واشنطن: الإرهاب الكوني يتجه للامركزية ويصبح أكثر تعقيدا

الخميس 2015/02/19
رفض شعبي متصاعد لخوض الولايات المتحدة مزيدا من الحروب

واشنطن - جربت الولايات المتحدة، منذ عام 2001، كل الاستراتيجيات الممكنة للحرب على الإرهاب، لكن نتائج هذه الاستراتيجيات، جاءت عكسية، وفق الخبراء، الذين يؤكّدون أن السياسة الأميركية فشلت في احتوائه، وتسبّبت في تمدّد رقعته. وهذه النتائج هي سبب الخلاف في الداخل الأميركي، وفي الخارج، بخصوص مشروع التفويض العسكري في الحرب ضدّ تنظيم داعش، في خطة استنسخها أوباما عن جورج بوش الابن، والتي جعلت حربه على الإرهاب تتخذ مسارا عالميا، من بين تداعياتها التهديد الإرهابي الحالي الذي تعيشه مختلف دول العالم في حربها ضدّ الإرهاب.

يجتمع ممثلون عن حوالي سبعين دولة في العالم، في واشنطن، ضمن قمّة ينظّمها البيت الأبيض لمناقشة سبل مكافحة التطرّف. وتأتي هذه القمّة في خضم العاصفة الإرهابية التي تجتاح العالم، وأيضا بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية للحرب التي تقودها الإدارة الاميركية ضدّ الإرهاب في العالم، وتداعيات المشروع الذي تقدّم به أوباما للكونغرس يمنحه سلطة شن الحرب على الإرهاب وبالتحديد تنظيم الدولة الإسلامية.

وكان من المخطّط أن تنعقد القمة في شهر أكتوبر الماضي، لكن تمّ تأجيلها بسبب الانتخابات النصفية، لذلك علّق خبراء على قمّة البيت الأبيض لمكافحة التطرّف قائلين إنها “ليست كما كان يتصور” الرئيس أوباما حين دعا إلى انعقادها قبل أشهر؛ حيث ارتفعت وتيرة الإرهاب في العالم وتمدّدت رقعته، لتشكّل تحدّيا جديدا لسياسة أوباما الذي يعول على إبقاء التحالف الدولي لضرب داعش قويا، كما يعمل في نفس الوقت على إقناع الكونغرس بضرورة منحه تفويضا عسكريا لشنّ الحرب على الدولة الإسلامية.

قال البيت الأبيض إن القمة العالمية ستأخذ على عاتقها إيجاد سبل لتجفيف التمويل عن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية بفروعه في سوريا والعراق ومصر وليبيا، ثم مواجهة تحديات تجنيد المقاتلين الأجانب الذين يتوجهون إلى تلك الدول، أو يشنون هجمات إرهابية خارجها.

وتم خلال هذه القمة تقييم الجهود العالمية في مواجهة الإرهاب، ابتداء من تشكيل التحالف الدولي بقيادة واشنطن لضرب أهداف داعش في سوريا والعراق، وإصدار قرار من مجلس الأمن لتجفيف منابع التمويل للمنظمات الإرهابية، والإجراءات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لمنع توغل الإرهابيين في منطقة “شنغن”.

مسودة مشروع أوباما تتضمن جملة استثناءات لتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية

وكتب الرئيس الأميركي باراك أوباما، في مقال بصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية بمناسبة انعقاد القمّة: "نعلم أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تحل المشكلة.. كما أنه لا يمكننا القضاء بسهولة على الإرهابيين الذين يقتلون الأبرياء".

ورأى أوباما في ضوء المؤتمر الذي تنظمه واشنطن لمكافحة الإرهاب أنه من الضروري أيضا الوصول إلى الذين يتسببون في تطرف الإرهابيين ويحرضونهم ويجندونهم في أوروبا وأميركا على سبيل المثال.

وأكد وزير الأمن الوطني الأميركي جي جونسون خلال اجتماع في البيت الأبيض أن الحرب على الإرهاب تمر بـ "مرحلة جديدة" وقال إن شبكة القاعدة لا تزال تتمتع ببنية متماسكة نسبيا تتغير بشكل متزايد، مضيفا: "الإرهاب الكوني يتجه للامركزية ويصبح أكثر تعقيدا".

وطلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من الكونغرس تفويضا لحرب داعش يسمح بنشر قوات خاصة عند الحاجة، لكن الولايات المتحدة لا زالت حتى اللحظة تعتمد على شركاء لها على الأرض كالقوات الكردية والعراقية، وبدرجة أقل بعض مقاتلي المعارضة المسلحة في سوريا.


التطرف الإسلامي


تختتم القمّة، التي انطلقت يوم الثلاثاء أعمالها الجمعة، وسط انتقادات، سيطرت على فعالياتها في اليومين الماضيين، حيث وجّهت للبيت الأبيض انتقادات لعدم تركيز القمة تحديدا على مكافحة “التطرف الإسلامي” أو على توسيع الجهود العسكرية لمكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية” وغيرها من الجماعات المتطرفة.

أسباب تجعل الكونغرس يرفض حرب أوباما على داعش

يحدّد المحلل الاستراتيجي الأميركي بيتر سيرتو، 4 أسباب تجعل الكونغرس يرفض المشروع الذي تقدّم به باراك أوباما للحصول على تفويض يعطيه صلاحيات أكثر في الحرب التي يخوضها ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية. وهذه الأسباب وفق بيتر سيرتو هي:

◄ إساءة استخدام الصياغة الغامضة

في أحدث خطابه، قال أوباما إن “مهمتنا القتالية في أفغانستان انتهت”. لكن قبل شهرين فقط، قام بهدوء بتمديد مهمة عشرة آلاف جندي أميركي في البلاد لمدة سنة على الأقل. إذن تبدو العبارة بلا معنى. وباختصار، تقييد تحركات القوات البرية ليس بتقييد بالمرة. ودعما لهذا الكلام يقول الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف “ما يقصدونه بقي فضفاضا وعرضة للتأويل، حتى أنه من الممكن استعماله في أي سياق كان”.

◄ تفويض بالحرب في أي مكان من العالم

علىمدى الأشهر الستة الماضية، ظلت القوات الأميركية تسقط القنابل على كل من العراق وسوريا، لكن مشروع القرار لا يحد التفويض في هذين البلدين ولا يذكر النص أي حدود جغرافية بالمرة. ويمكن لهذا أن يأخذ الولايات المتحدة إلى حرب ممتدة في الشرق الأوسط، ويمكن أن تشمل الأهداف الأردن ولبنان حيث يحوم تنظيم داعش على أطرافهما. لكن كذلك يمكن أن يشمل التدخل بلدانا مثل ليبيا واليمن، حيث تنشط بعض الجماعات المتشددة لكن لا تربطها بالضرورة أي علاقة بالمقاتلين في سوريا والعراق.

◄ يترك تفويض 11 سبتمبر ساري المفعول


حتى وإن رفض الكونغرس قراره الجديد ضد داعش، يمكن لأوباما بالرغم من ذلك أن يدعي التفويض لقصف العراق وسوريا (ناهيك عن لبنان والأردن واليمن وليبيا وغيرها) استنادا إلى القانون القديم.

ويعني كذلك أنه في حالة موافقة الكونغرس على الحرب، ولكن رفضه إعادة التفويض بها لثلاث سنوات قادمة، يمكن للرئيس القادم أن يستند إلى القرار السابق أيضا. في الواقع كان أوباما صريحا في ما يخص هذه النقطة إذ يدعي الرئيس في رسالة مصاحبة إلى الكونغرس بأن “القوانين المعمول بها تمنحني السلطة التي أحتاجها للقيام بهذه الأعمال” ضد داعش.


◄ الحرب لن توقف انتشار داعش


ازدهر تنظيم داعش جراء الانهيار السياسي على طرفي الحدود السورية العراقية. وهذا الانهيار تسببت فيه عدة عوامل متشابكة من توترات طائفية محلية وحرب أهلية وحشية في سوريا، لكن كذلك الغزو الأميركي الكارثي للعراق، والدعم المتواصل لحكومة طائفية في بغداد أدى إلى تنفير الملايين من السنة، وقيام واشنطن وحلفائها بتمويل مجموعات متنوعة من المتمردين السوريين بشكل مستعجل وفوضوي.

والتدخل العسكري لا يمكنه أن يصلح بشكل دقيق أيا من هذه المشاكل، ولن يفعل شيئا غير تكرار نفس الأخطاء الكارثية الكثيرة التي ساهمت في خلقها.

ويرى خصوم أوباما الجمهوريون أن تفادي الرئيس استخدام تعابير مثل “التطرف الإسلامي”، رغم أن الهجمات الأخيرة ارتكبها تنظيم داعش، وهجوم باريس تبناه تنظيم القاعدة، يظهر أنه لا يفهم طبيعة الخطر. وتشدّد الإدارة الديمقراطية في المقابل على أن هذه الاعتداءات لا تمت إلى الإسلام؛ في ما اعبتر المنتقدون أن هذا التبرير يأتي للتغطية على السياسة الأميركية الداعمة لأحد تيارات الإسلام السياسي، وبالتحديد الإخوان المسلمين.

وكانت عاصفة إرهابية عاتية ضربت العالم، وماتزال، بقوة منذ أواخر العام الماضي، وتنذر بأن ما من دولة في مأمن من خطرها. وسجّلت منذ بداية 2015 سلسة من الاعتداءات المسلّحة وعمليات الذبح والإعدام، واستهداف الأمنيين والمدنيين. والبارز في هذه العاصفة أنّها تجاوزت إطارها المكاني التقليدي، لتأخذ طابعا دوليّا يمتدّ على كامل القارات، وإن كان النصيب الأكبر منها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويحمل خبراء ومسؤولون كثر، واشنطن مسؤولية تفشّي الإرهاب في العالم.

وكانت مجلّة “ذا نيشن” الأميركية، وصفت حرب واشنطن على الإرهاب بالفاشلة. وأرجعت ذلك إلى أن هذه الحرب لم تشمل كل الحركات الإسلامية. كما أن الحرب على الإرهاب التي بدأها الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، في 2001 كانت تواجه تنظيم القاعدة ذا التوسّع المحدود، لكنها اليوم تواجه القاعدة ومجموعة متنوعة وقوية انشطرت عن هذا التنظيم.

وبالتالي فإن الحرب على الإرهاب التي نالت الموافقة العامة في 2001، هي اليوم محلّ خلاف كبير خاصة بعد أن أثبتت فشلها. ومع توسّع رقعة الإرهاب، وتعدّد مظاهره ومصادره ومجموعاته، تصاعدت الانتقادات لفشل السياسة الأميركية في الحرب على الإرهاب. ومصدر هذه الانتقادات، ليس فقط الجهات الخارجية، بل أيضا من الداخل الأميركي. ويعكس هذا الموقف، الجدل الدائر حول مشروع القرار الذي تقدّم به باراك أوباما للكونغرس والداعي إلى منحه تفويضا باستخدام الجيش الأميركي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية و”الأشخاص والقوى المرتبطة به” لمدة ثلاث سنوات، وعند استكمال هذه المدة يتوجب تجديد التفويض.


مشروع أوباما


يشير مركز الدراسات الأميركية والعربية إلى أن طلب إعطاء السلطة قانون استخدام الجيش الأميركي يواجه انتقادات حادة، ليس من الجمهوريين فحسب بل من قادة في الحزب الديمقراطي أيضا.

وكان رئيس مجلس النواب جون بينر قد أكّد، أنه وزملاءه الجمهوريين، يريدون منح “القيادة العسكرية المرونة والصلاحية الكافيتين لهزيمة التنظيم المتشدد أينما وجد”. وأضاف أن السياسة الأميركية بحاجة “لصياغة استراتيجية عسكرية شاملة وتفويض متين لا يفرض قيودا على الخيارات المتاحة”؛ موجها انتقادا للرئيس أوباما بخصوص “عدم التيقن من أن استراتيجيته المقدمة ستنجز المهمة”.

ويريد الحزب الجمهوري، ومعهم قيادة الجيش الأميركي، تفويضا مفتوحافي العمليات البرية في حال اضطر الجيش لتنفيذها، في ما يعارض البيت الأبيض والخط الليبرالي في الحزب الديمقراطي ذلك. ومحور انتقاد صقور الحزب الجمهوري للقرار مردّه أن مسودة المشروع “تضع قيودا متعددة على شن عمليات عسكرية”.

وشكّك جون بينر في أهداف أوباما قائلا إن الرئيس الأميركي “يرمي إلى تفكيك تنظيم داعش وتدميره، لكنني لم أر خطة استراتيجية واضحة تبيّن أنه بالإمكان تحقيق ذلك”.

إلى جانب الجمهوريين، يلاقي أوباما معارضة من حزبه أيضا، حيث يعتبر بعض زعماء الحزب الديمقراطي المشروع الذي تقدّم به مشروعا “فضفاضا” ينطوي على جملة ثغرات قد تؤدي بالبلاد إلى الانزلاق في حروب شبيهة بالحرب على فيتنام.

قمة البيت الأبيض العالمية تأخذ على عاتقها إيجاد سبل لتجفيف التمويل عن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الدولة

ويبني هؤلاء موقفهم على أن الصيغة النهائية للمشروع قد لا تضع أي قيود أو اشتراطات على مغامرات عسكرية، بل تمهّد الأجواء للمضي في حروب مفتوحة الأمد؛ خاصة وأن الصيغة الأولية تفوض الرئيس “استخدام قوات برية في ظل ظروف محددة”، لمدة 3 سنوات، بما فيها استخدام القوات الخاصة والقيام بعمليات إنقاذ.

ويخلو مشروع التفويض من أي قيود جغرافية تحد من تمدّد رقعة الانتشار ضد “أفراد أو قوات مرتبطة” بالدولة الإسلامية؛ مما يعيد إلى الأذهان “تفويض بوش بملاحقة كل من كانت له علاقة بهجمات 11 سبتمبر”. كما نصت مسودة المشروع والتي تتعهد بعدم السماح “للقوات البرية بتنفيذ عمليات هجومية مستدامة”؛ المصطلح الذي أثار حفيظة العديد من المسؤولين لضبابيته.

ومن منطلق شمولية المشروع، أصدر عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرجينيا، تيم ماكين، وأحد أصدقاء أوباما المقرّبين، بيانا أعرب فيه عن “قلقه من أبعاد وغموض استخدام القوات البرية الأميركية”.

في ذات السياق، أوضح المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية، هارولد كول، أن استناد الرئيس باراك أوباما إلى التفويض، الذي حصل عليه جورج بوش الابن، “يخالف وعوده بإنهاء الحروب مفتوحة الأجل”.

وبعد انقضاء نحو 13 عاما على التفويض الأساس، الذي أصدره الكونغرس في 18 أيلول من عام 2001، بعد أسبوع واحد من الهجمات على برجي التجارة العالميين، لا زالت القوات الأميركية تشن حروبها في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال ومالي وتشاد فضلا عن العراق وسوريا.

ويذكّر تحليل مركز الدراسات الأميركية والعربية، بأن “السيناتور” أوباما كان قد وجّه انتقادات حادة للكونغرس لميله لإصدار “شيك مفتوح” للرئيس السابق جورج بوش الابن خلال تحرّكه لشنّ الحرب على العراق في 2003. وتنطوي مسودة مشروع أوباما على جملة “استثناءات” لتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، من بينها إخراج مجموع القوات الأميركية الراهنة في العراق، من الامتثال للنص؛ وباستطاعته أيضا نشر قوات عسكرية إضافية في صيغة “مستشارين، وقوات خاصة”.

وفي ظل قلق الديمقراطيين من حرب جديدة في الشرق الأوسط، قد يكون من الصعب على البيت الأبيض الفوز بتأييد كاف للحصول على موافقة الكونغرس على الرغم من مرور ستة أشهر على بدء الحملة العسكرية. كما أن العديد من الجمهوريين -الذين يسيطرون على مجلسي النواب والشيوخ- يضغطون من أجل إجراءات أقوى ضد التنظيم، وهو ما قد يعقد حصول أوباما على موافقة المجلسين.

وبالتالي، يشير الخبراء، إلى أن الخلاف والانقسام الداخلي في الكونغرس، حول حدود إعطاء الرئيس الأميركي حق استخدام القوة العسكرية، يلقي بظلاله على الحرب العالمية على الإرهاب، خاصة وأن دعوات جديدة بدأت تتشكّل في الأفق، ومن بينها وفق الخبراء، تصاعد الحديث عن تدخّلات عسكرية عربية مشتركة، تحت مظلّة جامعة الدول العربية، في الأماكن الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي قد تجد فيه الدول الأوروبية حلاّ بديلا عن الخطّة الأميركية التي عادت عليها بالسلب وأدخلتها في قلب الخطر الإرهابي.

6