واشنطن: الفيتو الروسي لا يمنع محاسبة طهران

بريطانيا أعدت مسودة القرار مع الولايات المتحدة وفرنسا منددة بانتهاك بإيران حظر السلاح المفروض على الحوثيين.
الأربعاء 2018/02/28
هناك أبواب أخرى للخروج منها من حصار فيتو روسيا

واشنطن - هدّدت الولايات المتحدة بالتحرك بشكل أحادي ضد إيران بعدما استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار غربي في مجلس الأمن الدولي ينتقد إيران ويتهمها بالتقاعس عن منع وصول أسلحتها إلى جماعة الحوثي في اليمن، فيما أقر المجلس بعد ذلك مشروع قرار منافسا اقترحته روسيا، لم يذكر إيران، وجدد عقوبات الأمم المتحدة على اليمن لمدة عام.

وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي للصحافيين خلال زيارة إلى تيغوسيغالبا، عاصمة هندوراس، “إذا كانت روسيا ستواصل التستر على إيران فستكون الولايات المتحدة وحلفاؤنا بحاجة إلى اتخاذ إجراء من تلقاء أنفسنا. إذا لم نحصل على إجراء في المجلس فسوف يتعين علينا عندئذ اتخاذ إجراءاتنا”.

ويمثل الفيتو الروسي هزيمة للولايات المتحدة التي تضغط منذ شهور لتحميل إيران المسؤولية في الأمم المتحدة، وهددت في نفس الوقت بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم بين إيران والقوى العالمية في 2015 إذا لم يتم إصلاح ما تصفها بأنها “عيوب كارثية” فيه.

وقالت هيلي “من الواضح أن هذا الفيتو لن يتخذ القرار بخصوص الاتفاق النووي. ما يمكنني قوله هو أنه لا يفيد”. وأضافت “لقد أثبت هذا فحسب صحة الكثير مما كنا نعتقد فيه بالفعل بأن إيران تحصل على تصريح من أجل أسلوبها الخطير وغير القانوني”.

وكانت بريطانيا أعدت مسودة القرار بالتشاور مع الولايات المتحدة وفرنسا. وسعت المسودة في بادئ الأمر إلى التنديد بإيران لانتهاكها حظر السلاح المفروض على الحوثيين وشملت التزاما من المجلس باتخاذ إجراء في هذا الشأن. لكن، أسقطت أحدث مسودة للقرار التنديد، سعيا للحصول على دعم موسكو، وعبّرت بدلا من ذلك عن القلق إزاء الانتهاك الذي أبلغ عنه خبراء من الأمم المتحدة يراقبون العقوبات مجلس الأمن.

قلق إيراني

سعت إيران إلى استغلال الموقف لصالحها، خصوصا على مستوى تخفيف التوتر الداخلي، والغضب المتواصل من الشعب ضد سياسات النظام. وقالت طهران إن استخدام روسيا الفيتو ضد قرار حول النزاع في اليمن في مجلس الأمن الدولي يدين إيران “يشكل فشلا جديدا للولايات المتحدة”. وصرح نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “الإدارة الأميركية حاولت خلال العام الماضي جر إيران مرة أخرى إلى مجلس الأمن وكل مرة تُمنى بالفشل (..) هذا دليل جديد على عزلة الأميركيين عن الساحة الدولية وقوة الجمهورية الإسلامية”، بحسب ما نقلت عنه وكالة “إيرنا”، المقربة من النظام.

 

أصبحت فرنسا وبريطانيا أقرب إلى الموقف الأميركي المتشدد مع إيران وسياساتها في الشرق الأوسط. وتجلى هذا التقارب من خلال التحذيرات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن برنامج إيران الصاروخي، ومن خلال إعلان لندن عن رغبتها في مواجهة “الأنشطة الإيرانية غير المرغوب بها” في المنطقة، مشيرة إلى تدخلاتها في سوريا والعراق واليمن. وجاء الفيتو الروسي في مجلس الأمن، ضد مشروع قرار لمعاقبة إيران على دعمها للحوثيين بالسلاح رغم العقوبات المفروضة عليهم، ليدعم اصطفاف باريس ولندن إلى جانب واشنطن والحلفاء في منطقة الشرق الأوسط لكبح إيران وتقليص نفوذها الذي يعد أحد أبرز أسباب عدم استقرار المنطقة

لكن، يحمل التصريح بين طياته صورة مناقضة للواقع ويخفي قلقا إيرانيا. فالموقف الروسي، وإن جاء في الظاهر لصالح إيران، إلا أنه لا يحملها إلى الاطمئنان والاعتقاد حقا بأن روسيا حليفة دائمة وفي كل الميادين. كما تعلم طهران أن موسكو تبحث عن موطئ قدم في اليمن، وتسعى من خلال علاقتها بطهران إلى استغلالها في اليمن، حيث تموّل الحوثيين، كما تستغلها في سوريا.

وتعلم إيران، أن هذا الفيتو، يمكن أن ينقلب عليها على المدى المتوسط والطويل، بمجرد أن تتغير معادلات الحرب في سوريا. كما لا يخفى أن وضع روسيا اليوم يفرض عليها الاعتراض على أي قرار تتزعمه الولايات المتحدة، في محاولة لنفي التقارير التي تتحدث عن خلاف تتسع هوّته بينها وبين إيران في سوريا، وأيضا في سياقات استحضار صورة باهتة مستمدة من أيام الحرب البادرة والصراع بين القطبين الأميركي والروسي/السوفييتي.

ولم ينف الفيتو الروسي التهمة على طهران بشكل قاطع، بل كان مرد رفضه للقرار الأميركي أن “تقرير الأمم المتحدة لا يحمل أدلة عن تورط مباشر للسلطات الإيرانية في إيصال الصواريخ إلى اليمن”، أي أن الأمر قابل للمتابعة والموقف قابل للتغير عندما تتوفر أدلة أخرى وتتغير المعطيات بما يمكن أن يقنع الطرف الروسي.

ويزداد قلق إيران، بالنظر إلى حدث آخر تزامن مع تصريحات نيكي هيلي وما حدث في مجلس الأمن، وهو التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، بشأن برنامج إيران الصاروخي المقلق، وهي تحذيرات عبر عنها في مناسبات عديدة وتكرارها يعني جدية موقف فرنسا، “حليفتها” في الاتفاق النووي.

وقال لودريان إن “طموحات إيران الصاروخية الباليستية مقلقة للغاية وتتنافى مع قرار للأمم المتحدة”. وأضاف خلال مؤتمر صحافي بعد محادثات مع نظيره الروسي سيرجي لافروف أنه “من الضروري الحيلولة دون أن يصبح برنامج إيران الباليستي عنصرا يهدد جيرانها”.

وعشية زيارة لودريان إلى روسيا للقاء نظيره الروسي، أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بيانا أعربت فيه عن قلق الإليزيه من برنامج الصواريخ الباليستية وأنشطة طهران في المنطقة. وكانت تصريحات وبيانات شبيهة صدرت عن مسؤولين رفيعي المستوى في فرنسا، منهم الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي قال إنه ينبغي إخضاع برنامج إيران للصواريخ الباليستية إلى مراقبة دولية.

وكان من المنتظر أن يزور الرئيس الفرنسي إيران لكن تأجلت الزيارة. وكان من بين أسباب التأجيل موقف الإدارة الفرنسية من برنامج الصواريخ الباليستية. وقد أعطت تصريحات المسؤولين الإيرانيين الاستفزازية باريس حجة قوية للتشبث بموقفها، ومن ذلك تصريحات مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الخارجية علي أكبر ولايتي، الذي حذّر ماكرون من التطرق إلى موضوع برنامج إيران الصاروخي خلال زيارته إلى طهران.

وقال ولايتي خلال استقباله وفدا فرنسيا على هامش الملتقى الفكري للضيوف الأجانب في طهران، “إذا طرح ماكرون خلال زيارته إلى طهران موضوع التفاوض بشأن قدراتنا الصاروخية، فمن المؤكد أنه سيواجه ردا سلبيا”، مضيفا أن “إيران لن تحتاج إلى إذن من أي دولة بشأن قدراتها الصاروخية وستواصل تنمية القدرات الصاروخية بما يتناسب مع احتياجاتها الدفاعية”.

وتكشف مثل هذه التصريحات أنه لم يكن بنية إيران يوما الالتزام بأي قواعد يفرضها الانخراط في المنظومة الدولية، كدولة “حليفة”، كما تؤكد على أن إيران لم تكن بعيدة في أي فترة ما عن التفكير في تفعيل جانب عسكري لبرنامجها النووي، وبرنامج الصواريخ، كما الميليشيات المسلحة في المنطقة، هي جزء من العقل الاستراتيجي الإيراني ولا يمكن التخلي عنها.

Thumbnail

بند الغروب

يتأكد يوما بعد يوم أن العائد الأساسي للاتفاق النووي بالنسبة لإيران ينحصر فقط في كسب المزيد من الوقت. ويرتبط الوقت هنا بقدرتها (إيران) على إعادة تنشيط برنامجها النووي من جديد في مرحلة لاحقة، وتحديدا بعد عشرة أعوام من الوصول إلى الصفقة، أي في العام 2025. ولذا لم يكن مفاجئا أن يكون أحد التحفظات الرئيسية التي تبديها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاتفاق مرتبطا بما يسمى بـ”بند الغروب”.

ويقضي هذا البند برفع بعض القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية تدريجيا بداية من العام 2025، بما يعني أنه سيحق لإيران في هذه المرحلة استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تطورا في عمليات تخصيب اليورانيوم، بشكل يمكن أن يحقق طفرة جديدة في برنامجها النووي وفي الوقت نفسه يجنبها المغامرة بالتعرض لعقوبات دولية قاسية كتلك التي فرضت عليها قبل الصفقة، وبالتالي تطوير برامجها النووية والصاروخية.

لا ينفصل ذلك عن الاهتمام الخاص الذي أبدته إيران بوثيقة العقيدة النووية الجديدة التي كشفت عنها الإدارة الأميركية مؤخرا. وتطرح هذه الوثيقة، في رؤية طهران، دلالات عديدة تتصل بالجدل الدائر حاليا حول جدوى الاستمرار في الاتفاق النووي.

وتشير الوثيقة إلى أن واشنطن قد تلجأ إلى استخدام السلاح النووي لمواجهة تهديدات استراتيجية محتملة لمصالحها، حتى لو كان مصدر تلك التهديدات دول لا تمتلك مثل هذه النوعية من الأسلحة، على غرار إيران.

وباتت طهران ترى أن شروط استخدام هذا السلاح، طبقا للوثيقة الجديدة، لم تعد صعبة أو مقيّدة، مع تعمد الإدارة الأميركية زيادة عدد الأطراف المستهدفة منها وتوسيع نطاق الحالات التي يمكن أن تستخدم فيها. ومن هنا، فإن بعض التيارات المتشددة داخل طهران ترى أن هذه التطورات لا تترك خيارات متعددة لطهران. فالخطر أصبح داهما، بعد أن باتت واشنطن تكشف بوضوح عن سعيها إلى تقويض “القوة” الإيرانية.

وكان وزير الخارجية محمد جواد ظريف أشار إلى أن تلك الوثيقة “تجعل البشرية أقرب إلى الفناء”. ودائما ما تظهر الأفكار الخاصة بالحصول على السلاح النووي عندما يتزايد الشعور باقتراب الخطر من حدود إيران، وهو ما حدث على سبيل المثال، عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين في عام 2003، حيث اعتبرت طهران أنها قد تكون الدولة التالية التي قد تتعرض للسيناريو نفسه.

 إيران تسعى إلى استغلال السياسة الأميركية من أجل الدفاع عن موقفها الرافض لتقديم تنازلات في ملف الصواريخ الباليستية، أو حتى مجرد الدخول في مفاوضات حوله مع القوى الدولية المعنية بالاتفاق النووي

وترسخ هذا الشعور بعد قيام إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بوضع إيران ضمن بـ”محور الشر” مع كوريا الشمالية وسوريا، وظهور رؤى داخل الولايات المتحدة ترى أن إيران كانت الدولة التي تستحق أن تتعرض للتدخل العسكري الأميركي. وكان لافتا في الفترة الأخيرة ظهور مبادرات داخل طهران تدعو إلى ضرورة الانسحاب من الاتفاق النووي ردا على الإجراءات التي تتبناها واشنطن ضد إيران. وفقا لذلك، فإن التكلفة التي ستتحملها إيران في حالة ما إذا تبنت هذه الخطوة ستكون أقل وطأة من تداعيات الاستمرار في الالتزام باتفاق يقيد أنشطتها النووية والصاروخية ويوقف التقدم الملحوظ الذي تحقق في الفترة السابقة على الوصول إليه.

وسائل النقل

تسعى إيران إلى استغلال السياسة الأميركية من أجل الدفاع عن موقفها الرافض لتقديم تنازلات في ملف الصواريخ الباليستية، أو حتى مجرد الدخول في مفاوضات حوله مع القوى الدولية المعنية بالاتفاق النووي.

وتستند طهران في ذلك إلى أن العقيدة النووية الأميركية ترغمها على الاستمرار في إنتاج كل الأسلحة الضرورية للدفاع عن نفسها، حسب ما أكد الرئيس حسن روحاني.

وترمي إيران بذلك الكرة في الملعب الأوروبي تحديدا، حيث تسعى من خلال هذا الموقف إلى توجيه رسائل مباشرة للدول الأوروبية تفيد بأنها لن تدخل في جولات حوار جديدة حول البرنامج الصاروخي في ظل التهديدات الأميركية المستمرة لأمنها ومصالحها.

لكن المسألة هنا لا تنحصر فقط في مجرد امتلاك أسلحة نوعية لمواجهة أي هجوم عسكري محتمل، وإنما تمتد، وهذا هو الأخطر، إلى تطوير وسيلة النقل الرئيسية التي يمكن أن تستخدمها إيران في شن هجمات نووية افتراضية في حالة ما إذا فكرت في إعادة تنشيط الجانب العسكري لبرنامجها النووي.

من هنا، يمكن تفسير إصرار الإدارة الأميركية على ضرورة إجراء عمليات تفتيش على بعض المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية، وذلك لإثبات عدم التزام إيران بالاتفاق النووي حرفيا ولتأكيد عدم جديتها في نفي السعي للحصول على القنبلة النووية، وبالتالي التأكيد على صحة بقية التقارير التي تدين إيران في مختلف الملفات.

وتكشف كل هذه التطورات المتداخلة في مجملها أن التصعيد الإيراني-الأميركي قد يتخذ منحى جديدا خلال المرحلة القادمة، في ظل الإجراءات التي وعدت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة باتخاذها، مهما كان موقف مجلس الأمن، فالأدلة كثيرة على انتهاكات إيران والحلفاء المؤيدون لاستراتيجية تحجيمها كثر، من دول المنطقة إلى القوى الأوروبية، التي بدأت تعي أنه لا يمكن جمع كل الملفات الإيرانية في سلة واحدة مع الاتفاق النووي، وأن هذا الأخير يحتاج بدوره إلى وقفة تأمل ومراجعة.

6