"واجب" يجمع بين أب وابنه في الناصرة بعد طول غياب

في فيلمها الروائي الطويل الثالث “واجب” تسعى المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إلى النظر من زاوية جديدة إلى حياة الفلسطينيين في الداخل، فيما وراء الخط الأخضر، وتحديدا في مدينة الناصرة وفي أوساط الفلسطينيين المسيحيين من الطبقة الوسطى. سيناريو الفيلم بسيط ولكنه بليغ، وهي تطرق من خلاله أبوابا عدة، وتتناول أكثر من فكرة من تلك الأفكار المسكوت عنها أو التي تطرح عادة على استحياء شديد في السينما العربية بوجه عام.
الجمعة 2017/10/27
تمسك بالأرض وبالبقاء

تدور أحداث الفيلم الفلسطيني “واجب” لآن ماري جاسر -إذا صح أن هناك أحداثا- في يوم واحد، معظمها يقع على الطريق، داخل وخارج السيارة التي يتناوب على قيادتها الشاب “شادي” ووالده “أبوشادي”، والاثنان هما بطلا الفيلم وموضوعه أيضا، فالفيلم يجسد من خلال هاتين الشخصيتين، التباين بين جيلين: جيل الأب الذي فضل البقاء داخل الوطن، ووجد نفسه مجبرا على التعايش مع الآخر الإسرائيلي، وقد تركته زوجته قبل عشرين عاما وفرّت مع رجل آخر إلى الولايات المتحدة، بينما ذهب ابنه شادي للدراسة ثم أقام منذ سنوات في روما، حيث يرتبط هناك بعلاقة مع فتاة فلسطينية هي ابنة قائد سابق من قياديي منظمة التحرير الفلسطينية.

تباين الشخصيتين

أبوشادي نموذج للأب المكافح العنيد الذي لا يعرف اليأس ولا القنوط، تحمل وحده الضغوط النفسية المباشرة وغير المباشرة، ونجح في تربية ابنه شادي وابنته “آمال” التي تتأهب الآن للزواج، وقد حضر شادي من روما خصيصا لمساعدة والده في الإعداد للزفاف، وبالأخص توزيع بطاقات الدعوة إلى حفل زفاف آمال على الأقارب والأصدقاء (وهذا هو معنى “الواجب” في عنوان الفيلم).

توزيع بطاقات الدعوة هو المدخل الذي تتخذه كاتبة الفيلم ومخرجته آن ماري جاسر، إلى الموضوع، فخلال جولات الأب والابن تقترب من حياة الجماعة الفلسطينية المسيحية في الناصرة، بتركيز خاص على كبار السن، وهنا يبدو شادي تحديدا، غريبا عن المحيط رغم أنه ينتمي إلى المدينة بحكم مولده ونشأته.

عاد شادي وهو يصنع من شعره ضفيرة، يرتدى قميصا مزركشا وسروالا أحمر، حانق على تدني الأحوال في المدينة، وساخط على التقاليد العتيقة، فهو الذي درس الهندسة المعمارية في إيطاليا، يعترض على طريقة تشييد المباني في المستوطنات الإسرائيلية المجاورة خارج المدينة، ويبدي سخطه على ما بلغته المباني القديمة أو الكنوز المعمارية الفلسطينية من تدهور.

شادي أيضا يرفض كل إشارات والده الذي يريد إقناعه بالبحث عن عروس له من الناصرة والبقاء، مصرا على أن لا شيء يعادل العيش في الوطن مهما كان الوضع، بينما يصر شادي على أنه لن يعود إلى الناصرة وسيبقى في إيطاليا.

شادي يحتج كثيرا على طريقة تفكير والده، يرفض طريقته التي يراها “توفيقية”، أي مهادنة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الآخر، فالرجل يرغب في دعوة شخص إسرائيلي يقول إنه يعتبره صديقا له إلى حفل الزفاف، بينما يرفض شادي ويغضب ويتهم الإسرائيلي بأنه جاسوس على الفلسطينيين، وأنه عميل لجهاز “الشاباك” الأمني الإسرائيلي.

وتتفجر المفارقات في سياق كوميدي، بين الأب والابن، ويصل التناقض بينهما إلى ذروته قُبَيْل النهاية، في مشهد المواجهة التي تقع بينهما، لتكشف عن مأزق العلاقة بين الجيلين وتطرح تساؤلات مثل: هل من الصواب ترك الوطن والعيش في الخارج بدعوى أن الوطن قد أصبح سجنا كبيرا كما يقول شادي؟ أم أن البقاء في الوطن يقتضي شجاعة كبيرة وصبرا ونضالا يوميا حقيقيا في الصمود، وهو ما يعني عدم التخلي طواعية عن الأرض وتركها للإسرائيليين؟ من منهما يستحق أن نصدقه ونتعاطف معه؟

هذه الإشكالية السياسية والأخلاقية، تنجح في نسجها ببراعة وهدوء وثقة المخرجة من دون شعارات وبعيدا عن الشكل المباشر، بل من خلال أسلوب فيلم الطريق، حيث يتم تصوير ورصد والتوقف أمام الكثير من المفارقات التي تقابل بطلينا، دون أن تفرض علينا التعاطف مع أحدهما.

ويؤكد الفيلم على أنه بالرغم مما تتعرض له العلاقة بين شادي ووالده من توتر وشد وجذب إلاّ أن علاقتهما تصمد وتحتفظ بمتانتها فكلاهما يتفهم الآخر، وشادي يحب والده ويقدره، كما يحبه أبوه ويريد له السعادة. ويأتي مأزق أبوشادي أساسا من وجوده تحت الاحتلال، رغم أنه يتحرك ويعمل في التدريس ويرتبط بعلاقات طيبة مع أصدقائه وتلاميذه الذين يقابلونه في الطريق ويحيونه بحرارة.

هناك نقد يوجهه أبوشادي لقادة منظمة التحرير الفلسطينية يتهمهم بالانفصال عن الشعب الفلسطيني وتفضيل مصالحهم الشخصية، أما شادي فيبدو معجبا على نحو خاص بشخصية مروان البرغوثي الذي يقبع في سجون الاحتلال منذ سنوات، لكن لعل ما يقلل من قوة الفيلم أحيانا، هامشية الوجود الإسرائيلي في الشارع وفي الحياة بالناصرة بشكل عام، فهناك مشهد واحد فقط لجنديين إسرائيليين يغشيان مطعما صغيرا في وجود شادي ووالده، وعندما يتساءل شادي في استنكار عن وجودهما هنا، يجيبه والده بأنهما يحبان تناول الفلافل الفلسطينية.

ومقابل ذلك يركز الفيلم على تمسك الفلسطينيين بالأرض وبالبقاء، ويصور تماسكهم واحتفاظهم بتقاليدهم وعاداتهم ومجاملاتهم المألوفة واهتمامهم بما يتعلق بالأسرة والأبناء.

آمال شقيقة شادي قد تكون رمزا لفلسطين نفسها، فهي تنتظر عودة والدتها الموعودة من أميركا لحضور الزفاف، لكن الأم قد لا تحضر، فزوجها مريض يشارف على الموت، وبعد أن يعلم شادي بوفاته يظل هناك شك كبير في حضورها، ربما لخشيتها من مواجهة الواقع الذي تمرّدت عليه ورفضته وفضلت الهرب إلى “أرض الأحلام” في أميركا.

هل سيحسم شادي أمره ويقرّر البقاء ليتزوج من فتاة من بلدته كما يرغب والده؟ أم أنه لا يريد أن يكرر خطأ والده ويتخذ نفس مسار حياته، وقد قطع صلته بماضيه من حيث المكان، وإن ظلت “القضية” حاضرة في ضميره ووعيه؟ هل من حق شادي أن يدين “طيبة” والده ونواياه الحسنة وليونته في التعامل مع الآخر الإسرائيلي؟ أم أن مثالياته لا تقف أصلا على أرضية الواقع الذي يرفضه ويرفض التعامل معه؟

شكل السرد

آن ماري جاسر كما في أفلامها السابقة، تختار بناء للسرد لا يتضمن حبكة أو ذروة للأحداث، فهي تتابع الشخصيات في سياق المكان، تربط بينها وبين تاريخها المعاصر في فلسطين، لتؤكد أن الاحتفاظ بالهوية رغم كل الضغوط قد يكون نوعا أقوى من النضال، وهي تصنع تقابلا بين الفرد والتاريخ، وبين الماضي والحاضر، الخارج والداخل، بين شكل وصورة النضال المثالية التي ربما يهزمها الواقع يوميا كما توجد في ذهن شادي، وبين ما يعيشه أبوشادي في حياته اليومية دون أن يتخلى عن أحلامه البسيطة في أن يرى ابنه وابنته سعيدين.

لقد اختار شادي أن يعيش “خارج المحيط الطبيعي” أي خارج الوطن، تغيّرت أفكاره مع تغيّر شكل مظهره الخارجي، وأصبح يميل للرفض والاستنكار، يرتبك عقله ويزدحم بأفكار نظرية كثيرة، إن ما ينطق به يمكن تفهمه وقد يكون مبررا، لكن ما يدافع عنه والده من مواقف وأفكار مستندا إلى تجربته الحقيقية في أرض الواقع، يمكن أيضا تفهمه، ولكن ليس مطلوبا التعاطف هنا مع طرف على حساب الطرف الآخر. والجدل الذي يثيره هذا “الصراع” بين الطرفين وبين الجيلين، مقصود لإيقاظ الذهن ودفع المشاهد للتفكير، وأزمة أبوشادي لا تنفصل في النهاية عن أزمة ابنه شادي.

يتميز الفيلم الذي صوره المصور الفرنسي أنطوان إيبيريل بالصورة الجميلة للأماكن الطبيعية في الناصرة ومحيطها، ومن المؤكد أن الفيلم لم يكن ليتمتع بكل ما يتمتع به من قوة تأثير، لولا فضل وجود محمد بكري وابنه صالح بكري في الدورين الرئيسيين.

إنهما يشكلان معا حالة من التجانس البديع فيما بينهما، يتمتعان بخفة الظل في تعليقاتهما، ويبدو الحوار بينهما طبيعيا، والأداء تلقائيا، يغضبان ويتألمان ويتضاحكان ويتغامزان حينا، كما يتشاجران حينا آخر، يشتبكان في عراك حول السياسة والاختيارات المختلفة في الحياة، لكنهما كأب وابن، لا ينفصلان. ومشهد النهاية البديع، حيث يجلسان في شرفة المنزل الكائن أعلى ربوة تطل على الجبل الممتد بينما تتلألأ الأضواء من بعيد في الليل، هو مشهد يوحي بالغموض والسحر، ويشي بأن القصة أيضا ممتدة ولا أحد بوسعه أن يختمها.

ناقد سينمائي مصري

16