واشنطن تدعم المسار الانتقالي في السودان عبر تخفيف ديونه

الولايات المتحدة تتطلع لنقل قاعدة "أفريكوم" إلى بورتسودان ومنع تمركز روسيا.
الخميس 2021/01/07
زيارة تاريخية

وصفت زيارة وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين إلى الخرطوم بالتاريخية لما حملته معها من رسائل سياسية وإجراءات دعم مالية لهذا البلد الذي يمر بفترة انتقالية حساسة، وتأتي هذه الزيارة بعد يوم فقط من توقيع اتفاق بشطب السودان من لائحة الإرهاب، ما يعكس وجود رغبة أميركية في تعزيز الروابط مع البلد الأفريقي.

الخرطوم – حملت الزيارة التي قام بها وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين للخرطوم، الأربعاء، رسائل سياسية مهمة بشأن رغبة واشنطن تأمين خطواتها الداعمة للسودان عقب شطب اسمه من لائحة الدول الراعية للإرهاب، بما يضمن السير على طريق الانتقال الديمقراطي، وسد المنافذ أمام محاولات روسية وصينية تستهدف تضييق مساحات الحركة الأميركية.
ووقعت وزارة المالية السودانية، الأربعاء، مذكرة تفاهم مع وزارة الخزانة الأميركية، لتوفير تسهيلات تمويلية لسداد متأخرات للبنك الدولي، تمكن السودان من الحصول على أكثر من مليار دولار سنوياً منه، للمرة الأولى منذ حوالي 27 عاماً، في خطوة من شأنها دفع المزيد من الاستثمارات الأميركية للحضور بقوة في السودان.
واعتبرت وزارة المالية استعادة إمكانية الحصول على تمويل المؤسسات المالية الدولية “إنجازاً للحكومة الانتقالية، وخطوة مهمة في طريق البلاد نحو إعفاء الديون والاستفادة من منح المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشاريع البنى التحتية الكبرى، وغيرها من المشاريع في جميع أنحاء السودان”.

شريف عثمان: زيارة منوتشين تفتح الباب لتعاون صناديق التمويل مع السودان
شريف عثمان: زيارة منوتشين تفتح الباب لتعاون صناديق التمويل مع السودان

وقال رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك، إن الخرطوم تسعى “لخطوات ملموسة تدشن مرحلة جديدة من العلاقات مع واشنطن”، مؤكدا أن زيارة منوتشين “قفزة تاريخية في العلاقة مع واشنطن”.
وجاءت الزيارة وما ترتب عليها من قرارات اقتصادية بعد إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الثلاثاء، توقيعه قرار شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لتكتمل جميع الإجراءات الخاصة بهذا الملف، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات تبحث فيها واشنطن عن استعادة صدارة الدول الشريكة للخرطوم.
وأوضح القيادي بقوى الحرية والتغيير، شريف عثمان، أن الزيارة تفتح الباب أمام التعاون بين الحكومة الانتقالية وصناديق التمويل الدولية التي سوف تمنح الانتقال الديمقراطي في السودان فرصة أوسع لتحسين الاقتصاد.
وأضاف لـ”العرب”، أن الخطوات الأميركية الأخيرة ضاعفت من فرص التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والثروة الحيوانية، إلى جانب التأكيد الأميركي على دعم القوى المدنية، كي تشكل جزءاً رئيسياً من عملية الانتقال الحالية، وهو أمر من المتوقع أن يحظى باهتمام إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن.
يبدو أن هناك رغبة أميركية في رسم خارطة طريق لعلاقتها المستقبلية مع السودان تفوق مسألة وجود إدارة بعينها في البيت الأبيض، قبل أسبوعين من إجراءات تسليم وتسلم السلطة، لأن تراجع الحضور الأميركي خلال الثلاثة عقود الماضية بفعل العقوبات الموقّعة على السودان أثر سلبا على مصالح واشنطن في أفريقيا.
ويرى مراقبون، أن منح السودان حصانة سيادية منقوصة إلى جانب إقرار قانون الانتقال الديمقراطي من الكونغرس مطلع العام، والتأكيد المستمر على ضرورة الحفاظ على حضور المكون المدني في السلطة، من الأوراق التي تلعب بها واشنطن لمجابهة انفتاح المكون العسكري على روسيا والصين في مجالات مختلفة.
وتهدف التحركات لتحويل الولايات المتحدة إلى راع لعملية الانتقال الديمقراطي والاستفادة من تجربة السودان في الترويج لأدوار جديدة لواشنطن في القارة الأفريقية، كي تؤسس لمرحلة تكون فيها الشراكات الأميركية لدول القارة قائمة على الإصلاحات السياسية والاقتصادية، بما يفرز بيئة خصبة تدعم العلاقات مستقبلا.
وتضمّن مشروع قانون دعم الانتقال الديمقراطي في السودان إصلاح القطاع العسكري والأمني في البلاد، ويتطلب تقديم خطة تفصل الدعم الأميركي لعملية انتقالية نحو حكومة مدنية، وتقديم مساعدات تسهل عملية التحول السياسي الناعم، إلى جانب دعم البرامج الهادفة إلى تقديم النمو الاقتصادي.
وتسعى الولايات المتحدة إلى استثمار تحسين صورتها في أوساط شعبية بعد شطب اسم السودان من لائحة الإرهاب، والضغط على السياسة الخارجية السودانية لأن تصبح أكثر انفتاحاً على الدول الغربية وإنهاء عزلة فرضت عليها التوجه نحو موسكو وبكين، ما يسهل من إمكانية الحد من نفوذهما المتصاعد، ووأد تطلعات روسيا لتصبح طرفا مؤثرا في موازين القوى على ساحل البحر الأحمر.
تكمن أهمية زيارة وزير الخزانة للخرطوم أيضا، في أن وزارته اطلعت على أعمال مراقبة الأموال التي تدخل وتخرج من السودان وتفرض العقوبات على الشركات التي تتعامل مع الخرطوم خلال سنوات الحظر، كما أن الوزارة سيكون لها دور مستقبلي في تحديد مصير الأموال التي تحجز عليها الوزارة في المصارف الأميركية.
ويتطلب منع احتضار الاقتصاد السوداني الحاجة لدور أميركي يدعم الاستفادة من فوائد الأموال السودانية الموجودة في البنوك الدولية، في ظل صعوبة استعادة تلك الأموال حاليا، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة في عدد كبير من دول العالم.

Thumbnail

وتعد حزمة المساعدات الأميركية الأقوى والأكبر بالنسبة إلى السودان منذ الإطاحة بنظام البشير، ما يجعل السلطة الانتقالية أكثر انفتاحاً على واشنطن، بما يساعد في إقرار موازنة العام 2021 المتعثرة حتى الآن، ويشكل تخطيها نجاحاً للسلطة الانتقالية بمكونيها المدني والعسكري.
وتوقع متابعون، أن يكون لقاء منوتشين برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، حوى حديثا عن إمكانية نقل القيادة المركزية للجيش الأميركي “أفريكوم” إلى السودان، لما له من موقع استراتيجي مهم، وهي الخطوة العملية التي تقطع الطريق على استغلال روسيا مساحات من الفراغ في هذه المنطقة.
وجاءت زيارة وزير الخزانة للخرطوم بعد يوم واحد من زيارته إلى القاهرة، وجرى في المحطتين التطرق لتفاعل الولايات المتحدة مع قضية سد النهضة، مع وجود رغبة مصرية سودانية لعودة واشنطن إلى الانخراط مجدداً في الأزمة ولضغط على إثيوبيا.

وأكد وزير الخزانة الأميركي خلال لقائه في وقت لاحق برئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، حرص بلاده على الوصول إلى اتفاق ملزم بشأن مفاوضات سد “النهضة”.
ووزير الخزانة الأميركي، هو صاحب مبادرة وثيقة واشنطن التي وقعت عليها القاهرة ورفضتها إثيوبيا، وتحفظ السودان على توقيعها، في فبراير الماضي.
ويدفع التقارب الأخير بين القاهرة والخرطوم إلى عدم استبعاد الارتكان على الوثيقة الأميركية مجدداً، ما يصب في صالح رؤية واشنطن بشأن استعادة حضورها الإقليمي.

وأكد رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة القومي، الحبيب سرنوب الضو، أن إلقاء الولايات المتحدة بثقلها وراء دعم السودان يبرهن على أن هناك رؤى مستقبلية للتعامل مع الأزمات التي يجابهها، الأمر الذي يدفع للتعويل على الإدارة الجديدة في السير على الطريق ذاته.
ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى أن زيارة وزير الخزانة تناولت قضية تهيئة الأوضاع الداخلية وصولاً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، بما يدعم وجود حكومة منتخبة على رأس السلطة، لديها من الشرعية الثورية والشعبية ما يُمكنها من إحداث قطيعة كاملة مع نظام الرئيس السابق عمر البشير، وأعوانه في الحركة الإسلامية، بشكل يجعل الولايات المتحدة أكثر ميلاً لوجود حكومة من المدنيين.

2