وارن بافيت الملياردير الأكثر شهرة ليس ثريا وحسب

الأحد 2017/07/23
وارن بافيت "حكيم أوماها" وفيلسوف الأغنياء يواصل التخلص من أمواله

دمشق- “استثمر في ذاتك، بأكبر قدر ممكن متى تستطيع، أنت أكبر أصولك الخاصة حتى الآن” وكذلك “أيّ شيء تستثمره في نفسك يعود عليك بعشرة أضعاف، وخلافاً لأصول واستثمارات أخرى فإن أصولك الخاصة التي هي نفسك لا أحد يمكنه أن يحجز عليها من أجل الضرائب مثلاً، أو أن يسرقها منك”.

تمثل مقولات من هذا النوع إحدى القواعد الخاصة بالمستثمر الأكثر شهرة في عالم الأموال وارن بافيت العجوز البالغ من العمر 87عاما والمصنف كثالث أغنى رجل في العالم، والذي لم يرث ثروته من أحد وإنما جمعها بموهبته الفذة في الاستثمار والإدارة.

ولد بافيت عام 1930 في مدينة أوماها في ولاية نبراسكا. ومنذ سنواته الأولى أظهر ذكاءً في العمليات الحسابية وشغفاً واضحاً بجمع المال. يلقب في مدينته بـ”حكيم أوماها” ولا يزال يقيم فيها حتى الآن في منزل يبدو متواضعاً بالنظر إلى ثروته الطائلة.

العجوز الذي يظهر أمامنا بغناه وشهرته الواسعة كواحد من أكبر أغنياء العالم ليس تاجراً عادياً أو رجل أعمال تقليدي، ولم يحصل على ثروته بضربة حظ، وإنما بامتلاكه لرأسمال فكري قبل أيّ شيء، جدير بالاهتمام والدراسة، عمل على صقله وتطويره خلال سنوات عمله الطويلة والتي بدأت مذ كان طفلاً.

ذهنية الاقتصاد القديم

في سن الحادية عشرة بدأ بافيت أولى خطواته في الاستثمار بشرائه أول سهم له بشركة “سيتيز سيرفيس”. وفي سن السابعة عشرة أصبح يملك مبلغ 5 آلاف دولار جمعه من عمله في بيع صحيفة واشنطن بوست وتوزيعها، ليتفرّغ بعدها لدراسة الاقتصاد والإدارة. فدرس أساسيات الاقتصاد في مدرسة وارنو في بنسلفانيا، ثم حصل على البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة نبراسكا والماجستير من كلية كولومبيا للأعمال.

لم يحقق وارن ثروته بالاستثمار في منشآت وول ستريت الضخمة، وإنما من خلال استثماراته في الشركات التقليدية في ماين ستريت التي توصف بالاقتصاد القديم. وفي عام 1956 أسس شركته الأولى “بافيت أسوشيتس”، ليؤسس بعدها شركات إضافية جمعها فيما بعد في مجموعة “بافيت بارتنر شيب” وبدأت ثروته بالتشكل فعلاً حين شرائه شركة “بيركشار هاثاوي” والتي تضم الآن ثمانين شركة عاملة أصبحت من أشهر الشركات في العالم.

في كتابه “ثروة وارن بافيت” الذي يشرح فيه روبرت مايلز مطولا أسلوب عمل بافيت محللاً مبادئه والتقنيات التي يتبعها في الاستثمار يقول “يمكن إنشاء ثروة والمحافظة عليها من خلال تملّك شركات. هذا المفهوم هو جوهر الرأسمالية. لقد أضحى بافيت أول رأسمالي في العالم عبر استعمال إيرادات من مؤسسات مختلفة بهدف امتلاك شركات إضافية، وذلك، من أجل تحقيق إيرادات أكبر وإعادة عملية التوسع هذه من جديد، على غرار كرة ثلج وهمية على قمة جبل اقتصادي مع الوقت الكافي لإحداث انهيار ثلجي عظيم ودائم التوسع”.

الملياردير الماكر تتجسد أعظم أفكاره في قوله "إذا وجدت نفسك في حفرة فعليك التوقف عن الحفر"

ويضيف مايلز “مما يجدر أن نتأمله ونفهمه؛ كيف استطاع رجل واحد، من خلال تطبيق المبادئ والعمل الجاد، بناء إمبراطورية مالية ذات سيولة عالية، تقوم على سلسلة من المبادئ أهمها أن الإنسان غنيّ وفقاً لما يملك، ولكنه ثريّ بما هو عليه من شخصية، وأن ثروة بافيت لا تتمثل في مقدار أمواله، بل في شخصيته وإدارته واختيار مستشاريه، ومبادئه الاستثمارية واستراتيجيته في التطبيق العملي”.

مبادئ الاستثمار القيمي

ما يميز بافيت فلسفته المتفردة في عالم الاستثمار، أنه لم يبتكر أو يبدع أيّ تقنيات جديدة في أصول العمل الإداري وكيفيات الاستثمار، إنما بذكائه وعمله الدقيق استطاع أن يخلخل المفاهيم التقليدية والراسخة المتبعة من قبل المستثمرين ورجال الأعمال في الأسواق المالية والعمل التجاري.

وبدراسة معمّقة استطاع استخلاص مجموعة من القواعد والمبادئ التي شكلت فلسفته في العمل. وتلخّص إحدى مقولاته ذلك “ادرس الأفضل لتصبح الأفضل” وهذا ما يفعله بافيت شخصيا فهو يسعى للتعلم باستمرار والبحث عن أدق التفاصيل في علم إدارة الأموال، و معرفة كل شيء بوضوح عن أيّ صفقة يقوم بها قبل البدء، وما يميز طريقته بأنها لا تضع المصاعب في وجه من يرغب بتشكيل ثروة، بل تحتوي على منهج بسيط لكنه دقيق ومنظم يستطيع من خلاله أيّ رجل الاستثمار وتحصيل المال إذا استطاع أن يفهم مفاتيح بافيت لتحقيق النجاح.

تعتمد فلسفته بأكملها على تحليل منهج الاستثمار في القيمة، وهو مبدأ أسسه أستاذ بافيت بينجامين غراهام، في كتابه “المستثمر الذكي” ويعتبر “الاستثمار القيمي” ليس فقط تقنية عمل بل فلسفة كاملة لتحقيق النجاح في عالم الأموال.

تتلخص هذه الفلسفة بالمراجعة والاحتساب الدقيقين لقيمة الشركة الدفترية وقيمتها الذاتية بالإضافة إلى علاقتها بالقيمة السوقية. ويعتمد الاستثمار القيمي ثلاثة مبادئ؛ الأول هو إدارة المحفظة وتعني أن يقسم المستثمر محفظته بين الأسهم والسندات وتحريكها بناءً على ثقته في السوق بنسبة تتراوح ما بين 25 و75 بالمئة، وتوفر هذه العملية موقعا دفاعيا أمام تقلبات السوق، فتتوفر السيولة للشراء في فترات الهبوط.

بافيت ما يميز فلسفته المتفردة في عالم الاستثمار، أنه لم يبتكر أو يبدع أي تقنيات جديدة في أصول العمل الإداري وكيفيات الاستثمار، إنما بذكائه وعمله الدقيق استطاع أن يخلخل المفاهيم التقليدية والراسخة المتبعة من قبل المستثمرين ورجال الأعمال في الأسواق المالية والعمل التجاري

المبدأ الثاني هو القيمة الجوهرية وتكمن في أن يتعامل المستثمر مع الأسهم كرجل أعمال يريد أن يدخل شريكا فيهتم بدراسة قيمة الشركة وكم العائد المتوقع، ولا يتعامل كمتداول للسهم فقط.

أما المبدأ الثالث فهو هامش الأمان؛ وتتلخص هذه القاعدة في مقولة لبافيت “ادفع 50 سنتاً لسهم الشركة التي تساوي 100 سنت”. ويفضل بافيت ما يسمى بالاستثمار الطويل، أي الاستثمار في الشركات التي تمتلك مستوى ثابتا من الأرباح لأعوام طويلة.

لا تخسر رأس المال

القواعد التي يتبعها بافيت والمقولات التي يطلقها في خطابه السنوي حين التقائه بمساهمي شركته أصبحت تشكل مرجعية في عالم الاقتصاد ووصايا جاهزة يتبعها أيّ مستثمر يرغب بدخول السوق وكسب الأموال.

تظهر خطابات بافيت فهماً عميقاً من قبله وإدراك لآليات العمل والاستراتيجيات المعقدة في الاقتصاد. فهو يتحدث مطولاً شارحاً بالتفصيل كيفية إدارة الخوف والدقة في اتخاذ القرارات في عمليات بيع وشراء الأسهم وانتهاز الفرص الأفضل لذلك والحفاظ على رأس المال والتخطيط السليم لعمل الشركة واختيار الإداريين العقلاء والطرق الناجحة للحصول على ربح طويل المدى وضرورة دراسة منهج وآلية عمل أيّ شركة قبل الاستثمار فيها، وتتلخص جميعها في ما يسمى مبادئ وارن بافيت في تحقيق الثراء والحفاظ عليه ونقتبس هنا بعضاً منها.

القاعدة الأولى؛ لا تخسر رأس المال. القاعدة الثانية: لا تنس القاعدة الأولى. وأيضا؛ ليس لزاماً عليك أن تفعل أشياء فوق طاقتك للحصول على ما يساويها من نتائج. وكذلك “لست مضطراً لاسترداد الأموال من نفس الطرق التي خسرتها من خلالها”. “اعرف ما تملكه” و”ركز استثماراتك على أفضل الشركات تلك التي تمتلك إدارة صلبة”، و”كل عمل دؤوب يحمل معه الأرباح، أما مجرد الكلام فلا يجرّ إلا الفقر”.

دهاء فاعل الخير

يرى بافيت أن هناك فرقا ضخما بين المشروع الذي ينمو ويحتاج لتحقيق هذا النمو إلى ضخ المزيد من رؤوس الأموال، وبين المشروع الذي ينمو ولا يحتاج لضخ الأموال. وهو يقول إن مدارس إدارة المال والأعمال تكافئ التصرفات الصعبة والمركبة لا التصرفات البسيطة، ولكن التصرفات البسيطة هي الأكثر فاعلية. أما أعظم مقولاته فهي “إذا وجدت نفسك في حفرة فعليك التوقف عن الحفر”.

تبرعات بافيت تتواصل منذ سنوات وحتى هذه اللحظة

لم تأت شهرة بافيت فقط من عمله وثروته ودهائه وإبهاره لرجال الأعمال والسوق بتحقيقه نجاحاً تلو الآخر، فإضافة إلى ذلك داوم هذا العجوز منذ عام 2006 على التبرع بجزء من أسهمه لمؤسسات خيرية مختلفة، ليحصل على لقب أكبر متبرع في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.

ففي عام 2006 تبرع بأسهمه الفئة “ب” والتي وصلت حتى 37.4 مليون دولار إلى مؤسسة بيل وميليندا غيتس وهي أكبر مؤسسة خيرية في البلاد، وفي عام 2016 تبرع بما يزيد عن 2.86 مليار دولار إلى خمس منظمات، ومؤخرا كان آخر تبرع له في الـ11 من يوليو الجاري حيث تبرع بحوالي 3.17 مليار دولار لخمس مؤسسات مسجلا أكبر مساهمة خيرية له.

وتأتي تبرعاته في تجسيد لمنطقه بأن الثروات التي تتدفق من المجتمع يجب أن تعود في معظمها إلى المجتمع نفسه ليستفيد منها. وارن بافيت العجوز الماكر الأدهى بخلق التوازن بين عقله وماله واستخدام الكلّ في مكانه، يشكل حتى وقتنا هذا ظاهرة استثنائية في حياته العملية والاجتماعية، ونموذجاً حياً للنجاح الإداري معتمداً نهجاً خاصاً لاقى قبولاً كبيراً في عدم تدخله بإدارة الشركات التي تسيطر عليها شركته القابضة من مبدأ اتّبعه بأن يبقي الأعمال الإدارية بأيدي المدراء الأصليين، مقابل شرائه للشركة بسعر معتدل.

وبذلك أصبحت شركته من أفضل الشركات في العالم من خلال هذا المنهج بتحويل الأموال الخاصة بالشركة لشراء الشركات العامة والاستثمار فيها. عرف عن وارن أنه قارئ جاد فهو يقرأ ما يعادل 500 صفحة يومياً ملزماً نفسه بالبحث والتعلم مدى الحياة. وحين سئل عن أفضل استثمار قام به في حياته أجاب بأن شراءه لكتاب “المستثمر الذكي” لبينجامين غراهام كان أفضل استثماراته على الإطلاق.

9