واشنطن تبشر بعودة العمل بقواعد النظام العالمي القديمة

مايك بومبيو يذكّر الحلفاء بواجب الدفاع عن الحريات ومواجهة الأنظمة السلطوية مثل الصين وروسيا.
السبت 2019/11/09
سعي لإزالة الصدأ عن العلاقات القديمة

قدم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو صورة مختلفة عن العلاقات الأميركية الغربية، عما راج منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة. وتحدث بومبيو عن المصالح المشتركة ووضع الغرب في سلة واحدة داعيا بلاده والحلفاء إلى الدفاع عن “المكاسب التي تحققت بشق الأنفس في 1989”، وإلى إعادة إحياء التصنيف الثنائي السابق، الشرق والغرب، في مواجهة “الدول غير الحرة” وتحديدا روسيا والصين.

برلين – تعكس المواقف التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الخميس في برلين توجها مختلفا يسعى إلى إعادة  تصويب القراءة التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب للمشهد الدولي، بما يعيد تموضع الولايات المتحدة وفق قواعد النظام العالمي القديم لجهة اعتبار نفسها زعيمة لـ”العالم الحر”.

ويلفت خبراء في الشؤون الإستراتيجية إلى رمزية المكان في برلين باعتباره ذا وقع تاريخي يذكر بقيم غربية واحدة بين أوروبا والولايات المتحدة. وجاءت زيارة بومبيو بمناسبة مرور 30 عاما على سقوط جدار برلين. ودعا خلالها “ألمانيا والحلفاء الغربيين إلى الدفاع مجددا وعلى نحو مستمر عن الحرية”.

إلى جانب الحديث عن الماضي “الثوري” المشترك ضد الاستبداد و”صراع الدول الحرة مع الدول التي تقيد الحريات”، كان لافتا حديث بومبيو عن روسيا يقودها “ضابط سابق في المخابرات السوفيتية كان متمركزا في دريسدن”، و”تغزو جيرانها وتقتل المعارضين السياسيين”. والصين التي تصوغ “رؤية جديدة للسلطوية” وتتبع أساليب “مشابهة بشكل مروع” للأساليب التي كانت متبعة في ألمانيا الشرقية السابقة.

كما تطرق بومبيو أيضا إلى حلف شمال الأطلسي الذي قال عنه إنه “الناتو يواجه خطر الانقراض إذا لم تساهم الدول الأعضاء بما يكفي من أجل الدفاع المشترك”، لكنه وصف، خلال مؤتمر مع نظيره الألماني هايكو ماس الحلف بأنه أحد أهم التحالفات على مر التاريخ، وأضاف أنه لا يزال حاسما، فيما قال ماس “لا أعتقد أن الحلف مات إكلينيكيا”.

تصريحات لافتة

ماكرون يحمّل واشنطن مسؤولية العبث بقواعد الحلف الغربي العسكري
ماكرون يحمّل واشنطن مسؤولية العبث بقواعد الحلف الغربي العسكري

اعتبرت هذه التصريحات ردا على تصريحات الرئيس الفرنسي الذي وصف الناتو بـ”الميت سريرا”. وبدا أن ماكرون يحمّل واشنطن مسؤولية العبث بقواعد الحلف الغربي العسكري بعد السماح لتركيا، إحدى الدول الأعضاء، بالقيام، من خلال حملتها العسكرية الأخيرة في شمال سوريا، بإباحة تفرد دولة أطلسية بالقيام بأنشطة عسكرية خطيرة، وقد تكون مناقضة لمصالح بقية الدول الأعضاء، دون أي تنسيق مع الحلف أو تغطية منه.

وفي ذات السياق ذهب عضو مجلس الشيوخ الأميركي الديمقراطي، السيناتور كريس مورفي، محذّرا من شرخ تاريخي قد يحصل داخل الحلف الأطلسي بما قد يكون هدية مجانية لروسيا.

ويعد حرص الوزير الأميركي على تحسين صورة الناتو وتصريحاته الأخيرة أمرا لافتا، خاصة أنه يأتي معاكسا لتصريحات وانتقادات سابقة أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لم يخف مواقفه المعادية لمنظومات غربية أساسية، مثل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وكان ترامب وصف الناتو بأنه هيئة “عفا عليها الزمن”، كما أدلى بتصريحات شديدة القسوة ضد الحلفاء وخطط الإنفاق الدفاعي، وقد جاءت انتقاداته في بعض الأحيان بلهجة أشد قسوة من مواقفه حيال دول مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية، ما أوحى بتراجع المفهوم الغربي عن العقل الأمني الأميركي مقابل الترويج للعقل الماركنتيلي العزيز على قلب الرئيس الأميركي. لكن، يبدو أن التوجه الأميركي الجديد فرض إعادة صياغة الخطاب وتهدئة اللهجة، فـ”مواجهة الأنظمة السلطوية وحماية الحرية مهمة صعبة تحتاج مزيدا من الجهد المشترك من أعضاء الناتو”، وفق بومبيو.

ويشير الخبراء إلى أن صدور مواقف بومبيو ضد روسيا والصين من العاصمة الألمانية كان يهدف إلى التظلل بالمظلة الأوروبية الغربية الشاملة، وعدم وضع انتقاداته لموسكو وبكين داخل إطار النزاعات الثنائية بينهما وبين واشنطن.

وتعتقد مصادر دبلوماسية أوروبية أن موقف بومبيو قد يؤشر إلى تحول هدفه إعادة ترتيب الأجندة الإستراتيجية الأميركية وفق قاعدة الغرب والشرق. بيد أن هذه المصادر ترى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الأدلة، والتي يجب أن تعبر عنها كافة المؤسسات الأمنية والسياسية الأميركية وفي مقدمها البيت الأبيض.

وتشكك هذه المصادر في هذه الاستفاقة الأميركية على شؤون أمن الأوروبيين، فيما ما برح ترامب يردد التبشير بانكفاء بلاده عن الانخراط في الدفاع عن الحلفاء في أوروبا والأطلسي وحتى عن كوريا الجنوبية واليابان وكندا.

صدور مواقف بومبيو ضد روسيا والصين من العاصمة الألمانية يهدف إلى التظلل بالمظلة الأوروبية الغربية الشاملة، وعدم وضع انتقاداته لموسكو وبكين داخل إطار النزاعات الثنائية

وتخلص إلى أن غياب التأكيد الأميركي الشامل سيدرج مواقف بومبيو إما في إطار احتفالي بسقوط جدار برلين، أو في إطار تعزيز موقف واشنطن في الحرب التجارية مع الصين والصراع مع روسيا حول ملفات لا تريد واشنطن أن تبالغ موسكو في التسلل داخلها.

وبالحديث عن المصالح، لا يمكن إغفال الجدل حول مشروع أنبوب غاز السيل الشمالي الروسي (نورد ستريم)، والذي يعارضه ترامب. والذي سيعمل على تثبيت العلاقة الألمانية الروسية بشكل أعمق. ويعتبر بومبيو أن خط الأنابيب الاستراتيجي الذي تبنيه روسيا لجر الغاز الروسي إلى ألمانيا سيؤدي إلى أن تكون “إمدادات أوروبا من الطاقة معتمدة على أهواء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، فيما الموقف الألماني الذي سبق أن عبرت عنه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يؤكد أن خط الأنابيب “مشروع اقتصادي بحت“.

خط أمني واحد

يرصد المراقبون خطا أمنيا واحدا بين الهمّ الأمني المرتبط بالخطط الروسية في شؤون الغاز، وتلك الصينية المتعلقة بمشاريع بناء شبكات اتصال من الجيل الخامس. وقد عبر بومبيو في مواقفه عن تخوف مما يمكن أن تحصل عليه الصين من خلال اختراقها للمعلومات داخل الدول الغربية، محذرا هذا الغرب، وألمانيا بالتحديد بعد عدم استبعاد الحكومة الألمانية عملاق التكنولوجيا هواوي، من عملية استدراج عروض البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس للاتصالات.

وترى الولايات المتحدة أنها تفقد أسواقا لدى دول العالم الغربي، لاسيما في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، ولا تربح بالمقابل أي امتيازات جديدة جراء حربها التجارية ضد أوروبا والصين. وتتأمل واشنطن بقلق ما تحققه بكين من اختراقات اقتصادية داخل أوروبا تحت عنوان ورشتها الاقتصادية الدولية المتعلقة بطريق الحرير، وأن مرونة ألمانيا تعبر عن مزاج أوروبي قد يصبح شاملا إذا ما باتت دولة مثل ألمانيا متساهلة بشأنه.

لا شكّ في أن الولايات المتحدة، ومن خلال تخبط سياساتها الخارجية تتحمّل مسؤولية تدهور وضع الحلف الغربي مقابل رشاقة ووحدة موقفي روسيا والصين. وقد يكون حديث ماكرون عن “الموت السريري” للحلف بمثابة تحذير من أن سياسات ترامب ستؤدي حتما لانقراضه، بما يضع العالم الغربي أمام تحديات كما يضع واشنطن أمام الحاجة العاجلة إلى تبدل في استراتيجياتها وإلى انقلاب في خيارات ترامب في السياسة الخارجية لبلاده مع العالم الغربي برمته.

7