واشنطن تبحث عن نفوذ ضائع في أفريقيا

مساعي واشنطن للتقدم إلى القارة الأفريقية بإستراتيجية تخط من خلالها علاقاتها المستقبلية مع دول المنطقة اصطدمت بواقع الحال الذي تفرضه أوروبا الحاضرة تاريخيا في أفريقيا.
الجمعة 2020/02/21
الصينيون أكثر إستراتيجية في تعاملهم مع القارة مقارنة بالأميركيين

واشنطن- تأمل الولايات المتحدة في إدخال تحديثات طارئة على سياساتها الأفريقية على نحو يراد منه الالتحاق بما حققته الصين داخل القارة السمراء. وأتت الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى عدد من الدول الأفريقية ضمن مساع تنخرط فيها الدبلوماسية الأميركية لاستعادة نفوذ الولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية بعد سنوات من التردد أتاحت لبكين اختراق المنطقة وتوسيع هيمنتها داخل منطقة لطالما كانت محسوبة على النفوذ الغربي منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية.

وكان بومبيو بدأ جولة أفريقية السبت الماضي قادته إلى السنغال وأنغولا وإثيوبيا. ويرى محللون أن مهمة بومبيو لم تكن سهلة لاسيما في تفسيره لمجموعة من الرسائل المتناقضة التي أطلقتها بلاده خلال السنوات الأخيرة والتي عكست تخبطا في بوصلة واشنطن إزاء سياساتها في القارة الأفريقية.

وتراوحت هذه الرسائل بين التهديد بسحب القوات الأميركية من منطقة الساحل التي مزقتها الحرب، وصولا إلى حظر سفر مواطني بعض بلدان المنطقة إلى الولايات المتحدة، بما وضع قيودا على تأشيرات الهجرة لمواطني إريتريا ونيجيريا والسودان وتنزانيا.

والمشكلة كما يراها خبراء في الشؤون الأفريقية هو أن مساعي الولايات المتحدة للتقدم إلى القارة الأفريقية بخطة إستراتيجية واضحة تخط من خلالها علاقاتها المستقبلية مع دول المنطقة لطالما اصطدمت بواقع الحال الذي تفرضه دول الاتحاد الأوروبي الحاضرة تاريخيا في أفريقيا.

واشنطن نظرت إلى أفريقيا كمشكلة يتعين حلها، في حين اعتبرتها بكين منطقة تزخر بالفرص الواعدة

 وكانت المفوضية الجديدة للاتحاد الأوروبي، والتي بدأت تمارس أعمالها منذ ديسمبر الماضي قد سارعت إلى صياغة مقاربة جديدة للقارة، من خلال برامج لتعزيز التجارة ودعم الاتحاد الأفريقي.

ويعيب الأوروبيون على واشنطن عدم جديتها في إقناع البلدان الأفريقية بخطط ناجعة مقنعة بإمكانها منافسة التجمعات والدول الكبرى المهتمة بشؤون هذه المنطقة. ويقول ألفونسو ميدينيلا، مسؤول السياسة في المركز الأوروبي لإدارة سياسات التنمية، إن “القرارات التي تصدر من واشنطن ليست تعبيرا عن إستراتيجية أو طموحات متكاملة للولايات المتحدة للشراكة مع أفريقيا”، وكان بذلك يعلّق على قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب حظر التأشيرات عن مواطنين أفارقة كما القرار المرتقب لخفض الإنفاق العسكري في أفريقيا.

وللمفارقة فقد جاءت زيارة بومبيو الثلاثاء الماضي إلى أديس أبابا، حيث التقى برئيس وزراء البلاد أبي أحمد، بعد أيام على وصول رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل. وكانت الرسالة الأوروبية جلية من حيث أن بروكسل تريد شراكة إستراتيجية أعمق مع أفريقيا تعود بالنفع لكلا الجانبين. وفيما راقب الأفارقة باهتمام ما يمكن أن يتسرّب من جولة بومبيو من أعراض لسياسة أميركية أخرى في أفريقيا، فإن الأفارقة،  غير واثقين حتى الآن أيضا بجدية التحولات التي يعبر عنها الأوروبيون تجاه قارتهم.

ويقول مسؤولو الاتحاد الأوروبي إن أوروبا تعد آليات مالية جديدة مصممة لضمان الاستثمار الخاص في مشاريع البنية التحتية حتى تتمكن أفريقيا من تحقيق هدفها الصعب المتمثل في تنفيذ منطقة تجارة حرة على مستوى القارة.

بالمقابل، وعلى الرغم من أن بومبيو قال إن “الشركات الأميركية تتطلع إلى الدخول” إلى إثيوبيا وتحديد أولويات الاستثمارات التي “تدعم الشفافية والسيادة”، فمن غير الواضح ما إذا كانت رسالة الوزير الأميركي لقيت آذانا صاغية ومصدقة للتحول الأميركي الجديد.

ويشكك القادة الأفارقة عادة بإستراتيجية الولايات المتحدة بشأن أفريقيا، ويعتبرون أن هدفها مصارعة القوى العالمية، مثل الصين وروسيا، ومنع تمددها داخل الأفارقة، أكثر من اهتمامها بأحوال وشؤون وحاجات بلدان أفريقيا. ويسود اعتقاد في المنطقة بأن سياسة واشنطن المرتبكة حيال القارة السمراء لطالما تحمل ماء إلى طواحين موسكو وبكين في أفريقيا.

الأوروبيون يعيبون على واشنطن عدم جديتها في إقناع البلدان الأفريقية بخطط ناجعة بإمكانها منافسة التجمعات والدول الكبرى
الأوروبيون يعيبون على واشنطن عدم جديتها في إقناع البلدان الأفريقية بخطط ناجعة بإمكانها منافسة التجمعات والدول الكبرى

ويقول موريثي موتيغا، وهو مدير مشروع القرن الأفريقي في مجموعة الأزمة الدولية، التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، إنه “منذ فترة طويلة، نظر صناع السياسة الأميركيون إلى أفريقيا كمشكلة يتعيّن حلها، في حين أن بكين تعتبر القارة منطقة تزخر بالفرص الواعدة”.

ويوضح موتيغا “لقد كان الصينيون، على الأقل خلال العقدين الأخيرين، أكثر إستراتيجية في تعاملهم مع القارة، فيما لدينا شعور بأن الولايات المتحدة لا تفعل إلا محاولة اللحاق بالركب الصيني”.

وبدا أن زيارة بومبيو للسنغال وأنغولا وإثيوبيا، وهي الزيارة الأولى لمسؤول حكومي أميركي لأفريقيا منذ حوالي 19 شهرا، تهدف إلى محاولة تعويض هذا التأخر ومحاولة تفعيل سياسات جديدة على أمل أن تكون منافسة لما أنجزته الصين.

وفي محادثاته مع وزير الخارجية الإثيوبي جيدو أندرغاشو، أشاد بومبيو بالإصلاحات الجارية من قبل حكومة أبي، كما أكد على مواصلة الجهود الأميركية في محاربة حركة الشباب في الصومال، وأعلن أيضا في مجال آخر أن الولايات المتحدة ستقدم مبلغ 8 ملايين دولار للحد من انتشار أسراب الجراد في كينيا والصومال وإثيوبيا.

لكن ستيفن تشان، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة SOAS في لندن، يرى أن مثل هذه العناوين الرئيسية ليست كافية ومن غير المرجح أن تتمكن من إزالة “الإهانة” التي شعر بها الأفارقة جراء قرار إدارة ترامب معاقبة أفريقيا وحجب تأشيرات الدخول عن مواطني بعض بلدانها. ويعلق تشان ساخرا بأنه “يتم استقبال بومبيو بأدب شديد. إنه شخص مهم للغاية. وفرش له السجاد الأحمر، لكن ذلك لن يخفي شكوكا من جانب معظم رؤساء الحكومات الأفارقة حيال مرامي واشنطن وأساليب تحقيقها في قارتهم”.

6