واحد ينام في مخدع أحلام الآخر

توظيف البنوك التابعة لقطر، في الخارج كما في الداخل، لتمويل جماعات التطرف ليس سرا أيضا. وبنك الريان، ومثله بنك الدوحة، ليس سوى واحدة من تلك المؤسسات ذات الغطاء الإسلامي.
الجمعة 2019/08/09
تنظيمات تستند إلى ثقافة عنف وتكفير

ما الذي يجعل بريطانيا تتواطأ مع تنظيمات الإخوان المسلمين؟ سؤال معلق، رغم أنه رهن بجواب واحد. وما الذي يجعل قطر تدعم هذه التنظيمات؟ سؤال مماثل. ولم يتوفر له إلا جواب واحد أيضا. والجوابان فضيحة بجلاجل. ولكنهما يكشفان مشهدا شديد الإثارة.

الإخوان الذين نشأوا كأعداء للحركة الوطنية المصرية، رأت فيهم بريطانيا الاستعمارية خير عون لها ضد دعاة الاستقلال. فدعمتهم بالمال، قبل أن تمدهم بالسلاح. التواطؤ ظل يتواصل على أمل بأن تستعيد بريطانيا مكانتها في مصر وبقية دول المنطقة. ولئن مرت في النهر مياه كثيرة، فالحقيقة هي أن الإمبراطوريات لا تنسى خدمها حتى ولو فضحتهم الأيام.

لا توجد إلا حقيقة ساطعة واحدة أثبتت للأعمى والبصير أن هذا التنظيم موّلد لثقافة العنف. وعندما أراد برلمان التواطؤات الاستعمارية أن يتيقن مما يعرفه الجميع، فقد أجرى تحقيقا توصل إلى السر المكشوف نفسه. إلا أن الإمبراطورية، بمشاعرها الباروكية حيال الخدعة، عادت فاختارت التواطؤ، وامتنعت عن تصنيف تنظيم الإخوان كحركة إرهاب.

لماذا؟ لأن أحلام الاستعمار لا تزال تدغدغ المخادع. ولأعراض تشبه المرض المستعصي، لا تزال بريطانيا تنظر إلى معركة الاستقلال بأنها لم تنته بعد.

ولا يوجد سر في أن قطر تدعم تنظيمات الإخوان المسلمين. كما لا يوجد سر في أن تنظيمات الإرهاب كلها تخرجت من رحم الإخوان. أكثر من ذلك، لا يوجد سر في أن خطاب هذه التنظيمات، مجتمعة، يستند إلى المرجعيات الفقهية ذاتها. وسواء تلبّس بعضها ثوب الاعتدال المزعوم، أو ثوب التطرف والدعوة إلى حمل السلاح، فإنها تستند إلى ثقافة عنف وتكفير واحدة.

واحد ينام في مخدع أحلام الآخر: قطر تدفع المال، وبريطانيا تنصب الديكور، في مسرح يشرف على التوحش فيه أدعياء يتلبسون ثياب الاعتدال. إنها دعارة مخلصة مع النفس. تُمارس على رؤوس الأشهاد لمتعة المشهد

توظيف البنوك التابعة لقطر، في الخارج كما في الداخل، لتمويل جماعات التطرف ليس سرا أيضا. وبنك الريان، ومثله بنك الدوحة، ليس سوى واحدة من تلك المؤسسات ذات الغطاء الإسلامي، التي تبدو في الظاهر وكأنها تمارس نشاطا مشروعا، إلا أن توظيفات هذا النشاط تتسرب على نحو موارب وغير موارب لتمويل ذلك الخطاب نفسه.

القصة كلها مفضوحة. وهي ليست جديدة أبدا. إنها مشروع قديم، وغاياته أبعد من أن تكون مجرد غايات صغيرة، أو حقيرة. الإخوان المسلمون هم القوة الوحيدة التي أثبتت قدرتها على تفجير الدولة، كمؤسسة ونظام، وتفجير المجتمع في آن معا. إنه هو بالضبط “مشروع إدارة التوحش” الذي كتبه أبوبكر ناجي ليشكل جوهر المشروع الداعشي.

والجوهر واحد. ذلك أن تفجير المجتمعات، بتمزيقها على أسس طائفية، وتكفير أجزاء منها، وسفك الدماء في ما بينها هو السبيل الوحيد لكي تشعر إسرائيل بالطمأنينة بأن الدول التي كانت تهدد وجودها، والمجتمعات التي لا تزال تمحضها الرفض، قد تحولت إلى هباء، وغرقت بدم أحدها الآخر.

قطر إنما تدعم تنظيمات الإخوان وتدفع الأموال عن طريق بنوك مثل الريان، لتحقيق هذا الهدف بالذات. وهو هدف مكشوف بدرجة مثيرة للدهشة. حتى أعتى الصهاينة ما كان بوسعهم أن يحلموا بمشروع أفضل من مشروع الإخوان وتوابعه لتدمير محيط إسرائيل وتمزيق الفلسطينيين أنفسهم أيضا.

وإسرائيل تتطرف وتتنكر لأبسط الحقوق الفلسطينية، ولكن هل تعرف لماذا؟ لأن مشروع التفتيت الطائفي الذي أغرقنا في الفشل، لم يُبق أمامها أحد. إنها تسأل نفسها اليوم: لماذا نتنازل؟ ولمن؟

الذين كتبوا “استراتيجية إسرائيل في الثمانينات” من وراء عوديد يمنون، الموظف في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وجدوا أخيرا من يمول لهم المشروع، ليجعلوا من إخوان مصر وسوريا، وأشباههم في العراق وتونس واليمن، أدوات لأعمال الإرهاب ولتمزيق المجتمعات والدول. و”إدارة التوحش” لم تكن إلا الفصل الثاني لتلك الاستراتيجية.

واحد ينام في مخدع أحلام الآخر: قطر تدفع المال، وبريطانيا تنصب الديكور، في مسرح يُشرف على التوحش فيه أدعياء يتلبسون ثياب الاعتدال. إنها دعارة مخلصة مع النفس، تمارس على رؤوس الأشهاد، لمتعة المشهد.

8