وارد بدر السالم: لابد من خيال جامح لسرد أهوال الواقع

الجمعة 2014/10/03
وارد بدر السالم: السرد الأكبر هو الضامن الحيوي في علاقة الفن بالحياة

من مواليد البصرة بالعراق، مدير في وزارة الثقافة، عمل في الصحافة المحلية بعد 2003 مدير تحرير لجريدة “الصباح الجديدة”، وجريدة “الناس”، وسكرتير تحرير تنفيذي لجريدة “المدى”، عمل محررا ثقافيا في جريدة “البيان” الإماراتية في دبي ثلاث سنوات، من أهم أعماله المجموعة القصصية “المعدان”، ورواية “عجائب بغداد”، وغيرهما من كتب توزعت بين أدب الرحلة والرواية والقصة والنصوص.

أصدر وارد بدر السالم عددا من المجموعات القصصية والروايات، نتوقف عند روايتيه “شبيه الخنزير”، و”عجائب بغداد”، حيث أن في الأولى معالجة لمعاناة العراق على المستوى الداخلي، وعلى مستوى السلطة والموروث الخرافي، أما في الرواية الثانية فقد تناول الدور الأميركي في تدمير العراق.


سرد فوضوي


عن الرابط بين الزمنين، زمن الدكتاتور وزمن الاحتلال، يقول الكاتب: «الرابط بين زمنين يختلفان في الرؤية والرؤيا هو الإنسان، وقد اختلف الزمنان في مساحة التأويل الفني والواقعي، مع أنهما انطلقا من الواقع ذاته ومن مثابة اجتماعية واحدة، لكنهما اختلفا في الرؤية إلى الواقع، فـ”شبيه الخنزير” تقنّعت بأقنعة الموروث الشعبي وأساطير الجنوب، لتخرج برؤيا داخلية باحثة عن خراب روحي تسببت فيه سلطة ضاغطة، فيما ذهبت “عجائب بغداد” إلى واقع انفتح جرحه بسبب الاحتلال الأميركي، وتداعياته النفسية».

يقرّ بدر السالم أن الرؤية العجائبية في بغداد، وليدة تفكيك سلطة ضاغطة تعامل معها من زاوية واقعية مباشرة، لكن بترميزات فيها قدر كبير من الخيال، فهو يثير الخيال الفني كأقنعة ممكنة للتواري خلف مساحة اجتماعية مخصصة، أكثر ضمانا للتخفي الفني في معالجة واقع مسكون بالخوف ومحاصرته من جهاته كلها، كما تضمن إلى حدّ كبير طقوسا كتابية فيها من الغرابة والعجائبية ما يجعله يتمسك بفرادة تلك الطقوس الريفية، ويلجأ إلى تاريخية طقسية معروفة والنفخ في روحها إلى حدّ المبالغة لتضخيم الواقعة، وبالتالي تمرير طقوس الكتابة بشكل مستريح، وهو الأمر الذي سعى إليه إلى حدّ بعيد في “عجائب بغداد”.

طريقة السرد عند وارد بدر السالم فوضوية مشحونة بقدر كبيـر من الخيال الواقعي

إذ يعتبر أنه لا تاريخية اجتماعية لواقعة الاحتلال، ولا طقوس مدينية محتملة لمعالجة فنية جاهزة، سوى أن يقف عند رأس “الحرب الطائفية” التي ولّدها الاحتلال الأميركي، ومن ثم الإجهاز على عناصر السرد بطريقة أرادها أن تكون فوضوية بقدر كبير من الخيال الواقعي في حالة شيوع القتل المجاني الذي ارتُكب بعد 2003.

يعتمد وارد بدر السالم في أعماله عموما على أسلوب الفانتازيا والتهويل في تصوير الشخوص والحوادث، إذا ما كان هذا هو الواقع كما يراه، أم ثمة فلسفة أدبية لمبالغة لا بدّ منها في هذا التناول، يشير الكاتب إلى أنه ليس هو الواقع بالضبط في ما يكتبه، لكن هو الواقع مضاعفا مرات عدة في عدسات سردية مركّبة، هدفها رسم صورة ممكنة لمجريات واقعية، فالفن في عمومه مبالغة تصويرية تكرّس الشيء الكثير من عناصر الواقع ومركّباته بهذه الصورة التهويلية، وهو ما مكّنه، في رأيه، من اختيار المكان بدقة في ثلاثية “المِعْدان”، “مولد غراب”، “شبيه الخنزير” لهذا الهدف في تقنية الأسطوري/ الاجتماعي والخروج من الثابت الاجتماعي إلى المتحوّل الفانتازي، لتقديم سرد فيه شيء من الغرابة، بغرض تضخيم الوقائع لتلامس أقصى درجة من درجات الخيال.

وعن كتابة القصة والرواية والقصيدة، وأيها أقدر على توظيف نزوعه الجمالي والأدبي في التعبير الواقع الذي يعيشه، يبيّن قائلا: «بدأت كتابة القصة القصيرة في سن مبكرة تقريبا، وهي العالم الأصغر من عوالم الرواية، إنها شحنة قوية من شحنات السرد الأكبر. غير أن وقائع الحياة العراقية من حروب ودكتاتورية وضغط نفسي متواصل، وقهر واحتباس حراري روحي، وتحويل عناصر الحياة اليومية إلى عناصر جحيم، وسّع من مدارك الكتابة والتجربة، وأضفى عليها سرديات أكثر اتساعا وشمولية في واقعية الفن وواقعية الحياة في خيالها المتداخل، مثلما أضفى عليها وحدات جمالية، وطّنت الجمالي الفنتازي في تضاعيف الكتابة، وأخرجته من الشحنة الصغيرة الخاطفة في القصة القصيرة التي لم تعد تستوعب كل هذا الفيض الحياتي المليء بالعناصر المتشعبة، إلى شحنات أكثر تأثيرا في مضامين السرد الروائي.


تمرين الذاكرة

وقائع الحياة العراقية من الديكتاتورية إلى الطائفية


استطاع الكاتب توظيف الكثير من الموروث الشعبي العراقي في أعماله، الأسياد ومراقد الأولياء الصالحين والمنجمين والساحرات، عمّا إذا كان يمكن لهذه العناصر وغيرها مما يندرج في مقامها مما أورثنا إياه الماضي والتراث أن يساعد في قراءة الواقع الراهن، يعتقد بدر السالم أن الكتابة جزء حيوي من تمرين الذاكرة في تاريخيتها المتعددة، وإرثها الشفاهي والمكتوب معا، وفي تقديره فإن السرد الروائي يحتاج إلى مثل هذه التوظيفات الرمزية والخيالية والأسطورية والفنتازية، لجعل العلاقات الفنية أكثر مقبولية في عالم مديني صناعي عسكري أيديولوجي، أصبح مخيفا إلى حدّ كبير، فالرجوع إلى فطرة الكتابة بأسلوب معرفي هاضم لتلك المعطيات، سيمنح السرد الكثير من الرؤى الفنية الحديثة.

ولعل تجارب روائيي أميركا اللاتينية، في رأي الكاتب، ومعلمها الأول ماركيز على سبيل المثال، هي من أحدث التجارب في الواقعية السحرية، كما تسمَى، والتي استعارت ماضي القرية واستحدثتها بطريقة بارعة في تشخيص مساحات اجتماعية عريضة في أزمنة مختلفة. وبالتالي ما كتبه ماركيز ومجايلوه السحريّون، هو فاتحة نبّهت إلى المحلي المنسي الفذ، مهما صغر وتلاشى ونُسي، إلا أن له قوة السرد الحديث في رمزيته وأقنعته، ونفاذه في تشخيص الراهن المحلي، وحتى العام في الإنساني الشمولي.

يرى البعض أن وارد بدر السالم في روايته “شبيه الخنزير” استخدمت الواقعية السحرية السوداء، أو الواقعية السوداء، وذهب فيها أبعد مما ذهب ماركيز، أما هو فيعتبر أن “شبيه الخنزير” ولدت في ظرف صعب، في زمن سلطة صعبة المراس، كانت تنظر إلى الحياة من عين واحدة، وتراها من زاوية ضيقة لثلاثة عقود تقريبا. وحينما خرجنا من الحرب العراقية الإيرانية، بدت عناصر الحياة وكأنها تتفكك تدريجيا وبدا المواطن العراقي في حالة استلاب لا نظير لها، وصارت الكتابة عسيرة جدا في واقع تحوّل إلى درجة السواد ولا سيما خلال الحصار الأميركي الغربي في تسعينات القرن الماضي، وصارت الكتابة في تلك المرحلة وعنها أمرا إعجازيا بالفعل، لذلك فكتابة القناع تطلبت من المبدع أن يكون على افتراق مع الواقع السياسي المضني، وإلى درجة كبيرة، ولم يكن حينئذ إلا الرمز سلاحا متاحا يمكن التورية من خلاله، عبورا إلى فذلكة سردية تتخلص من ضغط السلطة وتلجأ إلى معيار رمزي وخيالي.

15