وادي رم الأردني رحلة الصفاء إلى كوكب آخر

يعرف وادي رم في الأردن، بألوان جباله الصخرية وأشكالها المميزة وبالوادي العميق الذي يشق تلك الجبال، وبصحرائه الذهبية، فيما تتميز أرض وادي رم أيضاً بأقواسها وجسورها الطبيعية والصخور التي تتخذ أشكال الفطر المنقوشة طبيعيا بواسطة الرياح على مر السنين. وأصبحت هذه المناظر العجيبة مزارا للسياح الذين يبحثون عن المغامرة من كل دول العالم.
السبت 2017/02/18
بعيدا عن ضغوط الحياة المعاصرة

العقبة (الأردن)- وادي رم، ويسمى أيضا وادي القمر الساحر بغروب الشمس الناعسة في الأفق، ورماله الناعمة وجباله الغرانيتية المنحوتة في لوحات فنية بديعة ونسيمه المعطر العليل، وليله الذي يعانق النجوم في سمائها. وتسحر صحراء “وادي رم” زائرها بجمالها غير التقليدي، وتأخذه ممتطيا إِبلها في رحلة تظل خباياها وعشقها في الذاكرة، ليعود إليها كلما قادته الأقدار بعد أن يرويها على أنها رحلة عالم يشبه عالم كوكب القمر.

جمال المنطقة يجعل يأس الزائر يقف على باب الطبيعة، ويستسلم إلى أوتار لحنها، فتلك راويةٌ تسير بالماء في إناء فوق رأسها فيتناثر بعضه على ملابسها وهي تحث الخطى إلى خيمتها.. وهذه ناقة حارسة على الباب. أما الليل، فله قصته مع سكونه الذي يرخي نفسه على المكان، حيث القمر والنجوم يرسلان نورهما على ضيوفهما مؤذنين بسهر صحراوي يتراقص على أنغام “السامر” و”الدحية” (رقصة بدوية تنتشر في فلسطين والأردن والعراق وسوريا وبعض دول الخليج).

عدد السياح الذين زاروا منطقة وادي رم، العام الماضي، 82 ألف سائح، من إجمالي 157 ألفا و71 وصلوا إلى مطار الملك الحسين الدولي في العقبة

تفاصيل تدفع عشاق السفاري والسبر في أعماق الصحراء، إلى حزم حقائبهم من أجل الإبحار في أسرار هذا العالم. عالم انطلق من أمام مفوضية العقبة برئيسها ناصر الشريدة، الذي يسهر على تنشيط السياحة في مدينته الواقعة في أقصى جنوب الأردن، على خليج العقبة، والتي تحولت إلى بقعة تكشف جمال المملكة بسهولها ووديانها وآثارها.

يقول الشريدة إن “السياحة في العقبة تحظى بعناية خاصة”، مشيرا إلى أن “المدينة شهدت توسعا سياحيا غير مسبوق من حيث عدد المنشآت السياحية والفندقية والخدمية المساندة”. 70 كيلومترا تلك هي المسافة الفاصلة بين العقبة ووادي رم أو ما يسمى بوادي القمر نظرا إلى تشابه تضاريسه مع تضاريس القمر، تلك البقعة التي تعج بأقدام السياح من جميع أنحاء العالم نظرا إلى مناظره الخلابة التي رسمتها يد الطبيعة.

وتمتاز المنطقة بوجود الجبال متعددة الألوان وطبقاتها الصخرية المتماسكة التي لم تخل من تصدعات بسبب الهزات، ويصل سمكها إلى 700 متر حيث تظهر سلسلة من الأخاديد والأروقة في صخور الغرانيت التي ترتفع إلى أكثر من 1700 متر. وتنمو أشجار النخيل والوزال الأبيض وباقة من النباتات والأعشاب العطرية والطبية التي تلقى عناية خصوصاً من القائمين عليها في هذه الواحات، وتشكل المنطقة ممرا للطيور المهاجرة، كما تعيش فيها حيوانات نادرة يمنع صيدها.

بداية الرحلة

صحراء "وادي رم" تسحر زائرها بجمالها غير التقليدي

تبدأ رحلة السائح من وسط العقبة إلى وادي رم في قطار الحجاز البخاري الذي ينطلق من مركز زوار وادي رم. القطار منذ أيام الأتراك يسير ببطء يحرسه جنود يرتدون الزي العثماني ببنادق قديمة، وفي ذروة انبهار السياح بهذه الرحلة تهاجم مجموعة من الخيالة القطار في مشهد تمثيلي ينتهي حين يصل القطار إلى حيث سيتابع السائح رحلته نحو قلب الصحراء عبر سيارات رباعية الدفع حيث تنتظره قوافل “سفاري الجمال” ليستقلها إلى نقطة في حضن الجبل.

في قلب الوادي، ينتظر صاحب أحد مخيمات البدو السياح، لينطلق بهم في رحلة عنوانها المغامرة والإثارة على بطن الرمال الذهبية، تلفها رياح عليلة تعاكس الزائر أينما ولّى وجهه. ويتوقف الجميع عند استراحة بين أخاديد صخرية، ليستجمعوا عند موقد للنار بعضا من طاقة توصلهم إلى محطتهم التالية، وهم يرتشفون الشاي المطعّم برحيق الحطب في مكان يعترفون أن سحره وأسطوريته خطفاهم إلى عالم الحالمين بالهدوء والاسترخاء في أحضان الطبيعة بعيدا عن زحمة المدينة.

مراد الزوايدة، سائق سيارة الدفع الرباعي وعدد من أبناء البادية، يحدثون الزوار عن هذا المكان الذي يقصده السياح من كافة أرجاء المعمورة، ممن يبحثون عن التمتع بالمناظر الخلابة، أو من متسلقي الجبال وعشاق أجواء المغامرة والإثارة. أبناء البادية يحدثون الموجودين من السياح عمّا أظهرته البحوث الميدانية من وجود لتجمعات سكانية في الماضي وفي فترة أواخر العصر الجليدي، حيث كانت المنطقة كثيفة الأشجار وتتلقى كميات كبيرة من الأمطار وكان مظهرها في تلك الفترة بعيدا جدا عن طبيعتها الصحراوية الحالية، فضلاً عن وجود كميات كبيرة من المياه الجوفية.

علاوة على من وثّق حول وادي رم في التاريخ، حيث يُعتقد أنه الجغرافي الروماني تولمي في كتابه “الجغرافيا” وذكره باسم “أراموا”. أما في التاريخ الحديث، فقد سكنت المنطقة قبائل بدوية كثيرة أهمها قبيلة “بني عطية” و”الحويطات”. وفي الوقت الحالي، تسكن المنطقة قبيلة “الزلابية”، وكذلك قبيلة “الزوايدة” التي تعود في الأصل إلى قبيلة “عنزة الوائلية” إضافة إلى عائلات من قبائل أخرى من “الحويطات”.

والحديث يمتد عمّا يتميز به سكان المنطقة بمحافظتهم على عاداتهم وتقاليدهم البدوية واللباس العربي وتربية الإبل. ولأنهم يحبون حلَهم وترحالهم وطبيعتهم الخلابة، أخذ أبناء البادية يُرددون على مسامع السياح قول أحد الشعراء الذين تغنوا بالوادي، حين قال: يا أخت رم كيف رم وكيف حال بني عطية.. هل لا تزال هضـابهم شـمّا وديرتهم عـــذية.. سقيا لعهدك والحــياة كما نأملها رضــية.

ووفق رئيس مجلس مفوضي سلطة منطقة العقبة، ناصر الشريدة، بلغ عدد السياح الذين زاروا منطقة وادي رم، العام الماضي، 81 ألفا و988 سائحا، من إجمالي 157 ألفا و71 وصلوا إلى مطار الملك الحسين الدولي في العقبة، بنسبة زيادة مقدارها 10 بالمئة عن العام 2015 الذي شهد زيارة 74 ألفا و861 زائرا من مختلف الجنسيات من إجمالي 119 ألفا و890 مسافرا وصلوا إلى المطار نفسه.

القهوة سيدة مجالس البدو

ليلةُ سمر لا تنتهي

الخيمة البدوية.. أحد أهم معالم وادي رم.. خيمةٌ فُرشت بسجاد عليها فرش ووسائد محشوة بالصوف وأوبار الإبل، وبنادق عُلقت على أعمدتها، يتوسطها موقد للنار يستدفئ الضيوف من حطبه المتجمر، ويرتشفون رحيق قهوته التي هي سيدة مجالس البدو ورفيقة وحدتهم وعنوان كرمهم. أجواءٌ تأذن للأصدقاء ورفاق الصدفة في الصحراء بإحياء ليالي السمر والاندماج معا والاستئناس بالأحاديث والذكريات والسوالف.

ليلةُ سمر لا تنتهي دون تناول الطعام المطهو داخل برميل وُضع في باطن الأرض، “الزرب” أو ما يُعرف لدى البعض بـ”الماندي” تلك الأكلة الصحراوية الشهيرة التي كان يلجأ إليها البدو بسبب ندرة الماء وعدم توفر أواني الطبخ. طريقةٌ بسيطةٌ جدا، تتمثل في حفرة بطول ذراع أو ذراعين وتكون في الأسفل أوسع منها في الأعلى، يملؤونها بالأعواد ثم يشعلون فيها النار وعندما تصبح الحفرة ساخنة جدا ولا يبقى فيها إلا الجمر يوزعونه في القاع بشكل منتظم ويضعون اللحم عليه، ويجعلون في أسفلها قدرا مفتوحة بها أرز ينساب عليه الدهن.

لتبدأ مرحلة إغلاق الحفرة بصينية ومن ثم الردم بالرمال، وبعد حوالي ساعة ونصف الساعة أو ساعتين، ينفضون الطمي لإخراج اللحم الذي نضج وتقديمه إلى الضيوف ليستمتعوا بمذاقه الطيب. وبعد أن تكون البطون قد امتلأت بعد جوع، ينكسر صمت الليل بجلسة عربية يتخللها رقص وغناء على أنغام “السامر” و”الدحية”، حول موقد تتراقص نيرانه بفعل الهواء، وسط سعادة طفولية تمتطي آلة الزمن لتعود إلى الوراء قرونا.

جلسةٌ تأخذ ضيفها رغم صخبها في حالة من التأمل مع نجوم الليل التي تشعره أنها تغمز للجبال وكأنهما في جلسة سمر مع الحالمين على الأرض. ولأن الوقت أكثر قسوة على رفاق الصحراء من فلسطينيين وأردنيين وجزائريين وسنغافوريين وفرنسيين، إلا أن الجميع يغادر بعد أن أصبح زادهم من ثمين المتعة، يتذكره بكل تفاصيله. وتقع منطقة وادي رم التي تبلغ مساحتها 74 ألف هكتار، جنوبي الأردن بالقرب من الحدود مع السعودية وهي عبارة عن صحراء متنوعة التضاريس تشمل مجموعة من الأودية الضيقة والأقواس الطبيعية والمنحدرات الشاهقة والطرق المنحدرة، فضلاً عن أكوام كبيرة من الصخور المنهارة وعدد من الكهوف. وقد وضعتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي كموقع مختلط للطبيعة والثقافة.

20