واتساب منصة دعائية للجهاديين في منطقة الساحل

الجماعات المسلحة تستنهض مشاعر الغضب عبر الفضاء الرقمي.
الأربعاء 2019/11/06
الجهاديون يجندون عبر تطبيق واتساب

أثار مقتل ما لا يقل عن 51 جنديا في مالي الأسبوع الماضي في هجومَين منفصلين، صدمة في البلاد، خصوصا أنّهما يأتيان في سياق سلسلة من الهجمات الدامية التي تبدو أمامها السلطات عاجزة عن وقفها. وفيما تحاول السلطات مقاومة تحركات الجماعات الإرهابية التي تستهدف منطقة الساحل منذ العام 2012، ما جعلها تتحول إلى مساحة نشطة لتنظيم الدولة الإسلامية منذ ظهوره إلى العلن عام 2015 ، يقترح خبراء ورجال دين معتدلون استغلال وسائل التواصل الاجتماعي التي توظفها الجماعات المتطرفة في الدعاية الجهادية والاستقطاب، كمساحة للتوعية بمخاطر الفكر الإرهابي لإنقاذ الشباب من براثن التطرف وأيضا لتجنب استئثار الإرهابيين بجميع المنابر الإعلامية.

باماكو -  في وسط مالي الغارق في الحرب، يعبّر الإمام حما سيسي عن إحباطه إزاء العجز عن وقف انضمام قسم من الشباب إلى صفوف “جبهة تحرير ماسينا” التي تبث الرعب في المنطقة، ويقول محذرا “الجهاديون يجندون عبر (تطبيق) واتساب. يجب وقف النزيف”.

ويجتاح زعيم “جبهة تحرير ماسينا” أمادو كوفا مواقع التواصل الاجتماعي ويعمل على استقطاب الشباب وإغراق البلاد في دوامة من العنف. يعرفه الإمام سيسي حق المعرفة، لقد تعلّما القرآن سويا في ثمانينات القرن الماضي. في تلك الحقبة، لم يكن كوفا بعد الداعية الذي يسعى إلى فرض الشريعة وحظر الموسيقى.

كان كوفا في تلك الحقبة يعمل في نظم قصائد “للتغني بالشابات الجميلات” مقابل مبالغ مالية ضئيلة. لكن بعد أن أكمل تعليمه الديني في الخارج، أصبح متطرفا. هو صاحب شخصية قوية ويمكن تمييز صوته العالي النبرة عن آلاف الأصوات. عندما بدأ بإلقاء الخطب، حقق نجاحا فوريا ساعده في ذلك توجهه إلى الناس بلغتهم، لغة الشعب الفولاني الرحل.

وتبث الإذاعات المحلية خطاباته النارية بشكل مكثف. ففي مدارس القرآن وأسواق الماشية، يتهافت الناس للحصول على التسجيلات الصوتية لخطبه. ويدعو كوفا إلى التصدي لظاهرة التسوّل، والغبن اللاحق بمجموعة الفولاني… وله شعبية كبرى بين الرعاة.

وحلّت الهواتف الذكية محل أجهزة الراديو النقالة، وفرض تطبيق “واتساب” الذي يسمح بتوجيه رسائل صوتية، نفسه بديلا عن “راديو الساحل”.

ومع إمكانية بلوغ الناس بسهولة لشبكات الهاتف المحمول والإنترنت، تنتشر الدعاية الجهادية في مالي كالنار في الهشيم حتى في مناطق الريف البعيدة.

شتائم وتهديدات

لفترة طويلة، اعتصم سيسي بالصمت خوفا من التعرض للانتقام. بعد أن تلقى تهديدات كثيرة، وغادر الإمام بلدة موبتي، مسقط رأسه، ولم يعد إليها منذ العام 2016.

لكن الرجل البالغ 55 عاما والذي يفضل البقاء بعيدا عن الأضواء بات يرفض استئثار الجهاديين بالمنابر. وهو يدعو من باماكو عبر الإذاعة الفولانية “تابيتال بولاكو” إلى التسامح في الإسلام. ويتم تناقل رسائله عبر تطبيق “واتساب”.

وفي شهر رمضان الأخير على سبيل المثال توجّه الإمام بشكل مباشر إلى أمادو كوفا، ومن خلاله، إلى كل من “يتشرّبون كلامه”، بالقول إن كوفا “يقول إن “ماسينا (وسط مالي) قبله لم يكن مسلما، وكانت هناك ظلمة”. وتابع “قلت له إنه لم يجلب الإسلام إلى ماسينا، بل جلب الفكر الجهادي، وهذا أمر مختلف تماما!”، في إشارة إلى التيار الديني المتشدد الذي استفحل وانتشر بشكل سريع في السنوات الأخيرة في البلاد. ويروي سيسي أن رد كوفا بعد أيام جاء “سيئا جدا وغاضبا”.

مع إمكانية بلوغ الناس بسهولة لشبكات الهاتف المحمول والإنترنت، تنتشر الدعاية الجهادية في مالي كالنار في الهشيم حتى في مناطق الريف البعيدة

وانضم الكثير من إخوة الإمام حما وأصهاره إلى مجموعة الجهاديين خلال السنوات الأربع الماضية. وهو “لا يعرف فعلا” إن كان ذلك عن قناعة دينية أو بحثا عن المنفعة المالية أو دفاعا عن بلدتهم. لكنه توصّل إلى استنتاج مرير مفاده أن “أولادنا يعرّضون أنفسهم للقتل مع كوفا، وأعدادهم تتزايد يوميا”.

ومنذ أربع سنوات أصبحت موبتي المنطقة الأكثر اضطرابا في البلاد مع نحو 60 ألف نازح، وإغلاق نحو 600 مدرسة، ووجود مدنيين عالقين بين مطرقة أعمال العنف التي يمارسها الجهاديون وسندان العمليات الانتقامية الطائفية.

وبغاية التجنيد عبر شبكة الإنترنت، تسعى الجماعات المسلّحة إلى استنهاض المشاعر والغضب عبر نشر صور صادمة. ففي كل اعتداء يستهدف مدنيين ومع كل مواجهة مع الجيش يتم تداول صور شنيعة لجثث انتزعت أحشاؤها أو قرى محروقة على شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي مواجهة التصعيد في أعمال العنف، تداعى ماليون لفتح نقاش يشارك فيه علماء دين وشخصيات مؤثرة، أو مجرد تجار عبر تناقل رسائل صوتية يكسرون فيها حاجز الصمت. ويعمل عثمان بوكوم، وهو بائع مآزر، في سوق موبتي، ويبلغ 36 عاما. وهو يمضي يومه باستخدام هاتفه مستمعا إلى حملات الدعاية التي يتم تداولها على “واتساب” وموقع “فيسبوك”.

ويقول بابتسامة عريضة “إيماني هو الذي دفعني إلى التدخل”، مضيفا “لاحظت أنهم يحوّرون الكلمات في خطبهم الدينية ويفسرون الآيات على طريقتهم”.

ويضيف “أردّ بشرح ما يقوله القرآن حقيقة… كل شخص منضم على الأقل إلى نحو عشر مجموعات مختلفة على واتساب، الناس يتناقلون الرسائل، وعادة، أردّ في غضون ثلاثين دقيقة”.

واتساب يتحول من نعمة إلى خطر يهدد حياة مواطنين ودول
واتساب يتحول من نعمة إلى خطر يهدد حياة مواطنين ودول

ويتعرض بوكوم للكثير من الشتائم والتهديدات. لكن على الرغم من اختلاف وجهات النظر، يستمر في التواصل”. ويقول “لا أحاربهم، أحاول فقط أن أعيدهم إلى المنطق”. وقد اكتسب بوكوم شهرة واسعة في نهاية المطاف. وفي يوليو الماضي، شارك في مؤتمر حول الحريات الدينية في الولايات المتحدة حيث استقبله أعضاء في الكونغرس الأميركي.

وكان على وشك عقد لقاء مع أتباع كوفا في موبتي. وقال بوكوم “عرضت عليهم إجراء نقاش”، مضيفا أنهم “وافقوا، لكن في اللحظات الأخيرة وجّه كوفا رسالة صوتية لمنعهم من المجيء خشية على أمنهم”.

لكن هل يمكن للتواصل الحاصل حاليا عبر تطبيق “واتساب” أن يتخطى واقعه الرقمي إلى أرض الواقع؟ غالبا ما يطرح هذا السؤال في النقاشات العامة في مالي. وفي تقرير نشر في يونيو، دعت “مجموعة الأزمات الدولية” (مركز أبحاث) إلى فتح حوار جدي مع زعماء وسط البلاد على غرار أمادو كوفا.

استعادة الثقة

تُدافع المجموعة عن طرحها الذي تعتبره واقعيا في ظل غياب أي حل مثالي، إذ تتزايد أعمال العنف وسط عجز للدولة ونزاع مستمر. وعلى الرغم من أن باماكو تعارض رسميا فكرة التفاوض، إلا أن الأمثلة على خوض مسؤولين ماليين تسويات، كثيرة.

في الوسط، تم توقيع وقف لإطلاق النار في أغسطس في الوسط بين ميليشيات الدوغون للدفاع الذاتي وجهاديي جبهة تحرير ماسينا، علما أن هذه الاتفاقات لم يتم تطبيقها على أرض الواقع.

ويؤكد بوكوم أنه مقتنع بإمكانية إنقاذ الشباب من تأثير الجهاديين ومن يمكن أن ينضموا إليهم عبر “تفتيت” خطابهم. وقد أنشا في موبتي في مارس جمعية للدعاة لحماية الوحدة والسلم الاجتماعي تستند إلى القدرة على الاعتماد على شبكات من المعلمين والشخصيات المؤثرة ممن لا يميلون بتاتا إلى التعامل مع كوفا، ليعلموا القرآن بشكل مستنير للأطفال. لهذه الغاية، تقترح الجمعية أن تقدّم كل قرية حقلا زراعيا مساحته خمسة هكتارات تخصصها للأكثر عوزا ولمدارس تعليم القرآن.

ويأمل عثمان بوكوم في أن يسهم هذا الأمر في “استعادة ثقة” العائلات في المناطق التي تخلت عنها الدولة حيث ينعدم الأمن وحيث أصبحت الجماعات المسلحة البديل الوحيد. ويقول ـ”هو الأب الذي يمكنه أن يتحدث مع ابنه (…) لإقناعه بالعودة إلى منزله وزراعة حقله”.

13