وادي الذئاب يكشف تغلغل المافيات في المجتمع التركي

الاتكاء على الأعمال الفنية والدرامية يقدم مادة مفيدة لفهم الأوضاع الاجتماعية في بلد ما وللإحاطة ببعض جوانب العلاقات التي تسوده، لذلك فإن الانطلاق من تحليل مضامين بعض الأعمال الفنية يتيح للباحث فرصة الحصول على صورة عن المجتمع موضوع الدراسة تكون مغايرة لما تقدمه الجهات الاجتماعية الرسمية. المسلسل التركي “وادي الذئاب” حقق نسب مشاهدة عالية، إذ تمكن من تقديم صورة مغايرة عن المجتمع التركي الذي طالما سُوّقَ له، رسميا وفنيا، على أنه مجتمع متماسك ومتجانس، فطرح صورة مجتمع تنخره العصابات والمافيات.
الأربعاء 2015/12/02
بلد الذئاب

أنقرة - عندما يتعلق المشاهد بعمل درامي، فإن ذلك يرجع إلى وجود عناصر تجتذبه بقوة إليه إضافة إلى الحبكة الفنية والدرامية وتقنيات التصوير ومشاهير الممثلين وإخراج القصة وغيرها، فحكاية المسلسل بتفاصيلها وأطوارها تشد المشاهد إذا كانت فيها محاكاة للواقع وكشف للأسرار وفضح للمستور، هذا ما يجعل العمل الدرامي يتميز عما سبقه ويحقق الشهرة والنجاح.

مسلسل وادي الذئاب جمع بين هذه العناصر وقدم صورة المجتمع التركي الذي يعشش في أعماقه الفساد وتنخره المافيات والعصابات التي تتاجر في المخدرات أو في السلاح أو في البشر وأعضائهم أو تزور الوثائق وتسفر المجرمين من بلد لآخر.

وهو ما يكشف أن ملامح الجريمة والاختراقات في المجتمع التركي سواء من الجواسيس أو عملاء المافيات الدولية موجودة في تركيا منذ زمن طويل، ولأجل ذلك اشتغل عليها كتاب سيناريو مسلسل وادي الذئاب وعرضت دراميا في ثوب فني يهدف في عمقه إلى بعث رسائل للمشاهد التركي مفادها أن واقعه ليس كما يقدم رسميا أو دراميا، بل أن مجتمعه يرقد على براكين من الفساد والمافيات التي تفتح الباب على مصراعيه أمام أنشطة العصابات الإرهابية، وهو ما خلق شغفا لدى الأتراك الذين تابعوا أجزاءه العشرة.

الوجه الخفي للمجتمع التركي الذي لا تريد الحكومة التركية المحافظة كشفه، أظهره مسلسل وادي الذئاب عبر شخصياته والمافيات المتناحرة في ما بينها وكيف تربط علاقاتها بالمجتمع وكيف تتواصل مع الشخصيات النافذة في الدولة. مجتمع يعرف انتشارا واسعا لعصابات الجريمة المنظمة التي ثبت لدى الجميع أنها الأب الشرعي للإرهاب، فهي من يؤمن له الموارد المالية، وهي من يدعمه بالسلاح ويزوده بالعتاد اللوجستي والبشري، وهي من يسهل تحركات عناصره من منطقة لأخرى ومن دولة لأخرى، وهي بدورها من يخدم أجندات معينة للمخابرات باختلاف جنسياتها، وتعيش، أي هذه العصابات، صراعات ونزاعات في ما بينها ترتكز على جرائم القتل حيث تكون الغلبة للأقوى والأكثر إجراما.

تركيا تحولت بحكم تطور عصابات الجريمة المنظمة إلى معبر أساسي للإرهابيين والجهاديين واللاجئين

عصابات وادي الذئاب تمارس جميع الأنشطة الممنوعة وتقوم بجميع أنواع الجرائم وتعيش وتتغول من تهريب السلاح والمخدرات وتسهر على تأمين جوازات السفر المزورة لتهريب المجرمين، وكذلك تؤمن الهجرة غير الشرعية للراغبين فيها في المناطق الحدودية التركية البرية والبحرية بغرض كسب المال. إنها عصابات موجودة على أرض الواقع وهي ليست من محض خيال كتاب المسلسل، وهو ما يثبت أن المجتمع التركي يضم مناخا ملائما لانتشار الإرهاب.

هذا ما تأكد بعد نشوب الأزمة السورية وما صاحبها من “ازدهار” للتيارات الجهادية، حيث تحولت تركيا بحكم تطور المافيات وعصابات الجريمة المنظمة فيها وبسبب موقعها الجغرافي وحدودها مع سوريا إلى معبر أساسي للإرهابيين والجهاديين العابرين من تركيا إلى بؤر التوتر في سوريا والعراق، وكذلك إلى معبر للاجئين السوريين الفارين إلى أوروبا عبر تركيا.

ووجدت التيارات الجهادية والمجموعات الإرهابية وعصابات التهريب والاتجار بالبشر موطئ قدم لها في تركيا، حيث مثلت العصابات المنتشرة في الأراضي التركية ما يشبه بنية تحتية جاهزة لممارسة النشاطات الإجرامية والإرهابية، وهي أرضية تسهل العمل وتوفر للجماعات الإرهابية كل ما تحتاجه من سلاح وتسفير للإرهابيين ومن مصادر للتمويل من خلال المافيات التي تتبنى مختلف أشكال الصفقات المشبوهة والممنوعة، ابتداء من تجارة المخدرات والعمليات الخاصة بغسيل الأموال والاتجار بالبشر وتجارة الأسلحة وتهريبها. وكل العمليات المخالفة للقانون التي تقوم بها هذه العصابات كانت عبر الاستفادة من شتى ألوان التدهور الذي يصيب المجتمع عندما ينتشر الانحراف والجريمة.

الأنشطة التي تعتمد على التهريب الذي يزود الإرهاب بالمؤونة بأنواعها وجدت بيئة حاضنة لها بتعاملها مع المافيات الموجودة في تركيا

الأنشطة التي تعتمد على التهريب الذي يزود الإرهاب بالمؤونة بأنواعها وجدت بيئة حاضنة لها بتعاملها مع المافيات الموجودة في تركيا والتي لها طرقها واستراتيجياتها لتنفيذ مهامها بنجاح لما اكتسبته من خبرة في التعامل مع الوضع الأمني التركي. وتحت غطاء تؤمنه شخصيات نافذة في الدولة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا منتشرة في الأوساط التركية ومسيطرة على ممرات العبور وعلى السلطات المحلية في المناطق الحدودية وحتى في مناطق الداخل التركي تزدهر صفقات وأعمال المافيات بمشاركة ودعم من بعض الشخصيات التي تدير الشأن التركي من وراء الستار، حيث تحمي أنشطة عصابات التهريب في ظل تواطؤ أجهزة الأمن المتصلة بدورها بشخصيات سياسية واقتصادية لها مكانتها في المجتمع وفي عالم الأعمال، عبر رجال الأعمال الذين يديرون دفة الاقتصاد من خلال الشركات متعددة الجنسيات التي تسهل عمليات التبادل على الصعيد الدولي.

الأزمة السورية وانتشار سرطان الإرهاب في العالم اليوم ومشاكل اللاجئين السوريين التي باتت تؤرق دول العالم جميعا وما يتعرض له الشعب السوري من سفك للدماء، أسباب جعلت الجزأين الأخيرين من مسلسل وادي الذئاب (التاسع والعاشر) يتناولان الأزمة السورية، حيث ينكشف دور المافيات والعصابات التركية في زعزعة أمن المنطقة، وتظهر داعش في الصورة من خلال معسكراتها التي تتعامل مع المافيات في شتى أنشطة الفساد والجريمة والإرهاب والتهريب.

مسلسل وادي الذئاب عمل درامي شغف الجمهور من المشاهدين الأتراك والعرب به وتابعوه لأنه إلى جانب ما تضمنه من إبداع فني ودرامي مختلف عن النمط الرومانسي في الدراما التركية قدم صورة صادمة عن واقع المافيات المتمكنة في الدولة التركية والمتغلغلة في المجتمع التركي وعن عصابات الجريمة المنظمة التي تلعب دورا بالغ الخطورة في دعم الإرهاب، وهي صورة تتناقض تماما مع ما تقدمه السلطات التركية التي تسوق صور سلمية للمجتمع التركي المتماسك والمتجانس والمنسجم في ظل حكم العدالة والتنمية.

12