واسيني بوعزة جنرال جزائري تودي به مغامراته السياسية

التوقعات المحلية لا تستبعد أن يجرّ الجنرال بوعزّة معه عددا من المسؤولين الكبار في النظام الجزائري.
الأحد 2021/04/04
واسيني بوعزة من أعلى هرم الأمن الداخلي إلى خلف القضبان

حينما تصدر القائد السابق للجيش الجزائري الجنرال الراحل أحمد قايد صالح المشهد الجزائري بعد تنحي الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ساد الإجماع لدى المتابعين آنذاك على أن الجنرال واسيني بوعزة هو العقل المدبر للمرحلة المستجدة، وأن إمساكه بمديرية الأمن الداخلي مكنه من امتلاك المفتاح السري للوصول إلى المخارج الممكنة، إلا أن التوازنات كان لها رأي آخر، فلقد سقط الجنرال القوي، وهاهو الآن خلف القضبان، بعدما كان هو الذي يزج بكبار الضباط والمسؤولين في السجون.

قضت المحكمة العسكرية بالناحية العسكرية الأولى في البليدة بعقوبات متفاوتة، كانت أبرزها عقوبة السجن 16 سنة نافذة بحق بوعزة الذي كان يشكل النواة الصلبة في جناح القائد السابق للجيش، وذلك بتهم الثراء غير المشروع ومخالفة التشريع العسكري والتزوير واستعمال المزور.

وشملت العقوبات أيضا عددا من الضباط، على غرار اسكندر ونبيل بن سلامة اللذين حكم عليهما بعشر سنوات سجنا، و15 عاما حبسا بحق العقيد لطفي، وهم الضباط الذين كانوا يوصفون بـ”المساعدين المقرّبين” من الجنرال القوي قبل سقوطه في أبريل 2020.

تهاوي أحجار الدومينو

سقوط بوعزّة سيكون علامة فارقة في معادلات هرم النظام الجزائري، فعلاوة على أنه يعكس بسط جناح الرئيس تبون لنفوذه على أهم مركز للنفوذ السياسي في البلاد، فإنه يمثل إعلانا لنهاية مرحلة.

وكان السقوط المفاجئ لأحد أكبر الجنرالات النافذين في المرحلة الأخيرة قد شكل تحولا لافتا في هرم السلطة الجزائرية، قياسا بما يمثله من قوة ونفوذ داخل المؤسسة العسكرية والهيئات المدنية، فقد كان الرجل يمثل قاطرة تيار داخل العسكر والحكومة والإدارة، ورفض دعم عبدالمجيد تبون في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الثاني عشر من ديسمبر 2019، وانحاز إلى صالح منافسه وزير الثقافة السابق عزالدين ميهوبي.

كان بوعزة يمثل جوهر النفوذ داخل قيادة الجيش منذ تنحية بوتفليقة، وذلك منذ أن استقدمه الجنرال قايد صالح لإدارة شؤون الأمن الداخلي “المخابرات الداخلية “، وظل يوصف بـ”عدو الحراك الشعبي” قياسا بالمناورات التي حاكها من أجل إجهاضه ومقاربته الأمنية القمعية تجاه الناشطين في صفوف الحراك.

ولا تستبعد توقعات محلية أن يجرّ الجنرال الذي أحيل على السجن العسكري بالبليدة وراءه عددا من المسؤولين الكبار في النظام الجزائري، بمن فيهم وزراء وضباط كبار، بعد تحقيقات معمقة أجريت معه من طرف ضباط أمن الجيش. الأمر الذي أعاد بقوة مسألة صراع الأجنحة في هرم السلطة وأثار التساؤلات حول تفجره في خضم الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد جراء تفشي وباء كورونا، قبل أن تميل الكفة تماما في الأشهر الأخيرة لصالح جناح “صقور” العشرية الدموية، وعلى رأسهم مدير الاستخبارات المنحل الجنرال المتقاعد محمد مدين “توفيق” ووزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار.

ويبدو أن بداية نهاية بوعزّة كانت مع تعيين نائب له بـ”صلاحيات واسعة “، حسب القرار الذي أصدره تبون في أبريل العام الماضي، اعتبر إيذانا بنهاية حقبة الجنرال القوي، رغم أن أنصاره في خلايا الدعاية الإلكترونية التي أطلقها من أجل الترويج لأجندته السياسية لم يصدقوا الصدمة القوية، فسقوطه كان آخر شيء يفكر فيه هؤلاء.

ويبدو أن الجنرال الذي روّض كبار الضباط والمسؤولين السامين في عهده يدفع الآن ثمن مناوراته السياسية في توجيه مخارج الانتخابات الرئاسية الأخيرة نحو ميهوبي والضغط بمختلف الوسائل لقطع الطريق على تبون، قبل أن يحسم قايد صالح في دعم الأخير.

Thumbnail

وكانت الأذرع القوية للرجل قد استقطبت عشية الانتخابات الرئاسية قطاعا عريضا من الفعاليات السياسية والشخصيات والأحزاب والمسؤولين الكبار ووسائل الإعلام من أجل تعطيل مسار ترشح تبون، وبتواطؤ أذرع إعلامية ورسمية وسياسية تمت إثارة عدد من الملفات المثبطة للأخير، على غرار ملف ابنه خالد الذي كان مسجونا حينها ضمن قضية شحنة المخدرات، وتم توقيف ممول حملته الانتخابية رجل الأعمال عمر عليلات، إلى جانب الضغط على مسؤولين في تلك الحملة ودفعهم للاستقالة في ذروة المنافسة على غرار الدبلوماسي عبدالله باعلي الذي كان أبرز المغادرين للسلك الدبلوماسي بقرار من الرئيس تبون، صدر في آخر عدد من الجريدة الرسمية للجمهورية الأسبوع الماضي، بعدما قضى نحو 30 عاما في منصب سفير في كبرى العواصم الأوروبية والأميركية، وكان مقترحا للمنصب نفسه في باريس، إلا أن استقالته من إدارة الحملة الانتخابية لتبون تحت تأثير نفوذ الجنرال بوعزة جعلته يدفع فاتورة باهظة في آخر المطاف.

وذكرت تسريبات تم تداولها في دوائر ضيقة مؤخرا أن الجنرال بوعزة كان بصدد تنفيذ عملية فرار من السجن العسكري بالبليدة، غير أن المخطط أجهض في اللحظات الأخيرة، وتم تقديمه للمحاكمة التي حملت عدة دلالات في لعبة التوازنات داخل المؤسسة العسكرية.

ولا يُستبعد أن يكون انهيار بوعزّة فاتحة لتهاوي العديد من الرؤوس العسكرية والمدنيّة التي انخرطت في تجاذبات الانتخابات الرئاسية الأخيرة؛ حيث تتحدث تقارير محلية عن وزراء وولاة وضباط في المؤسسة العسكرية أبدوا مساندتهم لمرشح التجمع الوطني الديمقراطي ميهوبي، وعلى رأسهم رئيس المترشح نفسه ورئيس الوزراء السابق نورالدين بدوي.

وبغض النظر عن العقوبة التي صدرت بحقه فإن سقوطه سيكون علامة فارقة في معادلات هرم النظام الجزائري؛ فعلاوة على أنه يعكس بسط جناح الرئيس تبون لنفوذه على أهم مركز للنفوذ السياسي في البلاد فإنه يمثل إعلانا عن نهاية مرحلة وسقوط جناح قوي داخل المؤسسة العسكرية في الجزائر.

عراب الحرب الإلكترونية

التحقيقات مع بوعزّة كشفت عن تأسيسه نحو ألف خلية إلكترونية، كانت تتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات فضاءً لها، لترويج خطاب إجهاض الحراك الشعبي. (الصورة من فيسبوك).
التحقيقات مع بوعزّة كشفت عن تأسيسه نحو ألف خلية إلكترونية، كانت تتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات فضاءً لها، لترويج خطاب إجهاض الحراك الشعبي. (الصورة من فيسبوك).

ومع أن شعورا ساد بأن هناك بارقة أمل في تهدئة الوضع السياسي الداخلي، بعد ثبوت وقوف بوعزّة وراء المناورات السياسية والقمع الأمني للحراك الشعبي، إلا أن استمرار نفس المقاربة الأمنية أكد أن المسألة لا تتصل بشخصه، بل بتوجه سائد داخل السلطة.

غير أن تقاليد الصراعات السياسية في الجزائر لا تستبعد أن تكون التطورات الأخيرة في هرم النظام عبارة عن جولة من جولات الصراع بين الأجنحة النافذة، وأن المعركة مرشحة للتمدّد، قياسا بمقاومة محتملة من طرف خلايا نائمة يكون الرجل قد زرعها في مفاصل الدولة خلال ذروة قوته، أسوة بما جرى مع الجنرال توفيق الذي يملك موالين وخلايا ظلت وفية له إلى غاية الآن.

وتعرف الجزائر منذ صيف عام 2018 عدم استقرار لافت في مؤسساتها الرسمية، خاصة بعد اندلاع الحراك الشعبي، لاسيما داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي حوّل حركة التغييرات المفتوحة والمتسارعة مذّاك إلى تصفية حسابات بين أركان النظام.

وكما تصدر جناح قايد صالح المشهد الجزائري بسرعة قياسية في السنوات القليلة الماضية سقط بنفس السرعة وتلاشت رموزه من المشهد، فبعد وفاة الرجل في ديسمبر 2019 لحقه صهره الجنرال مفتاح صواب، وقبله الجنرال حسان علايمية، وسُجن ضباط آخرون وعلى رأسهم واسيني بوعزة ورجل أسراره المساعد قرميط بونويرة.

الجلاد والضحية

كثيرون يعتقدون أن بوعزة كان العقل المدبر للمرحلة المستجدة بعد بوتفليقة، وأن قيادته للأمن الداخلي مكنته من امتلاك المفتاح السري للوصول إلى المخارج الممكنة، إلا أنه سقط بعدما كان هو الذي يزج بكبار الضباط والمسؤولين في السجون

وكان القضاء العسكري قد قضى العام الماضي بعقوبة السجن ثماني سنوات نافذة بحق بوعزّة، بعدما تمت إدانته بـتهم من نوع “إهانة هيئة نظامية بالقول، إهانة مرؤوس، استعمال المزور، حيازة سلاح ناري وذخيرة حربية من الصنف الرابع”، وترك بيان المحكمة آنذاك الباب مفتوحا أمام محاكمات أخرى.

وجرى الحديث عن ضلوع الرجل في ما عرف بـ”شبكة الذباب الإلكتروني” التي برزت بعد انطلاق احتجاجات الحراك الشعبي، وكان الغرض منها شن حرب افتراضية على شبكة الإنترنت تستهدف تفكيك الحراك وبث الشائعات والنعرات والصراعات الجهوية والاثنية والثقافية، خاصة بين العرب والبربر.

التحقيقات مع الرجل، حسب ما تسرّب، كشفت عن نحو ألف خلية إلكترونية كانت تتخذ من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات فضاء لها، لترويج خطاب إجهاض الحراك الشعبي، خاصة بعد تصعيد شعاراته ومطالبه السياسية.

وتعد السنوات الأخيرة أحلك مرحلة في تاريخ المؤسسة العسكرية الجزائرية، ميزها عدم الاستقرار والحركة المفتوحة منذ عام 2018 إلى غاية الآن، في سياق تجاذبات غير مسبوقة أفضت إلى صعود وسقوط تكتلات وأجنحة بسرعة لافتة، كان آخرها سجن جنرال ظل إلى غاية العام الماضي مديرا للأمن الداخلي تنحني أمامه رقاب العسكر والمدنيين.

8