واشنطن تجبر بغداد وأربيل على التوافق بشأن معركة الموصل

تحوّل التشاحن بين بغداد وأربيل بشأن معركة الموصل بشكل مفاجئ إلى توافق حولها، وإعلان رئيس الوزراء العراقي من نيويورك بالذات عن إطلاق معركة الشرقاط، وتدفق القوات والمعدّات الأميركية على قاعدة القيارة.. كلها دلائل على أن الولايات المتحدة استكملت إحكام قبضتها على إدارة معركة الموصل وأعطت الضوء الأخضر لإطلاقها.
الأربعاء 2016/09/21
الاستعدادات الأخيرة قبل الزحف النهائي

بغداد - بدا، الثلاثاء، أن موعد معركة استعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى العراقية من تنظيم داعش، بات وشيكا بعد الإعلان عن التوصّل إلى اتفاق إجرائي مهمّ بشأنها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق، وبعد حدوث تطوّر ميداني مرتبط بشكل وثيق بتلك المعركة متمثّل في إطلاق معركة استعادة قضاء الشرقاط الذي يمثّل أحد أهم المعاقل الباقية للتنظم بشمال العراق على بعد مئة كيلومتر فقط عن الموصل.

وتبدو ملامح التأثير الأميركي شديدة الوضوح في خلفية التوافق بين بغداد وأربيل بشأن المعركة وتحديد موعدها واستكمال الترتيبات الضرورية لها.

واشتدّ الصراع مؤخرا بين حكومة بغداد وحكومة أربيل في ما يتعلق بمعركة الموصل، على أرضية عدم الثقة المتبادل بين الطرفين، وشكوك كل طرف في نوايا الطرف الآخر.

فحكومة بغداد ترى في تحركات البيشمركة في المناطق المحيطة بالموصل محاولة للاستيلاء على أراض ما تزال موضع خلاف، فيما يرى الأكراد أن أجزاء من نينوى تمثل امتدادا لإقليمهم. ولذلك كان من المستبعد أن يتعاون الطرفان تحت قيادة عسكرية مشتركة، إلا إذا كانت تلك القيادة أميركية.

ومثلما تشكل معركة الموصل نقطة تحول مركزية في مسيرة القضاء على تنظيم داعش فإنها ستكون بداية لمرحلة جديدة في النظر إلى مستقبل العراق. فمن المستبعد أن تكون هناك سلطة مطلقة لبغداد على الموصل بعد تحريرها، بسبب الشعور المتنامي لدى سكانها بأن الحكومة العراقية كانت قد خذلتهم، حين سلمت المدينة للتنظيم المتشدّد من غير قتال. وهو ما يمكن أن يشكل عاملا مساعدا يستند إليه البعض من أبناء الطائفة السنية في الدعوة إلى قيام إقليم سني تكون الموصل مركزه بعد أن تعرضت المدن ذات الغالبية السنية لدمار كبير.

وعلى هذا الأساس، يقول مراقبون إنّ “ما بعد الموصل” سيكون الاسم الحركي للمرحلة التي ينتظرها أكراد العراق وشيعة الحكم على حد سواء. فالطرفان ينتظران الرأي السني في مسألة تشكيل صورة جديدة للعراق قائمة على فكرة الأقاليم المستقلة. وهو ما كان السنة يرفضون الحوار بشأنه، قبل أن يظهر تنظيم داعش ليقلب حياتهم رأسا على عقب.

ويقول مراقبون إنّ التقدّم باتجاه استعادة الموصل من داعش لم يحدث إلاّ بعد أن أوثقت واشنطن قبضتها على قرار الحرب والاستعداد لها ومن ضمن ذلك إرسال قوات أميركية إلى قاعدة القيارة.

وحرصت الولايات المتحدة على أن تجري معركة الموصل تحت إشرافها ورقابتها نظرا لأهميتها في ترتيب أوضاع العراق في مرحلة ما بعد تنظيم داعش، واعتبارا أيضا لانفتاح محافظة نينوى على الأراضي السورية حيث تصارع الولايات المتحدة لأجل موطئ قدم هناك في ظلّ سيطرة روسيا على الوضع السوري.

"ما بعد الموصل" سيكون الاسم الحركي للمرحلة التي ينتظرها أكراد العراق وشيعة الحكم على حد سواء

ويرى متابعون للشأن العراقي أنّ ما سمحت به واشنطن من دور إيراني كبير في المعارك ضدّ داعش بباقي المناطق العراقية، لن تسمح به في الموصل، معتبرين الاعتراض الأميركي على مشاركة الميليشيات الشيعية في المعركة مظهرا للاعتراض على الدور الإيراني ككل.

ولا تزال واشنطن تمتلك قدرة تأثير عالية على الحكومة العراقية رغم ولاء الأخيرة لإيران، كما تمتلك قدرة تأثير أكبر على حكومة كردستان العراق، يرجّح أن تكون استخدمتها في دفعها إلى التوافق مع حكومة بغداد بشأن ترتيبات معركة الموصل.

وتوصلت وزارة الدفاع العراقية، الثلاثاء، مع حكومة إقليم كردستان العراق، إلى تفاصيل الحملة العسكرية المرتقبة لاستعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم داعش، من ضمنها اتخاذ الإقليم منطلقا لاحتشاد القوات العراقية قبل الهجوم على المدينة.

وقال الناطق باسم قيادة العمليات المشتركة التابعة للجيش العراقي، العميد يحيى رسول، في رسالة صوتية بثها التلفزيون الرسمي، إن “وفدا من قيادة العمليات يضم كبار قادة الجيش اجتمع مع رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني، ومسؤولين عسكريين أكراد لبحث العمليات العسكرية التي ستجري تجاه تحرير الموصل”.

ووصف رسول الاجتماع بأنه تاريخي، مبينا أنه “تم الاتفاق على أمور مهمة وجرى التنسيق بين قيادة العمليات المشتركة وحكومة الإقليم”.

ويبدو الدور الأميركي بارزا في التوصل إلى توافق بين بغداد وأربيل وتجاوز الخلافات التي طفت خلال الأيام الأخيرة على السطح بشأن معركة الموصل.

وذكر بيان صادر عن رئاسة الإقليم الكردي، أن الاجتماع حضره عدد من القيادات العليا الأمنية والعسكرية في الإقليم، إضافة إلى سفير الولايات المتحدة في بغداد، دوغلاس سيليمان، والجنرال تاونسيند قائد القوات الأميركية في العراق، وكين كروس القنصل الأميركي في أربيل، وعدد من المستشارين والمسؤولين الأميركيين، وعبدالأمير الزيدي نائب رئيس أركان الجيش العراقي، وعدد من القيادات العراقية العسكرية العليا.

وأوضح البيان أن الاجتماع أكد أن هدف الجميع هو دحر داعش خلال المعركة المرتقبة، مشيرا إلى التعاون المشترك بين قوات الإقليم، والقوات العراقية، وقوات التحالف الدولي.

وهذه أول مرة تسمح فيها حكومة كردستان العراق للجيش العراقي بدخول محافظات الإقليم الثلاث: أربيل، دهوك، السليمانية، حيث تتولى قواتها من البيشمركة حماية المنطقة.

ومن شأن الاتفاق تعجيل الاستعدادات الجارية لبدء الحملة العسكرية التي يتوقع قادة عسكريون عراقيون أن تنطلق أواخر شهر أكتوبر المقبل، فيما يقول خبراء الشؤون العسكرية إن إعلان ذلك الموعد هو من قبيل تضليل العدوّ وأن الموعد الحقيقي للمعركة قد يكون قبل ذلك بكثير.

وجاء الاتفاق عشية تطور ميداني مهم ذي علاقة مباشرة بقرب إطلاق معركة الموصل الحاسمة يتمثل في بدء عملية استعادة قضاء الشرقاط، أحد أهم المعاقل الباقية لداعش بشمال العراق على بعد مئة كلم فقط من الموصل.

وأعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الثلاثاء، بدء عملية عسكرية لاستعادة الشرقاط من متشددي تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال العبادي في رسالة بثها التلفزيون من نيويورك، حيث يحضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن هذه العمليات تمهد الطريق لتطهير كل شبر من الأراضي العراقية، وإن نهايتها ستكون تحرير مدينة الموصل وتحرير جميع الأراضي العراقية ونهاية تنظيم الدولة الإسلامية.

ومن جهته أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال لقائه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الثلاثاء، في نيويورك، استعداد بلاده لتقديم المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار المناطق المستعادة من تنظيم داعش.

وتجسّد الولايات المتحدة سيطرتها على إدارة معركة الموصل من خلال حضور عسكري ميداني مركّز يتجاوز مجرّد المشاركة بضربات الطيران في إطار التحالف الدولي ضدّ داعش.

وقال الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، إن القوات العراقية ستكون مستعدة لعملية الموصل في أكتوبر القادم.

ومن جانبه قال العقيد ماهر الجبوري، من جهاز شرطة نينوى، إن العشرات من العربات والدبابات والمعدات الأميركية وصلت إلى قاعدة القيارة من أجل المشاركة الفاعلة في المعركة المرتقبة ضد داعش في الموصل.

3