واشنطن تتدارك إخفاقها السياسي مع القاهرة بالتعاون الاقتصادي

الخميس 2014/12/11
التشييدات قطاع مصري جذاب للشركات الأميركية

القاهرة - تخطط الولايات المتحدة لتصويب علاقاتها السياسية مع مصر، عبر مدخل اقتصادي، فللمرة الثانية خلال شهر واحد، يقوم وفد اقتصادي أميركي كبير بزيارة للقاهرة، لمناقشة خطط الاستثمار المشترك، والاستفادة من الفرص المصرية الواعدة.

حط وفد تجاري يضم 11 شركة أميركية رحاله في القاهرة يوم السابع من ديسمبر الجاري، وكان في قيادة الوفد كين هيات نائب وكيل وزير التجارة الأميركية لشؤون التجارة الدولية، وجاء بغرض تحديد الفرص التجارية والاستثمارية والتوسع في أنشطة هذه الشركات في مصر، ويستكمل الخطوات التي بدأها الوفد السابق الذي تشكل من 64 شركة استثمارية كبيرة.

وأكد متابعون مصريون لـ “العرب” أن دعم السفارة الأميركية للوفود التجارية الواضح، هو بمثابة جزء من التزامها بتعزيز التواصل بين مؤسسات الأعمال الأميركية ونظيرتها في مصر، كوسيلة لتعزيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص للعمل المشترك مع مصر الجديدة، تمهيدا لتطوير العلاقات السياسية، التي لا تزال تشهد قدرا من الجمود، جراء تباعد المسافات في عدد من القضايا الإقليمية.

ولفت مراقبون إلى أن واشنطن تريد تفادي أخطائها السابقة في القارة الأفريقية، حيث تباطأت في تحركاتها، بصورة منحت فرصة لدول مثل الصين، لتحتكر جزءا كبيرة من الكعكة النفطية للقارة السمراء.

وساهم الاندفاع الصيني في القارة الأفريقية في تسابق دول أخرى نحو المنطقة، منها روسيا والهند وماليزيا، وتخشى الكثير من الشركات الأميركية أن ترضخ للحسابات السياسية المعقدة، فتفوتها فرص الاستثمار الواعد في مصر، خاصة أن هناك حزمة من المشروعات الكبيرة، أصبحت مغرية لدول كثيرة في العالم.

وقالت ماجدة شاهين أستاذة العلاقات الدولية والسياسة العامة بالجامعة الأميركية في القاهرة، لـ “العرب” إن الموقف الأميركي تجاه مصر يقوم بتطوير نفسه أولا بأول، مشيرة إلى أن الموقف الاقتصادي لأي دولة يتبع الموقف السياسي. وأضافت أن “السياسة الأميركية تنطوي على تخبط كبير في هذه الفترة، بسبب افتقادها إلى منهج محدد في التعامل مع المنطقة العربية”، موضحة أن فشل إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب، وضرب العراق بحجة نشر الديمقراطية، ساهما في عدم الثقة بين واشنطن ودول كثيرة.
سعيد اللاوندي: واشنطن تحاول تعويض التوتر السياسي بالتقارب على المستوى الاقتصادي

وأشارت شاهين في تصريحاتها لـ”العرب” إلى أن هناك مشاكل في المنطقة تفوق قدرة الإدارة الأميركية في التعامل معها، وإمكانية وضع سياسة ناجحة نحو المنطقة.

وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأميركية، إلى إعادة النظر بشكل إيجابي في علاقاتها مع مصر من الناحية الاقتصادية، والاعتراف بأن للقاهرة وزنا كبيرا، واستطاعت الحفاظ على الاستقرار، رغم التوتر الحاصل في دول كثيرة بالمنطقة.

وقالت رئيسة مركز الدراسات الأميركية بالجامعة الأميركية في القاهرة، إن مصر في وضع اقتصادي جيد، وكل الوفود الأميركية الضخمة تأتي إلى مصر لتتحسس خطوات الاستثمار، في إطار الإعداد للمؤتمر الاقتصادي، المنتظر انعقاده في شهر مارس المقبل، والمنتظر أن تحضره حزمة من الشركات الدولية العملاقة، ورؤساء دول كبرى، وتبدو الشركات الأميركية مصممة على المشاركة، وحريصة على قياس مدى قدرة مصر وجديتها في جذب الاستثمار من الخارج.

ورصد بعض المتابعين لمسألة العلاقات الأميركية - المصرية بعد ثورة 30 يونيو، جانبا لافتا من التناقض في السياسة الأميركية تجاه القاهرة، فهي اتخذت سلسلة من المواقف المناهضة للنظام الجديد، وتبدي قلقا واضحا حيال مظاهر التقارب المصري مع كل من بيكين، التي سيزورها الرئيس عبد الفتاح السيسي في العشرين من الشهر الجاري، ومع موسكو. كما أن اهتمام القاهرة بالاتحاد الأوروبي، يشي بتعزيز العلاقات الاقتصادية، الأمر الذي ظهرت تجلياته في زيارة السيسي لكل من فرنسا وإيطاليا الشهر الماضي. في هذا السياق لم تستبعد ماجدة شاهين، أن يكون التوجه الأميركي الاقتصادي نحو مصر، نتيجة طبيعية للتقارب "الروسي الصيني المصري"، مؤكدة أن هذا يعكس المزيد من النضج للسياسة المصرية الخارجية، وهو ما سوف تتقبله أميركا بشكل إيجابي خلال المرحلة المقبلة، غير أنه يفرض عليها اتخاذ خطوات اقتصادية وسياسية تجاه القاهرة، تتناسب مع هذا المستوى من التحديات.

واشنطن تريد تفادي أخطائها السابقة في أفريقيا، حيث منحت فرصة لدول أخرى، لتحتكر معظم الكعكة النفطية للقارة السمراء

من جهته قال سعيد اللاوندي خبير العلاقات الدولية، لـ “العرب” إن الولايات المتحدة تضع بعض العراقيل في طريق تحسين العلاقات السياسية مع مصر، بما جعلها متوترة دائما، لكنها تحاول تعويض هذه المسألة بالتقارب على المستوى الاقتصادي، الذي يتمتع بديناميكية عالية، بسبب إصرار الكثير من الشركات الأميركية على عدم التهاون أو التفريط في فرص الاستثمار والتجارة مع مصر.

وأوضح اللاوندي أن السياسة الأميركية تجاه مصر تقوم على مسألة توزيع الأدوار، مشيرا إلى تباين القرارات الأميركية بين المستويات السياسية والاقتصادية وأيضا العسكرية، لكن في المحصلة النهائية نجد هناك رغبة في التمسك بمصر كحليف استراتيجي، حتى ولو ظهرت بعض المؤشرات السلبية.

وأشار محمد العرابي وزير الخارجية المصري إلى أن خشية الولايات المتحدة على مصالحها جعلها تحرض بشدة على التمسك بعلاقاتها مع مصر، وتختار عن عمد المدخل الاقتصادي، بعد تأكدها من أن الخلل في الشق السياسي بحاجة إلى مزيد من الوقت، مؤكدا أنها لن تعلن ذلك رسميا وسيكون الدعم غير مباشر من خلال إرسال الوفود الاقتصادية. وأضاف محمد العرابي أن واشنطن تنتظر استكمال مصر لخارطة المستقبل، وإجراء الانتخابات البرلمانية، ثم تعلن بشكل واضح وصريح عن تحسن علاقتها مع مصر، ملفتا إلى أن هناك جدية من الولايات المتحدة الأميركية في الاستثمار داخل مصر، بدليل إعلان العديد من الشركات الأميركية رغبتها في العمل، وعدم رضوخها لأي حسابات سياسية.

11