واشنطن تباغت كابول والحلفاء بتقليص جنودها في أفغانستان

الحكومة الألمانية تدعو الولايات المتحدة الأميركية إلى فتح المزيد من قنوات الحوار في أفغانستان لتوضيح خططها.
السبت 2018/12/22
عزف على انفراد

يرى متخصصون في الملف الأفغاني أن قرار أميركا سحب جزء من قواتها المتواجدة في أفغانستان هو بمثابة منح انتصار تكتيكي ضخم لحركة طالبان من دون أن تكون مرغمة على تقديم أدنى تنازل، فيما باغتت الاستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة حكومة كابول والحلفاء الغربيين على حد السواء.

كابول - عبّر المسؤولون الأفغان والشركاء الغربيون للولايات المتحدة الجمعة، عن عدم الارتياح لتقارير تشير إلى أن واشنطن تخطط لسحب أكثر من خمسة آلاف من بين 14 ألفا من جنودها في أفغانستان، بعد تحركات مبدئية لإجراء محادثات سلام.

ورغم أن هناك تقبلا متزايدا في كابول لحقيقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يطيق صبرا على تحقيق تقدم نحو إنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاما، فقد جاء تعليق من مسؤول أميركي بأن اعتزام ترامب سحب ما لا يقل عن خمسة آلاف جندي بالإضافة إلى استقالة وزير الدفاع جيمس ماتيس، يعد بمثابة مفاجأة.

وكان ماتيس يُعتبر على نطاق واسع في أفغانستان ضامنا للدور الأميركي هناك، حيث سيخلف رحيله حتما مخاوف لدى الكثير من المسؤولين الأفغان.

وجاءت الأنباء بعد اجتماع استمر يومين في العاصمة الإماراتية أبوظبي بين مبعوث الولايات المتحدة الخاص للسلام زلماي خليل زاد وممثلين من حركة طالبان بحث خلاله الطرفان مسألة سحب القوات الأجنبية ووقف إطلاق النار في 2019.

ولأن الخطط لا تزال غير مؤكدة ومن المتوقع عقد المزيد من الاجتماعات في السعودية في أوائل يناير القادم، فليس من الواضح إن كان وقف إطلاق النار وشيكا وإن كانت الأنباء تبشر بتسوية أشمل.

وقال مسؤول رفيع في الحكومة الأفغانية “سيؤثر الانسحاب قطعا على العمليات بوجه عام لكن ينبغي لنا التريث والانتظار لنرى أي الوحدات ستعود إلى وطنها أولا، من السابق لأوانه قول أي شيء في الوقت الراهن”.وأضاف “استنادا إلى رد فعل طالبان، فقد تطلب الحكومة من القوات تقليص عملياتها”، لكن هارون شاكانسوري المتحدث باسم الرئيس أشرف غني قال إن الانسحاب لن يؤثر على الوضع الأمني بشكل عام لأن دور القوات الأميركية يتمثل في مساعدة القوات الأفغانية وتقديم المشورة لها. وللولايات المتحدة نحو 14 ألف جندي في أفغانستان في إطار مهمة حلف شمال الأطلسي المعروفة باسم الدعم الحازم بالإضافة إلى بعثة أميركية منفصلة لمكافحة الإرهاب تعمل بشكل أساسي ضد جماعات متشددة مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة.

وإلى جانب ذلك يوجد نحو 8000 جندي من 38 دولة أخرى ضمن مهمة الدعم الحازم يقدمون التدريب والدعم للقوات الأفغانية.

ونقل مسؤول كبير في طالبان عن الناطق باسم الحركة ذبيح الله مجاهد قوله “لم نكن نتوقع استجابة فورية من جانب الأميركيين، نتوقع المزيد من الأخبار السارة”.

ذبيح الله مجاهد: لم نكن نتوقع استجابة فورية من واشنطن، نتوقع المزيد من الأخبار السارة
ذبيح الله مجاهد: لم نكن نتوقع استجابة فورية من واشنطن، نتوقع المزيد من الأخبار السارة

وفي ظل سيطرة المتشددين على مساحات كبيرة من البلاد وتكبد القوات الأفغانية المنهكة خسائر في الأرواح تقدر بالآلاف كل شهر فإن حتى انسحابا جزئيا للولايات المتحدة قد يقلص لدى طالبان الدافع  إلى إبرام اتفاق ويقوض استعداد القوات الأفغانية للقتال.

ويشير المحلل مايكل كوغلمان من مركز “ويلسن” في واشنطن إلى أن المتمردين “حصلوا على الانسحاب الذي لطالما أرادوه من دون تقديم تنازلات، وحتى من دون التوصل إلى اتفاق” سلام.

ويضيف “الآن، لديهم أفضلية كبيرة في ساحة القتال، تعطيهم فرصة لتكثيف -إلى حد كبير- نضالهم المسلح”.

وقال دبلوماسي غربي من إحدى الدول الأعضاء في مهمة الدعم الحازم “كلنا نعرف أن الروح المعنوية للقوات الأفغانية في أدنى مستوياتها فهي تفتقر إلى العتاد ولا يتقاضى أفرادها أجورا تذكر كما يفتقرون إلى التنسيق، ندربهم بأفضل الإمكانات المتاحة لنا”. وسيمثل انسحاب هذا العدد الكبير من القوات تحولا مفاجئا في الاستراتيجية الأميركية التي أعلنت قبل عام والتي شهدت إرسال آلاف الجنود إلى أفغانستان وتكثيف الضربات الجوية للضغط على طالبان كي تشارك في محادثات.

ولكن الدبلوماسيين يتندرون منذ شهور بالحديث عن “التغريدة المسلطة” على رقبة أفغانستان في إشارة إلى المخاوف من أن ترامب قد يعلن فجأة عبر موقع تويتر عن سحب قواته من أفغانستان.

وفي ظل عدم التأكد بعد من التقارير الصادرة من واشنطن، لم يصدر أي تعقيب من مقر المهمة التي يقودها الحلف الأطلسي في كابول لكن بدا أن الأنباء أخذت بعض الحلفاء على حين غرة.

وقال دبلوماسي غربي في كابول “الولايات المتحدة لم تتشاور معنا بشأن الانسحاب و سنبدأ اجتماعات لبحث الأمر”.

وأضاف “سيستغرق الأمر بعض الوقت وهناك بعض الدول المستعدة للخروج. ومن ثم فإنها (الولايات المتحدة) قد تكون أول من يرحل من هنا”. وذكر دبلوماسي بارز آخر في كابول أن الدول التي عليها التزامات عسكرية أو تنموية قد تضع خططها الآن بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية في البلاد.

وقال مسؤول أمني كبير يعمل لدى منظمة دولية إن الأنباء ستهز المسؤولين والعسكريين  الأفغان، مضيفا “نراقب عن كثب كيف سيكون رد فعل النخبة السياسية وصناع السياسة الأفغان تجاه ذلك… كثيرون أطلعونا على خططهم للانسحاب والآن قد نراهم ينفذونها”.

ودعت الحكومة الألمانية إلى فتح المزيد من قنوات الحوار لتوضيح هذه الخطط. وقال متحدثان باسم وزارتي الدفاع والخارجية الألمانيتين إن هناك حاليا اتصالات مع شركاء حوار في الولايات المتحدة في هذا الشأن.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية “الولايات المتحدة تشكل قواما جوهريا للغاية في هذه المهمة. إنها تمثل القيادة والعمود الفقري للمشاركة الدولية في أفغانستان. إنها شريك لا يمكن الاستغناء عنه حقا”.

وكشف تقرير رسمي نشرته وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن التصريحات المتفائلة حول تحسّن الوضع الأمني في أفغانستان لا تتفق مع الواقع، إذ أن الوضع الميداني يظهر “مؤشرات قليلة جدا” على حصول تقدم على الصعيد الأمني بعد 17 عاما من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة لهذا البلد.

5