذلك وصل إلى حد إنقاص أسعار بعض الأدوية بحدود 70 بالمئة.

لم تنته معركة أبوفاعور الإصلاحية باسم الحزب التقدمي الاشتراكي بعد انتهاء مهامه الوزارية، فبحكم موقعه كمعاون سياسي لجنبلاط، تراه لا يزال يتابع كامل الملفات التي تولاها لكنه يقوم بذلك اليوم بصفته التشريعية كنائب عن دائرة راشيا البقاع الغربي، فكانت مداخلاته أثناء مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس سعد الحريري، رغم وجود ممثلين عن الحزب الاشتراكي فيها، تركّز على الجانب الإصلاحي في البيان الوزاري وانتقد حيث يجب أن ينتقد ورحّب حيث يجب أن يرحّب، وهو يقول عن ذلك “لا يمكن أن تقبل بالاعوجاج حين يظهر، عليك السعي لتقويمه، ولا يمكنك إغفال الأمور الجيدة وعليك الإشارة إليها والإشادة بها”.

وفي بيان أصدره مؤخرا قال أبوفاعور إنه يعبر عن “كل الدعم لمطالب الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة من قبل اللقاء الديمقراطي، وعدم إنصافهم لا يحرمهم هم بل يحرمنا نحن من إنسانيتنا ومن مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه المواطنين اللبنانيين”، وعبر عن غضبه على تخلي البعض عن مسؤولياتهم قائلا “بئس الدولة التي تتنكر لمسؤولياتها وتغدق أموالها في غير مكانها”.

غير أن أبوفاعور يكاد لا يفارق تيمور نجل جنبلاط، الذي هو أيضاً مرشح عن المقعد الدرزي في دائرة جبل لبنان الرابعة في الشوف وعاليه، وفي هذه المسألة يقول أبوفاعور “في الواقع لست وحدي في فريق تيمور، فأنا أقوم بدوري في ما يتعلق ببعض لقاءاته السياسية وتلبية الطلبات الخدماتية التي اعتادت دار المختارة على الاعتناء بها منذ أجيال”.

 السياسة في لبنان تعيش اليوم على فكرة وحيدة، هي فكرة الزعامة، بعد سقوط الأيديولوجيات والاتجاهات وفشل كل العقائد في بلورة عمل وطني مشترك

أمامه اليوم مهمة رئيسية كبرى تتمثل في خوض الانتخابات النيابية المقررة في السادس من أيار المقبل، وهو يعتبر أن وجوده على لائحة مرشحي الحزب التقدمي الاشتراكي لهذه الانتخابات “وسام على صدري، آمل أن أتمكن من النجاح للاستمرار في تأدية ما تعلمته من مبادئ في صفوف حزب المعلم الشهيد كمال جنبلاط، ومن الخبرة الكبيرة التي اكتسبتها من الرئيس وليد جنبلاط، وأن أكون إلى جانب الرفيق تيمور جنبلاط لمتابعة المسيرة”.

رؤية أبوفاعور لدور الزعيم الجديد للدروز تيمور جنبلاط ترجع إلى فهمه لدور قصر المختارة في قيادة الطائفة الدرزية من جهة، وفي العمل الوطني اللبناني من جهة أخرى. لذلك تجده يطرح ما سماه بالتحدي الذي يتخذ شكل السؤال “هل سيدخل تيمور جنبلاط إلى المجلس النيابي كما دخل كمال جنبلاط ووليد جنبلاط؟” ولكنه لا يلبث أن يشدد على أن تيمور سيدخل البرلمان بكتلة وطنية وازنة من كل الجهات.

وتكاد السياسة في لبنان تعيش اليوم على فكرة وحيدة، هي فكرة الزعامة، بعد سقوط الأيديولوجيات والاتجاهات وفشل كل العقائد في بلورة عمل وطني مشترك، لذلك يرى أبوفاعور في تصريحات لتلفزيون المستقبل أن “تيمور جنبلاط يرث المقعد النيابي وبيت المختارة الذي عمره أكثر من 300 سنة والذي قدم الكثير من اللبنانيين”، مشيراً إلى أن “تيمور تسلم الكوفية، وتعمّد والده أن لا يسلمه العباءة، وذلك لأن التقدمي الاشتراكي وبعد كمال جنبلاط أصبح تيارا فكريا ثقافيا. لذلك فإن تيمور يأتي ليحمل الإرث ويكمل المسيرة ويقودها”، مع أنه يقول “لا يوجد رفيق أول ورفيق ثان في الحزب التقدمي الاشتراكي”.

وفي الفارق ما بين الكوفية والعباءة، يبقى لبنان بلد التقاليد السياسية ذات المغزى الرمزي، فكل شيء يحال إلى رغبة عميقة في عدم التصريح المباشر، ومن هنا تبدو تصريحات جنبلاط الأب التي أثارت العتب السعودي، حمالة أوجه ومعان مقصودة، ولم تكن دون عفو الخاطر من سياسي لبناني عُرف عنه أنه بوصلة مسبقة لاتجاهات المنطقة.

8