واشنطن- الرياض: رحلة العودة

الأربعاء 2014/03/19

جاءت التصريحات السعودية الأخيرة حيال العلاقات السعودية القطرية كرسالة صريحة للرئيس الأميركي قبيل زيارته المرتقبة للرياض. الرسالة حاسمة وتشير إلى عدم قبول السعودية بأي نوع من أنواع التدخل في هذا الأمر وأن المطالب السعودية واضحة وتتلخص في عدم السماح للدولة القطرية بأن تتلاعب بمصير دول الخليج العربي تحت أي ظرف. نفي السعودية لوجود أية وساطة أميركية بين السعودية وقطر، إضافة إلى التأكيد على الموقف السعودي من سياسات قطر يشيران إلى عدم استعداد الرياض لبحث هذا الأمر مع الرئيس الأميركي.

مشكلة قطر أنها تعتقد أن منح الولايات المتحدة ثلثي مساحتها كقواعد عسكرية، وإبقاء الثلث لشعبها ولمواطني الدول الأخرى على أرضها، سيجعلان من تلك الدويلة الكنز الذي لا تفرط فيه الولايات المتحدة. هذا الاعتقاد نابع من قصر نظر سياسي ويشي بأن الحلم القطري باستغلال مخطط التقسيم الأميركي للمنطقة ما زال يتردد في أروقة الديوان الأميري كالأمل قريب المنال، وهو الحلم الذي تؤكده بعض الشخصيات التي تحكم قطر فعليا خلف الكواليس. الولايات المتحدة دولة براغماتية ولا تهتم إلا بمصالحها التي لن تتأثر بالموقف القطري، فالعقد الأميركي القطري حيال القواعد العسكرية سار لسنوات ويضمن عدم قدرة قطر على التهديد بإخراج القوات الأميركية منها، إضافة إلى أن سقوط الأداة الإخوانية وفشل الإخوان في السيطرة على مصر وترنحهم في تونس وليبيا وتركيا أدى إلى ضعف الرهان القطري على الرئيس الأميركي.

أوباما يقف الآن موقفا صعبا أمام القضايا التي سيتم بحثها في اللقاء المرتقب خاصة أمام التدهور في العلاقة السعودية الأميركية بسبب مواقف البيت الأبيض في عدد من القضايا التي تهم السعودية. الذي يؤكد صعوبة الموقف الأميركي تتابع التصريحات منذ لقاء دافوس الأخير وتأكيد وزير الخارجية الأميركي على متانة العلاقات الأميركية الخليجية، مما يمنح الدبلوماسية السعودية قوة إضافية لوضع المرآة أمام الإدارة الأميركية لرؤية وجهها القبيح بعد دعمها للتنظيمات الحركية المحظورة.

زيارة أوباما للسعودية ليست الأولى ولكنها الأهم في التاريخ السعودي الأميركي. زيارته الأولى كانت خاطفة في طريقه إلى القاهرة عام 2009. ولم يدر في مخيلة الرياض حينها أن ضيف الأمس سيلتقي بجماعة محظورة في موطنها الأصل ليحرج الرئيس مبارك ثم يلقي خطابه الشهير أمام القيادات الإخوانية بفتح صفحة جديدة من العلاقات مع العالم الإسلامي. علاقات تبين لاحقا أنها مع التنظيم الدولي لتفتيت المنطقة العربية وتحويلها إلى دويلات تحت حكم الإخوان الذين رأوا في ذلك تحقيقا لحلم الخلافة الذي لا يضره التفتيت طالما أن تلك الأجزاء الصغيرة يمكن أن تكون تحت حكم “ولاة” يتبعون للمرشد العام بصفته “الخليفة”.

لاشك أن القضايا التي ستكون مطروحة للبحث شائكة ومنها ما لا تستطيع الإدارة الأميركية القيام بشيء حياله، هذا إذا لم تكن جميعها، في ظل ضعف الرئيس الأميركي. أميركا تجد نفسها عاجزة أمام الأحداث السورية ولا يمكنها تحقيق المطلب السعودي بإزاحة نظام بشار، وعدم تسليم سوريا للنظام الإيراني، وهي مطالب جعلت من السعودية الوحيدة في الساحة على ضوء العجز الأميركي والتخاذل التركي والمخاتلة القطرية ولعب الطرفين على الحبال السورية.

القضية الثانية التي تعجز الولايات المتحدة عن تحقيق أي تقدم إيجابي فيها تكمن في استعادة العراق من النفوذ الإيراني وسيطرة نظام ولاية الفقيه عليه بعد أن سلمه إليها بول برايمر. وتظل السعودية اللاعب الوحيد الذي يرغب في استعادة العراق إلى الحضن العربي مع عدم القدرة على التدخل المباشر في ظل حكومة موالية للولي الفقيه. القضية الثالثة العقوبات المفروضة على إيران والتي تسعى الرياض إلى عدم رفعها دون ثمن يعادل ذلك. ربما يكون هناك لدى أوباما ما يقدمه كضمانات لعدم رفع العقوبات دون ثمن، ربما، لأن ذلك يتفق والسياسة الأميركية تجاه إيران. ويمكن للرياض أن تثق، إلى حد ما، في التزام أميركي من هذا النوع مع حالة من الحذر، فما زالت التجربة التركية ماثلة للعيان بوصف تركيا الدولة الوحيدة، غير العراق، التي خرقت العقوبات الاقتصادية على طهران طيلة السنوات الماضية.

القضية الرابعة والتي أثبتت الإدارة الأميركية عجزها عن تحقيق أي تقدم فيها هي القضية الفلسطينية. مسألة المطالبات الأميركية لحكومة عباس بتقديم المزيد من التنازلات مثيرة للسخرية، فما الذي بقي للسلطة الفلسطينية لم تقدمه. المطلوب من الإدارة الأميركية تحريك المبادرة العربية، وهو ما لا تملكه في ظل الرئيس أوباما.

القضية الخامسة التي أعتقد أن الرياض لن تتركها دون بحث هي مسألة الدعم الأميركي للتنظيم الدولي للإخوان وتبني مشروع الخريف العربي. هنا قد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى الاستجابة للمطلب السعودي بإيقاف الدعم لسببين: الأول فشل مشروع تفتيت الدول العربية الأكثر تأثيرا مثل مصر ودول الخليج العربي خاصة بعد كشف الدور القطري والأدلة التي تملكها الحكومة السعودية لهذا الدور المشبوه. السبب الثاني يعود إلى طبيعة السياسة الأميركية البراغماتية التي ستجبرها على التراجع عن بعض مواقفها السابقة نتيجة للتغييرات التي طرأت على الساحة وأهمها سقوط الحلم الإخواني الأميركي القطري في الشرق الأوسط عامة والخليج خاصة. إضافة إلى ما سبق، فالتوجه السعودي نحو فرنسا والصين يشكل ضغطا على الإدارة الأميركية يعيه جيدا المُخَطِطُ الاستراتيجي الأميركي حتى وإن لم يكن الرئيس أوباما يعي ذلك.

ملف الإخوان محوري بالنسبة إلى السعودية ونجاحها في تحييد الدعم الأميركي للتنظيم الدولي معناه نهاية حقبة مريرة من التاريخ العربي، وهو ما يجعل الدويلة القطرية في وضع لا تُحسد عليه، خاصة وأنها ستلمس فشل مشروعها واقعا ماثلا أمامها، مما سيجعلها أمام خيار من أصعب الخيارات في تاريخها خصوصا أن شريكتها التركية، ممثلة في حكومتها، تصارع من أجل البقاء. الحقيقة التي أكاد أراها أن على دويلة قطر أن تختار بين تغيير سياستها والبقاء كإحدى دول الخليج، أو أن تبقى في عزلة كاملة، عدا بعض العقوبات المتوقعة التي قد تزيد الوضع القطري سوءًا لتتجرع الكأس الذي أرادت أن تسقيه لغيرها.

هل يمكننا اعتبار هذه الزيارة رحلة العودة من واشنطن للرياض؟


كاتب سعودي

9