واشنطن بوست تعيد الأمل في انتعاش الصحافة المطبوعة

شكل إعلان صحيفة واشنطن بوست بتعيين العشرات من الصحافيين بداية العام المقبل، بارقة أمل لقطاع الصحافة المطبوعة الذي يتداعى منذ سنوات، وهو ما يؤكد نجاح استراتيجية الصحيفة الأميركية المعتمدة على تطوير المحتوى الرقمي قبل كل شيء، لإدارة أزمة تراجع النسب في التوزيع وفي إعلانات النسخة المطبوعة.
الجمعة 2016/12/30
المحتوى الرقمي أنقذ الصحيفة المطبوعة

واشنطن – أعلنت صحيفة واشنطن بوست عزمها توظيف صحافيين جدد خلال العام المقبل، ما شكل مفاجأة في قطاع الصحافة، الذي ينعى منذ سنوات الصحافة المطبوعة، ويهدد العاملين فيها بالاستغناء عن خدماتهم مع استمرار أزمة التمويل والإعلانات في كل دول العالم، فعام 2016 شهد إغلاق العديد من المؤسسات الصحافية العريقة مجال نسخها الورقية والاكتفاء بالمحتوى الرقمي الإلكتروني فقط.

وقال فريد ريان الناشر والرئيس التنفيذي للصحيفة لموقع “بوليتيكو” الإخباري على الإنترنت “سنضيف العشرات من الصحافيين الجدد.. لقد نظرنا إلى ما حقق لنا النجاح خلال 2016 وبدأنا نستثمر فيه. مازلنا نفعل ذلك على الصعيد الداخلي”.

ويتوقع التقرير الإخباري توظيف أكثر من 60 صحافيا جديدا في “واشنطن بوست” خلال العام المقبل بما يعادل 8 بالمئة من قوة عمل الصحيفة ليصل عدد الصحافيين في الجريدة إلى أكثر من 750 صحافيا، نحو ثلثهم يعملون في الإصدار القومي للصحيفة.

ويبلغ عدد الصحافيين في “نيويورك تايمز” المنافسة حوالي 1307 صحافيين، وتضم صحيفة “يو.إس.أيه توداي” حوالي 450 صحافيا وتضم “وول ستريت جورنال” حوالي 1500 صحافي.

ويعدّ توظيف صحافيين جدد خبرا مهما في عالم الصحافة المطبوعة في ظل اتجاه أغلب الصحف الغربية بما في ذلك نيويورك تايمز وبوسطن غلوب ونيويورك تايمز إلى الاستغناء عن العديد من العاملين فيها.

واضطرت نيويورك تايمز إلى الاستغناء عن طاقم كبير من أعرق صحافييها الحائزين على جوائز “بوليتزر” بسبب عدم تطوير أدائهم الرقمي. عقب انهيار نسب التوزيع إلى أدنى مستوى منذ نصف قرن تقريبا، وبسبب ازدياد الهوة بين الآباء المؤسسين لتاريخ الصحيفة العريقة والأبناء الذين يرون المستقبل في تطوير المحتوى الرقمي.

وصرح رئيس التحرير التنفيذى دين بوكيت ورئيس مجلس الإدارة مارك تومسون أن تلك القرارات الصعبة بالإطاحة بعدد كبير من نجومها الحائزين على جوائز بوليتزر، هو أكثر القرارات شجاعة؛ لأن المستقبل لا يمكن أن تتمّ إدارته بأفكار الماضي، على حدّ قولهما.

ودشن بوكيت بعد ذلك إعادة لهيكلة غرفة الأخبار بالصحيفة العريقة؛ حتى تتماشى مع نظم العمل بالمحتوى الرقمي، ولتغيير طريقة تفكير صحافييها، ورفع شعار “المحتوى الرقمي أولا وقبل كل شىء”.

فريد ريان: لقد نظرنا إلى ما حقق لنا النجاح خلال 2016 وبدأنا نستثمر فيه

ويبدو أن واشنطن بوست استطاعت تحقيق نتائج هذا الشعار قبل نيويورك تايمز، ويرى خبراء في الإعلام أن هذا الأمر بدأ مع استحواذ “أمازون” على “واشنطن بوست” الذي جعلها تعتمد على استراتيجية جديدة أحدثت ثورة في أرباحها، بحيث تكمن استراتيجية “واشنطن بوست” الجديدة في تطوير المحتوى الرقمي بصورة هائلة لتغطية خسائر الورقي.

واعتمد جيف بيزوس مؤسس أمازون، استراتيجية جديدة لإدارة أزمة تراجع النسب في التوزيع وفي إعلانات النسخة المطبوعة للصحيفة، من خلال التطوير الشامل والكبير للمحتوى الرقمي الخاص بالمؤسسة؛ حتى يتمكن من تحقيق أرباح هائلة تتمكن من تغطية الخسائر الفادحة التي لحقت بالمؤسسة نتيجة استمرارها في المحتوى المطبوع.

واهتمّ بيزوس بتطوير غرفة الأخبار الخاصة بالصحيفة، بحيث تتماشى بالأساس مع المحتوى الرقمي، وجعل المحتوى المطبوع على هامش ما تقدمه المؤسسة، وبات الصحافيون يعملون أساسا في الموقع ويقدمون مختلف أنواع المحتوى الرقمي من المكتوب والمصور والمرئي، وباستخدام الوسائط المتعددة، ثم يتمّ انتقاء جزء من تلك الأعمال ليتم نشره في النسخ المطبوعة.

ونظمت أمازون مجموعة من الدورات التدريبية الشاملة لصحافيي “واشنطن بوست” بهدف تطوير أدائهم بما يتماشى مع الثورة الجديدة، وتمّ استقطاب عناصر جديدة قادرة على التعامل وفق الاستراتيجية الجديدة، التي جعلت فعليا الموقع يتفوق على منافسيه في السوق الأميركية، وأبرزهم “نيويورك تايمز” ، وحتى موقع “بيزفييد” الشهير، الذي يقدم المحتوى الرقمي في كل المواقع الأميركية والعالمية المنافسة.

يذكر أن موقع أمازون استحوذ على صحيفة واشنطن بوست عام 2013 مقابل 250 مليون دولار أميركي، وهو ما تسبب في نقلة كبيرة بالنسبة إلى المؤسسة التي كانت تعانى من ترهل إداري واسع النطاق وتراجع كبير وخسائر فادحة كادت تؤدي إلى توقفها نهائيا عن الصدور بعد أكثر من 138 عاما.

ويرى خبراء أن الصحف في السابق كانت تطبع من أجل توصيل المعلومات، وهو ما بات غير مجد الآن؛ لذلك ينبغي أن يركز الناشرون على وضع السبب الرئيسي لطباعتهم للصحف، هل تقديم التحليل والرأي الحصري؟ أم تقديم خدمات إعلانية وصحافة خدمية غير متوفرة على أي محتوى رقمي آخر؟

وأضاف الخبراء: ينبغي أن يطرحوا على أنفسهم سؤالا مهما؛ لماذا سيقرر القارئ أن يدفع مقابلا ماديا من أجل شراء صحيفتنا؟

واعتبروا أن الرثاء على الصحافة المطبوعة لن يبقيها على قيد الحياة، بل ينبغي أن يكون إنعاشها بالأفكار الطازجة، وتغيير طريقة التفكير في سبب طباعة الصحف.

وتحدثوا عن القيم الصحافية الرئيسية مثل حماية حرية التعبير والليبرالية، التي لا يمكنها أن تجعل الصحيفة قائمة ومستمرة، إذ ينبغي أن يديرها فكر تجاري استثماري حتى يمكنها من البقاء، وذلك دون الإخلال بالقيم الصحافية.

يضاف إلى ذلك أن الهروب من الآثار التجارية للثورة التكنولوجية على الصحافة المطبوعة سيدمر بالكامل آليات تمويلها، بل الإيمان بها هو ما سيؤدي إلى إحداث التكامل.

وأكد الخبراء أن الاعتماد على الاشتراكات المسبقة، يمكن أن يكون طوق النجاة الرئيسي بالنسبة إلى الصحافة المطبوعة، ولكن هذا بعد تغيير طريقة التفكير في المحتوى المقدم؛ لحمل المشترك على أن يدفع قيمة اشتراك ثابتة من أجل الاحتفاظ بتلك الصحيفة أو المجلة.

18