"وارسو قبل قليل" هشاشة الهوية وبلاغة الجنون

الخميس 2014/12/11
سؤال الهوية الذي يطرحه أحمد محسن يمتد ليلامس الوجود في منطقة الشرق الأوسط

كُل مدينة قادرة على أن تزرع فينا ما لا يمكن استئصاله أو أن تنتزع منّا ما لا يمكن تعويضه، وكأنّ هناك علاقة عضوية مع كل مدينة إذ تَبذر في داخلنا جميلها وقبيحها، في روايته “وارسو قبل قليل”، الصادرة عن دار “نوفل/ هاشيت أنطوان”، يسرد الكاتب اللبنـاني أحمد محسن سيرة أجيال مزقتها الحرب بين مدن تنهار أو على وشك الانهيار.

بين بيروت ووارسو، رحلة من دمار إلى دمار، حيث تتقاطع الأزمنة، ليبقى الضحيّة هو ذاك المهمّش الذي لا تتجاوز أحلامه العزف على البيانو أو تأمّل فتاة جميلة.

السرد في رواية“وراسو قبل قليل” يستدعي زمنين، الأول يبدأ عام 1945 والثاني عام 2005، ليسرد محسن قصتين متوازيتين الأولى عن عازف البيانو البولندي اليهودي الذي يترك وارسو حاملاً معه ما تبقى من حطام المدينة في ذاكرته، حيث يتم ترحيله ووضعه في الكيان الإسرائيلي بوصفه مستوطنا إلا أنه يقرر الهروب من أرض هُجر أهلها –فلسطين- ليتمكن بعدها من الاستقرار في بيروت بوصفه مسيحياً ليختبر فيها معاناة الشتات والبحث عن الهويّة.


ذاكرة المدن


في الخط الثاني، نرى قصة الحفيد ذي الجذور البولندية اليهوديّة الذي يعيش في بيروت ناقلاً انطباعاته ومعاناته عن الهويات المتعددة التي يمتلكها سواء في علاقاته الغرامية أو في رؤيته للمدينة التي عاشت الحرب وانتهت منها إلا أنها ما زالت على وشك الانهيار بانتظار حروب مرتقبة، لينتهي السرد بحرب 2006 في لبنان حين يقرر الحفيد العودة إلى وارسو إلى المدينة التي تركها جده سابقاً.

في “وارسو قبل قليل” يشكّل مُحسن تفاصيل دقيقة للمدن، حيث ترتسم المعالم المختلفة سواء لوارسو أو لبيروت، غارقاً أحيانا في الوصف الذي لا يفيد في دفع الحدث أو بناء الحبكة.

بين بيروت ووارسو، رحلة من دمار إلى دمار، ليبقى الضحية هو ذاك المهمش الذي لا تتجاوز أحلامه العزف على البيانو أو تأمل فتاة

فالتفاصيل التي يذكرها نابعة عن موقفه من هذه المدن، حيث يختلط الوصف الموضوعي مع الانطباعات الذاتية، بحيث يتقمص الراوي الشخصيات التي يتحدث بلسانها ليعلو صوته في خطي السرد المتوازيين، ليظهر موقفه النزق واللاذع المتذمّر من التفاصيل البسيطة التي تحكم سيره في رحلته.


التلاعب بالزمن


هذه التفاصيل لا تؤسس لبنية عميقة للشخصيات، إلا أنها ترسم صورة واضحة عن ملامح الكاتب نفسه –أحمد محسن- ، وهذا ما يقوله في البداية في عتبة ما فوق نصيّة “الشخصيات التي في هذه الرواية حقيقيّة” وكأنه يقصد نفسه أو شخوصاً يعرفهم، فحضور الكاتب يطغى على أصوات الراوي، ليبدو السرد متورطاً في التفاصيل اليومية للكاتب، لتبدو المواقف والأحداث التي تمر بها الشخصيات قائمة من وجهة نظر الكاتب لا من وجهة نظر الشخصيات.

تتداخل الأزمنة في الرواية حيث نشهد زمنين متوازيين يؤسس كل مهما لعلاقة مع المدينة التي تتجاوز الحرب، بالإضافة إلى الأزمنة التي تستعاد على لسان الشخصيات سرداً لا عبر الأحداث التي تمر بها، وكأننا ندخل في ثقب دودي ينقلنا بين حربين ومدينتين تحاولان اغتيال روح عازف البيانو، لينهمك بعدها في تصوراته عن الحب والجسد والبحث عن مبررات لانتمائه وهو المشتت بين أصوله المختلطة.

كما تتداخل العلاقات بين الشخصيات مثاما تتداخل الأزمنة في رحلة البحث عن الذات، حيث الكلّ يحاول تحديد هويته عبر علاقته مع الآخر سواء الحاضر هنا أو الحاضر في الذاكرة، فليا تبحث عن نور التي انتحرت.
السرد في الرواية يستدعي زمنين الأول يبدأ عام 1945 والثاني عام 2005

ويوزفجوزف يرى في ماري سكونه وراحته، في هذه الرواية نقف أمام شخصيات لا تستطيع تخطي أقدارها، تلعب المصادفة دوراً في تركيب حياواتها وهذا مرتبط ببناء الحبكة التي قد لا تخدم الشخصيات وعمقها بل كأننا في زمن حلزوني تتّكرر فيه الأحداث لكن تختلف الشخصيات التي يَحضُر بعضها طارئاً، وبالرغم من اللغة القادرة على توصيف الحدث إلا أنها لا تكفي لتعميق بناء الشخصيات التي تبدو هامشيّة، لكنها لا تمتلك العمق الكافي لإثبات حضورها، وكأننا أمام رؤية ضبابية للمدن بعد الحرب.


ارتجال الجنون


في الفصل الأخير يعلو صوت مُحسن، تبدأ انطباعاته عن بيروت بالطغيان على الحدث الروائي، يقع في علاقة غرامية مع فتاة اسمها زينب ثم تتركه، لتبدأ المدينة بعدها بممارسة سحرها في التغلغل في تلافيف عقله، ليبدو موقفه الرافض لحضوره في المدينة من خلال حديث عن الجنون لا بوصفه مهرباً أو أسلوباً لاجتذاب الفتيات، بل الجنون الحقيقي، ذاك المحكوم بالخسارات التي تجعل من وضع المجنون في المجتمع على هامش الدور الاجتماعي، حيث يحاول تحقيق أدنى متطلبات هذا الدور ليحافظ على حياته في حين يُستنزف باقي وجوده إغراقاً في التأملات التي تؤسس لحضوره الغريب.

هذا الغريب الذي يرى نفسه منفياً بين هويتين ومدينتين، كل منهما تحاول أن تفرض عليه مأساتها ومعاناتها، في حين يرغب هو بممارسة هواياته البسيطة التي على غرابتها لا تخضع لتقييم الآخر بل لتقيمه الذاتي.

سؤال الهويّة الذي تطرحه الرواية يمتد ليلامس الوجود في منطقة الشرق الأوسط، فاليهودي الهارب من الحرب في أوروبا يحاول الاستقرار في الكيان الإسرائيلي إلا أنه يرفض لينتهي به الأمر في بيروت، وكأننا نسمع الصوت الآخر للمهجّرين عنوة، الدياسبورا اليهودية التي تحمل في عمقها معاناة مهجّرين حكم عليهم بالرحيل إثر خسارتهم للمدينة التي تشكل الانتماء، وإثر المحارق التي طالت الآلاف منهم ليبحثوا عن انتماء جديد.

في النهاية نرى أن الحفيد “يتمزق بين قارتين”، بين الهروب إلى وارسو أو البقاء في لبنان لأجل زينب التي أحبها، وكأنّ الانتماء يبدو واضحاً في لحظات المِحك تلك التي تستدعي الحضور، لنرى الإنسان يقف حائراً، حيث تبقى الذات المهمّشة في ظل معترك الهويات المختلطة ضائعة دون أي انتماء.

14
مقالات ذات صلة