واحد وأربعون عاما من تألق الفن التشكيلي بأصيلة

المدينة الموريسكية، أصيلة" تحولت إلى متحف كبير في الهواء الطلق، من خلال جداريات اشتغل عليها فنانون مغاربة ومشارقة وغربيون، فكانت لوحات عبقرية تنبض بالحياة.
الأربعاء 2019/07/03
جداريات رمزية وجمالية تقطع مع البعد المادي

يتواصل حتى التاسع عشر من يوليو الجاري بمدينة أصيلة المغربية موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ41، والذي تم افتتاحه في الـ16 من يونيو الماضي، حيث جرت العادة أن تنطلق فعالياته بالرسم على جداريات أزقة مدينة أصيلة العتيقة التي يشارك فيها فنانون من المغرب وخارجه.

 أصيلة (المغرب)- تعد الجداريات من بين أهم ما يميز موسم أصيلة الثقافي السنوي بالمغرب منذ انطلاقته قبل 41 عاما، حيث تندمج ألوان ريشة مختلف المدارس التشكيلية العالمية مع انعكاس ضوء الشمس على جدران المدينة وزرقة بحرها ومعمارها ذي الطابع الموريسكي.

فنانون كثر مغاربة ومشارقة وغربيون أسسوا لهذا الفعل الفني الصعب، مروا من هذه المدينة الأطلسية فوقعوا على جدرانها لوحات عبقرية كالراحلة المغربية الشعيبية طلال ومواطنها الراحل فريد بلكاهية، وأيضا الفنان العراقي رافع الناصري، والفنان المصري محمد البهجوري، ليلتحق بهم في الموسم الواحد والأربعين بنيونس عميروش وساندرين لورنزو وستيفان بيلون وموسى زكاني، تحت إشراف الفنان التشكيلي محمد عنزاوي.

أصيلة الجدران والناس

بالرغم من أن الجداريات منتج غربي فقد تفوق مغاربة وعرب وفنانون تشكيليون من آسيا في هذه الفن، فجعلوا الفضاء العام لأصيلة ينبض بالحياة ويأسر العين والوجدان، حيث كانت جدران المدينة الصغيرة الدافئة مسرحا لريشة مغاربة وغربيين وآسيويين فأخرجوا هذا الفن إلى الهواء الطلق ليستمتع به الكل دون قيود قاعات العرض ولا انتقائية في الحاضرين.

ويقول المشاركون في هذا الموسم لـ“العرب” إنهم ممتنون لموسم أصيلة في إبراز أهمية الجداريات وخصوصياتها، موضحين أن هذا الفن صعب كونه يشتغل بمنطق مخالف للعمل على اللوحة، كون المساحة وأبعاد الجدار والمادة والفضاء مختلفة وتتطلب دقة وعملا مضنيا، والقيمة المضافة للجداريات تكون رمزية وجمالية أكثر منها مادية.

فن صعب
فن صعب

وانطلق العمل على الجداريات قبل حلول موعد المهرجان بأيام (انطلق في الـ16 من يونيو الماضي)، حيث قدم التشكيلي المغربي نورالدين وارحيم لوحة جدارية داخل المدينة مبرزا فيها وجهين لامرأتين بملامحهما القوية المعبرة عن مكانتهما داخل المجتمع المغربي، وإلى جانبهما صور مصغرة لماعز بلونه الأسود تعبيرا عن الحرية والانطلاق.

وعلى مقربة من السور المطل على البحر اختار الفنان التشكيلي المغربي عبدالرحيم حمزة، ركنا من المدينة ليرسم لوحة دائرية بأحرف عربية يختلط فيها بنفَس صوفي قوي اللون الأزرق والبني مع اللون الفضي.

وقالت الفنانة التشكيلية سناء السرغيني عيدة، المشرفة على ورشتي العمل للتصوير والغرافيك في منتدى أصيلة الثقافي، “هذه السنة نحتفي بالذكرى الواحدة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي، ونحن نحاول كل سنة قدر المستطاع أن نعطي فرصة لفنانين جدد لم تسبق لهم المشاركة في رسم الجداريات كي ينحتوا على حيطان المدينة ألوانهم ورؤاهم سواء من المغرب أو من خارجه، خاصة أن الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بنعيسى، يولي أهمية كبيرة للفن والفنانين المغاربة بشكل خاص مُشجعا الطاقات الإبداعية للشباب المهتم بالفن التشكيلي”.

وأضافت سناء السرغيني في تصريح لـ“العرب”، أن “لكل سنة خاصيتها، حيث هناك لجنة تختار الفنانين للمشاركة، والذين يأتون دون أن يعلموا أنهم سيلتقون بآخرين، فيقع الانسجام بينهم، وهي فرصة لتبادل الأفكار والتقنيات”.

ومعلوم أن الفنانين المشاركين في الجداريات هم الذين يعلنون عن بداية الموسم، ستة أيام قبل افتتاحه الرسمي، ومن هناك تتحول المدينة الموريسكية إلى متحف كبير في الهواء الطلق، لتقدم الجداريات التي اشتغل عليها الفنانون على نفس الجدران أعمالا جديدة مختلفة عن السنة التي سبقتها، وذلك حسب رؤية وموضوع وتقنيات الفنان التشكيلي.

المدارس التشكيلية العالمية تلتقي على ضوء شمس واحدة وزرقة بحر ساحر لتنتج جداريات لا تجدها إلا في أصيلة

ويعرض الممر القائم بمحاذاة قصر الثقافة داخل المدينة القديمة أعمالا لفناني أصيلة الشباب، تعكس إبداعاتهم من رسومات ومنحوتات أوحت بها إليهم ألوان وطقس وناس المدينة.

وفي تناسق تام مع الجداريات هناك أيضا معرض الزرابي (السجاد) المغربية في ساحة ابن خلدون، زرابي معلقة بطريقة فنية على جدران المنازل المحيطة بالساحة، ما أضفى جمالا ورونقا آسرا على المدينة العتيقة جعلا من الزائرين يقفون متأملين تناسق الألوان ودقة هندسة النسيج.

وقالت الفنانة التشكيلية الأرجنتينية لورينا أسين التي تشارك في مشغل الصباغة للدورة الـ41 من المهرجان، لـ”العرب”، إنها تعتمد في رسوماتها على صور تلتقطها لتلك الزرابي المبثوثة في أنحاء المدينة القديمة وتعيد رسمها على الورق بتقنياتها الخاصة، موضحة أنها استوحت الفكرة من سكان القرى بالأرجنتين وبعض دول أميركا اللاتينية وتعمل عليها حاليا في مشغل الفن التشكيلي، وأضافت “هناك تقارب قوي بين الألوان والروح المستوطنة داخل تلك الزرابي وضوء بلدي اللاتيني، الأرجنتين”.

سجاد الضوء واللون

هناك قوة إيجابية تضخها مدينة أصيلة في الفنان، فيعكف بحماس على لوحته، وهو ما أكدته الفنانة التشكيلية المغربية سناء السرغيني عيدة في حديثها مع “العرب”، قائلة “المدينة غنية بطاقات فنية كبيرة نساء وأطفالا وشبابا، والذين ترعرعوا في الفن ولهم حب كبير وذوق رفيع، ولهذا تجد سكان المدينة يستقبلون الفنانين بصدر رحب، والزرابي المتدلية من فوق الأسطح وعلى الجدران تدخل ضمن الجو العام للمدينة، مما يعطي الانطباع أنها متحف في الهواء الطلق، وأنا متفائلة بمستقبل الفن التشكيلي في مدينة أصيلة التي يشعر الداخل إليها بهيبة ولمسة روحية وجمالية، حيث يرتبط الفنانون المشاركون بحب خاص لأصيلة، إلى حد عدم الرغبة في مفارقتها إثر انتهاء موعد المهرجان”.

فرصة لفنانين جدد لم تسبق لهم المشاركة في رسم الجداريات كي ينحتوا على حيطان المدينة ألوانهم ورؤاهم
فرصة لفنانين جدد لم تسبق لهم المشاركة في رسم الجداريات كي ينحتوا على حيطان المدينة ألوانهم ورؤاهم

وتتذكر مليكة أكزناي، الفنانة التشكيلية المغربية المخضرمة والمشرفة على أعمال الصباغة والحفر، أنها تربت في هذا المشغل منذ أن كلفها رئيس منتدى أصيلة في أوائل سنوات السبعينات من القرن الماضي بعمل جدارية وصل عرضها إلى 20 مترا، وأكدت لـ“العرب” أن جل الفنانين التشكيليين المغاربة المشهورين قد مروا من أصيلة واشتغلوا على لوحاتهم في هذا المشغل.

وعن واقع الفن التشكيلي بالمغرب أشارت أكزناي إلى أن هذا الفن يعدّ مدرسة معترفا بها وقائمة الذات، لافتة إلى أن فن الحفر والتشكيل أضحيا جزءا من حياتها، فكل ركن في بيتها الخاص أصبح مشغلا فنيا حقيقيا تُمارس فيه الرسم وفن النحت، مضيفة “والفضل في ذلك يعود إلى تشجيع محمد بنعيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة”.

وبدوره يقول محمد عنزاوي المشرف على معرض الجداريات “الفن التشكيلي المغربي وضعيته جيدة وطريقه معبدة بشكل ممتاز”، مضيفا “أن هناك عطاءات متعددة ومتجددة والرقعة الجغرافية للفن التشكيلي بالمغرب توسعت ولم تعد مقتصرة فقط على الدار البيضاء وأصيلة وتطوان، ممّا يعكس وعي الناس المُتزايد بأهمية الفن التشكيلي، حيث باتت العائلات المغربية تشجع أبناءها على دراسة الفن عكس السنوات السابقة”.

ويشارك في تظاهرة موسم أصيلة الثقافي الدولي التي تتواصل فعاليات نسختها الـ41 حتى التاسع عشر من يوليو الجاري عدد كبير من المثقفين والفنانين والكتاب من بلدان عربية وأجنبية مختلفة، ويتضمن برنامجها مجموعة من الفعاليات تتراوح بين الندوات والعروض الموسيقية والورشات الفنية والقراءات الأدبية وغيرها.

16