واشنطن تسافر آلاف الأميال لتتدارك أخطاءها

الاثنين 2014/12/01
السياسة الأميركية في ما يتعلق بالملف السوري لم تكن ناجعة لأنها لم تستأنس بآراء الحلفاء الخليجيين

واشنطن – في إطار المؤتمر السنوي الثالث والعشرين لصانعي السياسات العربية الأميركية، تطرق السفير شاس فريمان الابن، خلال مداخلته التي ألقاها بهذه المناسبة، إلى أنّ التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ظهور تنظيم “داعش”، لم تكن بمعزل عن الارتباك الذي اتّسمت به سياسات واشنطن في المنطقة، مما يستوجب، وفق رأيه، مراجعة لتلك السياسات في إطار استراتيجية واضحة تُعوّل بالأساس على رأي القوى الإقليمية، خاصة بلدان الخليج العربي، من أجل التصدي الناجع لجل الأخطار المحدقة.

في إطار تطرّقه للحديث عن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط ومدى نجاحها ونجاعتها، استشهد السفير شاس فريمان بقولة لويل روجرس مفادُها أنّه “عندما تتورط في مشاكل على بعد خمسة آلاف ميل من أرض الوطن فلا بد أنّك سعيت إليها”، لافتا إلى “أنّ بغداد ودمشق تبعدان عن أميركا أكثر من خمسة آلاف ميل”.

وفي ذات السياق، أضاف “نحن نحاول التعامل مع نتائج متراكمة لإخفاقات عديدة، فكل مشروع أميركي في الشرق الأوسط آل إلى حدّ الآن إلى الفشل. والسياسة المتبعة إلى هذه اللّحظة تتمثل في أنّنا عندما لا ننجح في المرّة الأولى نعيد نفس الشيء بقوة أكبر وباستخدام تكنولوجيا أفضل وبتكاليف أكبر”.


أين يتجلى القصور في التعامل مع إيران؟


يشير فريمان إلى أنّ الولايات المتحدة وجدت نفسها، مرّة أخرى، في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران التي دامت عقدا من الزمن من أجل وقف برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات. لافتا إلى أنّه وإلى حدّ الآن ليس هناك أيّ دليل على تأثير العقوبات على السياسات الإيرانية، وربما يرجع ذلك، وفق رأيه، إلى أنّ إيران في الوقت الحالي مازالت بعيدة عن التمكّن من تصنيع أسلحة نووية، وفق ما أفادت به تقارير استخباراتية. لكنّ ذلك طبعا لا يهم، لأنّ سيطرة إيران على الدورة الكاملة للوقود النووي وتطويرها للصواريخ يمكن أن يعطيها القدرة في المستقبل على التسلح النووي في فترة وجيزة.

التعامل مع إيران يجب أن يتميز بحزم أكبر من الغرب وكل اتفاق معها يجب أن يقدر الخطر المرتبط باستفزازاتها التوسعية

ولهذا يرى فريمان أنّ الفشل في التوصل إلى اتفاق يمكن أن يدفع إيران إلى اتّخاذ قرار ببناء قنبلة في أقرب وقت عوضا عن تأجيله، لكن على الرغم من ذلك يبدو أنّ الأطراف الإقليمية التي من المفترض أن تُستخدم ضدّها هذه الأسلحة ترغب في فشل المحادثات لأنّ التوصل إلى اتفاق مع إيران في النهاية، ستكون له، وفق مراقبين، عواقب وخيمة على المنطقة في ظل طموحات إيران التوسعية التي لم تعد خافية على أحد، خاصة أن المجال سيصبح مفتوحا أمامها أكثر من أيّ وقت مضى لتمرير أجنداتها والعمل على تطبيقها بكل الأساليب والوسائل.

ولهذا يرى ذات المراقبين أنّ التعامل مع الملف الإيراني يجب أن يتميّز بحزم أكبر من جانب القوى الغربية لأنّ أي قرار يقضي بعقد اتفاق معها دون تقدير الخطر المرتبط باستفزازاتها التوسعية لهو من قبيل سوء التقدير ويصطبغ بالقصور، وفق تعبيرهم.


أين يكمن الارتباك الأميركي؟


في الجانب الإسرائيلي الفلسطيني، يرى فريمان أنّ الجهود الأميركية التي بُذلت طيلة نصف قرن لتحقيق قبول للدولة العبرية في المنطقة تلاشت نتيجة لنفاق متراكم اتسمت به تلك الجهود. فعلى الرغم من المحاولات على مدى عقود فشلت الدبلوماسية الأميركية في عملية المصالحة نتيجة الوجود المستمرّ للفلسطينيين كأسرى محرومين من حقوقهم لدى الدولة العبرية التي تدّعي الديمقراطية.

ولهذا يؤكّد أنّ ما تُسمى بـ”عملية السلام” ستندثر ولن تبقى منها سوى رفاتها التي ستعرض متحف الهزائم الدبلوماسية الأميركية ليزورها السياسيون في الأوقات المناسبة. وفي هذا الإطار يشير إلى أنّ زعماء المنطقة لطالما عبّروا منذ وقت طويل على أنّ سوء معاملة إسرائيل للسكان العرب المسلمين الواقعين تحت سلطتها سيتسبب في تطرّفهم ويزعزع الاستقرار.

وبناء عليه يرى محللون أنّ واشنطن لم تقدّر قيمة الخطر الذي يمكن أن يفضي إليه ارتباكها في التعامل، خاصة مع الأزمة السورية، وتلكؤها في تسليح قوى المعارضة المعتدلة من أجل إسقاط نظام بشار الدموي والحؤول دون توسع سلطة الميليشيات الجهادية ونفوذها.

واشنطن تحاول التعامل مع نتائج متراكمة لإخفاقات عديدة، فكل مشاريعها في الشرق الأوسط آلت إلى حد الآن إلى الفشل


كيف يجب أن تتم محاربة داعش؟


برز “داعش” ليكون مصدر إزعاج جذّاب عبر ارتكاب فظاعات كبرى ونشرها للعالم الغربي سريع الغضب، وفق فريمان، فهو يُقاتل من أجل شحن الناقمين من بين المؤمنين المسلمين ضدّ الغرب وتطهير العالم العربي من التأثيرات الغربية، ومنها مسح حدود الدول التي فرضها الاستعمار الغربي على إثر انهيار الخلافة العثمانية، فالدول التي نتجت عن ذلك التقسيم، في نظرهم، لا تعدو أن تكون كيانات غير شرعية عاجزة عن البقاء دون دعم متواصل من الغرب.

وفي سياق آخر، يلفت إلى أنّ داعش يرى أنّ ردّات الفعل الأميركية والأوروبية على استفزازاته تؤكّد صحّة سياساته وخطابه إذ يتكون غالب المساهمين في التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة ضد “داعش” من القوى الاستعمارية السابقة، وهي بلدان غربية ومعظمها مسيحية و”يشتهر بعضها بأنه قام مؤخرا بالسخرية من الإسلام”، وفق تعبيره. وفي هذا السياق يمكن القول إن التدخل العسكري الغربي بهذه الطريقة ليس فقط ردا غير ملائم على التهديد القادم من “داعش”، بل هو ردّ له مفعول عكسي بشكل غريب.

يقول فريمان: “علينا أن نعترف أنّ الولايات المتحدة لا يمكنها التنصل من مسؤوليتها عن السياسات التي ساعدت على ظهور داعش في العراق ونضج خبرته القتالية في سوريا. فقد أطلق الغزو الأميركي للعراق موجة من التزمت والقتل الطائفي أزهقت أرواح ما لا يقل عن 700 ألف شخص في العراق وسوريا، إلى جانب تهديد وُجود الدول الأخرى التي أنشأتها معاهدة سايكس بيكو”.

من ثمة يشير إلى أنّ ظهور داعش كان نتيجة للفوضى التي جلبتها المحاولات الغربية من أجل تغيير الأنظمة، لكنّه مذهب منحرف داخل الإسلام إذ يتمثل هدفه الفوري في تحطيم النظام الحالي في العالم الإسلامي باسم الإسلام ذاته، لذلك فأفكاره يجب أن تدحض من طرف المسلمين قبل غيرهم. ولذلك يخلص فريمان إلى أنّ التهديد الذي يمثله “داعش” يتطلب ردا سياسيا وعسكريا بقيادة عربية ولا يمكن لحملة قصف جوي بقيادة الولايات المتحدة مع مشاركة رمزية من الحلفاء العرب القضاء عليه. ومن هنا تظهر أهمية المشاركة الدينية العربية والقيادة الأدبية لاحتواء “داعش” وهزمه في نهاية المطاف.

الولايات المتحدة يجب أن تحترم آراء القوى الإقليمية، خاصة البلدان الخليجية، في ما يخص الرد المناسب على أية تهديدات


كيف يجب أن تتصرف واشنطن؟


يمثل “داعش” والجهاديون الأجانب البالغ عددهم حوالي 15 ألفا، تهديدا وجوديا للمجتمعات العربية وتهديدا محتملا للمجتمعات الإسلامية أينما كانت، لكنه لا يمثل تهديدا مشابها للولايات المتحدة بالنسبة لهم، لذلك يجادل بعض الأميركيّين أنّ داعش لا يمثل مشكلة، هذا فضلا على أن إنتاج النفط والغاز الصخري يمكّن شمال أميركا من الاكتفاء الذاتي، لذلك فإن ما يحدث في الشرق الأوسط عموما لم يعد يهم الأميركيين كثيرا.

لكن الخليج العربي هو المكان الذي تحدّد فيه أسعار النفط العالمية، ومن ثمّ ففي غياب الاستقرار في غرب آسيا سيكون الاقتصاد العالمي غير مستقر أيضا.

ونظرا لكل هذه الأسباب، يرى أنّه لا يمكن لواشنطن أو الدول الأخرى (خارج منطقة الشرق الأوسط) أن تتجاهل “داعش” بل يجب أن تتحرك. لكن الدول المستهدفة في المنطقة هي من يجب أن تواجه “داعش” بالدرجة الأولى وهذا يعني أن ردّة فعل الغرب يجب أن تكون محسوبة ومحدودة لتجنب إعفاء الفاعلين الإقليميين من مسؤولياتهم لحماية أنفسهم من تهديد “داعش”. وهنا بالتحديد لا يمكن احتواء “داعش” ودحره إلاّ بتكوين تحالف عربي يحمل هوية إسلامية قويّة.

في هذا السياق، يرى فريمان أنّ الولايات المتحدة مطالبة بأن تشجع بلدان الشرق الأوسط على تطوير استراتيجيات سياسية واقتصادية وعسكرية ناجعة للدفاع عن مصالحها الخاصة وتطويرها، بدل تحمّل مسؤولية الاضطلاع بذلك. وكخطوة أولى لتعديل السياسات في اتجاه هذه الغاية يجب أن تستمع إلى آراء شركائها في المنطقة، حيث يقول: “لو استمعنا إلى رأي أصدقائنا الخليجيين لما غزونا العراق سنة 2003، ولبقي العراق قوة ردع لإيران، ولما غرق في الفوضى ولحافظ على حدوده مع سوريا”. لذلك فعلى الولايات المتحدة، وفق رأيه، أن تعود إلى احترام آراء القوى الإقليمية، خاصة الخليجية، في ما يخص الردّ المناسب على أية تهديدات محتملة.

7