وادي السيليكون في ورطة: واشنطن تتسلل من الأبواب الخلفية

أشعلت الاعتداءات الدامية لتنظيم داعش على باريس جدلا بين واشنطن والسيليكون فالي، على خلفية حثّ بعض المشرعين شركات التكنولوجيا على فتح ما يسمّى بـ”الأبواب الخلفية” لخدماتهم، التي من شأنها أن تسمح لفرق إنفاذ القانون “بكسر التشفير في جهودها الرامية إلى تحديد هوية الإرهابيين والقبض عليهم”.
السبت 2015/11/21
الاستخبارات الأميركية تطالب أوباما بتوفير ما تحتاجه من قوانين حتى تحصل على المعلومات اللازمة

واشنطن - تجادل أجهزة المخابرات الأميركية منذ فترة طويلة من أجل استخدام ما يعرف باسم “الأبواب الخلفية” التي تسهّل اطلاعها على الرسائل التي تتدفق عبر الإنترنت لتمكنها من مراقبة رسائل البريد الإلكتروني المشفّرة وتطبيقات المحادثات والمكالمات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال الإلكتروني.

لكن المدافعين عن هذه الخصوصية وشركات التكنولوجيا يعارضون بشدة استخدام هذه الأبواب الخلفية والتي نجحت في التصدي لكل الجهود التشريعية للحصول عليها.

ولا ينفك هذا الجدال يحتدّ منذ كشف العميل إدوارد سنودن في 2013 عن أساليب ووسائل المراقبة التي تعتمدها وكالة الأمن القومي ووكالات أخرى، ليعود هذا النقاش من جديد إلى الصدارة بعد هجمات 13 نوفمبر التي أودت بحياة 129 ضحية في العاصمة الفرنسية.

وقد انتقدت السيناتور ديان فاينشتاين صناعة التكنولوجيا، يوم الاثنين على قناة “إم أس إن بي سي” الأميركية، بدعوى إحجام الشركات عن المساعدة عندما يتعلق الأمر بمكافحة تنظيم داعش.

وقالت فاينشتاين “لقد ذهبت فعلا إلى وادي السيليكون والتقيت كبار مستشاري معظم الشركات الكبرى، وطلبت مساعدتهم ولم أحصل على أي مساندة”.

وأضافت ديان فاينشتاين التي تشغل منصب نائبة رئيس لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي “أعتقد أن على وادي السيليكون أن يلقي نظرة على منتجاته، لأنك إذا أنشأت منتجا يسمح لوحوش بشرية بالاتصال ببعضها بهذه الطريقة وبقطع رؤوس الأطفال وبضرب الأبرياء -سواء خلال مباراة في ملعب أو في مطعم صغير في باريس- وبتحويل وجهة طائرة، فإن ذلك يشكل مشكلة كبيرة”.

وربما يفكر بعض المشرعين في إصدار تشريع يقضي بالتصريح باستعمال الأبواب الخلفية.

يمكّن التشفير الجيّد من حماية الناس في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المنظمات المسؤولة عن الهجمات المروّعة التي وقعت في باريس

ويقول ريتشارد بور، عضو مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري من ولاية كارولاينا الشمالية ورئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، في إطار مقابلة مع صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” “في وقت ما، على هذه الحكومة الالتزام بإلحاق الهزيمة بالإرهاب، وهو التزام يبدأ بتعزيز المعلومات الاستخباراتية، كما تعلمنا من هجمات باريس”.

كما اقترح عضو آخر لمجلس الشيوخ لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور، أن يتم إصدار أمر تنفيذي من الرئيس باراك أوباما.

وقال كيلي أيوت، السيناتور الجمهوري من ولاية نيو هامبشاير “على الرئيس أن يوفر لنا ما نحتاجه حتى نحصل على المعلومات الاستخباراتية اللازمة لحماية بلدنا”.

بيد أن صناعة التكنولوجيا العالية لا تنفك تقاوم الضغوط التي تمارسها واشنطن وتطالب المشرّعين بعدم تقديم أي مشروع قانون من شأنه أن يتطلب إنشاء هذه الأبواب الخلفية، بحكم أنها أداة لطالما اعتبرها هذا المجال خطرا على أمن بيانات المستخدمين.

ويقول كريس رايلى، رئيس السياسة العامة لموزيلا، صانع متصفح فاريفوكس “تمثل المشاركة في مناقشات السياسات العامة تحدّيا حقيقيا في أعقاب هذه الهجمات المروّعة. ومع ذلك، فإن إنشاء سياسة ‘ارتكاسية’ يمثل مشكلة أساسية، لا سيما عندما تصبح خطرا على العناصر الحاسمة في الإنترنت وعلى الاقتصادات التي تم بناؤها عليها”. وفي مايو، قامت شركة موزيلا مع عدد آخر من قادة صناعة التكنولوجيا الفائقة بما فيها آبل وغوغل وفيسبوك وتويتر وياهو ومايكروسوفت، بتوقيع رسالة موجهة إلى أوباما تحثه فيها على رفض أي مقترحات من شأنها أن تتطلب توفير مفاتيح ترميز أو فتح الأبواب الخلفية.

وبعد أسابيع قليلة، نشرت مجموعة من أهم الخبراء العالميين في أمن الفضاء الحاسوبي تقريرا يقول إن خلق تكنولوجيات الأبواب الخلفية سيعرّض البيانات الحساسة إلى خطر القرصنة الإرهابية أو تجسّس العملاء الفدراليين المارقين أو حتى موظفي الشركات.

ويقول موظف في شبكة اجتماعية أميركية لم يفصح عن هويته “يمكّن التشفير الجيّد من حماية الناس في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المنظمات المسؤولة عن الهجمات المروّعة التي وقعت في باريس. ومن أولوياتنا ضمان أمن مستخدمينا، والأبواب الخلفية تساهم في إضعاف هذا الأمن”. ويقول خبراء أمن الفضاء الحاسوبي أيضا، إن فتح الأبواب الخلفية للولايات المتحدة وفرنسا ودول غربية أخرى يمكن أن يشكل سابقة من شأنها أن تعطي حكومات دول مثل الصين أو روسيا مبررا للمطالبة بتصريحات مماثلة.

ويؤكد خبير يدعى ماثيو برينس “ماذا عن الألمان والروس والصينيين والسوريين؟ لست متأكدا من الخط الفاصل بين الحكومة الأميركية والكثير من الحكومات الأخرى التي علينا أن نتعامل أيضا معها”.

يذكر أن قوات الشرطة استخدمت هجمات باريس كمثال تبرّر به ضرورة تعزيز القدرة على التوغل داخل الأجهزة والخدمات عبر الإنترنت.

وأشار بيل براتون، مفوض شرطة نيويورك “نحن قلقون جدا في مجال إنفاذ القانون، إن إحدى أهم أدواتنا، وهي القدرة على جمع معلومات عن طريق المحاكم وكذلك القوانين التي نعمل في ظلها، قد تأثرت إلى درجة كبيرة بهذه التقنية التشفيرية التي تنمو بسرعة. إنها تعوق قدرتنا على مكافحة الإرهاب، باعتبار أنها تعوق قدرتنا على التعامل مع الجرائم الإلكترونية”.

وبالرغم من دعوة فاينشتاين شركات وادي السيليكون إلى فتح الأبواب الخلفية، إلا أنه لم يصدر أي قانون في الولايات المتحدة من شأنه أن يفرض هذه المسألة. إذ أن المملكة المتحدة تواجه وضعا مختلفا. فعلى البرلمان البريطاني أن يصدر قرارا بشأن مشروع قانون السلطات التحقيقية أو ما يسمّى “بميثاق سنوبرز”، والذي سيوسع قدرة الحكومة على مراقبة المستخدمين على شبكة الإنترنت.

من الصعب على شركات التكنولوجيا الأميركية التأقلم مع الاحتياجات الخارجية للأبواب الخلفية دون تنفيذها عالميا

وقد تعرض القانون المقترح إلى انتقاد شديد من أمثال سنودن والمدير التنفيذي لآبل تيم كوك.

وصرّح كوك لصحيفة “صنداي تلغراف” قبل هجمات باريس “خلق الباب الخلفي سيفتح مجالا واسعا للجميع دون استثناء، لأن الجميع يريد القضاء على الإرهابيين. الكل يريد ضمان الأمن. والسؤال يكمن في كيفية تحقيق ذلك؟ وقد تترتب عن فتح الباب الخلفي عواقب وخيمة”.

ودفعت هجمات باريس بعض أنصار ميثاق سنوبرز إلى المطالبة بالتسريع في اعتماد القانون، خشية وقوع المملكة المتحدة ضحية هجوم إرهابي مماثل.

ويقول المسؤولون في وادي السيليكون إن هذا المشروع سيخفض من أمن المستخدمين عبر الإنترنت وسيؤدي بالشركات المبتدئة إلى تجنب ممارسة نشاطها في البلاد.

ويؤكد جيرالد فريدلاند، الذي يعمل فنيا في البحوث الخصوصية في علوم الكمبيوتر بمعهد بيركلي، “تفكر بعض الشركات المبتدئة في استبعاد المملكة المتحدة من السوق، ليس لأسباب أيديولوجية بل لأنهم مطالبون الآن بتوفير شهادة أخرى قبل الدخول في هذا السوق وهو ما يكلف الكثير من الوقت والمال وفي نفس الوقت يسبب المزيد من المخاطر الأمنية”. وأضاف أن “مثل هذا التآكل الأمني سيكون انتصارا كبيرا للإرهابيين”.

ومن الناحية العملية، سيكون من الصعب على شركات التكنولوجيا الأميركية التأقلم مع الاحتياجات الخارجية للأبواب الخلفية دون تنفيذها عالميا.

ويقول بيتر تورين، المدعي العام السابق بوزارة العدل في قسم جرائم الحاسوب وحقوق الملكية الفكرية “إذا خفضت دول أخرى من معاييرها في ما يتعلق بالأجهزة، فسيمثل ذلك نقطة ضعف كبيرة”.

جدير بالإشارة أن صناعة التكنولوجيا الفائقة الوحيدة ليست الوحيدة التي تعارض فتح الأبواب الخلفية، فقد عارض برنار كيريك، مفوض شرطة مدينة نيويورك خلال هجمات 11 سبتمبر كذلك هذا النوع من المراقبة الحكومية. فكيريك، الذي حكم عليه بالسجن أربع سنوات في عام 2010 بتهمة التهرب الضريبي والكذب على المسؤولين الحكوميين، يعمل الآن مستشارا، وقد أبلغ مجلة “بيزنيس تايمز” بأن “تكنولوجيا الأبواب الخلفية من شأنها أن تمنح الحكومة أمرا مفتوحا لجمع كل ما تريده”.

18