واشنطن تستنسخ نظريات الفشل السابقة لحل الأزمات العربية الراهنة

أسالت السياسات التي تنتهجها الإدارة الأميركية الحالية تجاه الشرق الأوسط، الكثير من حبر المحللين والخبراء الاستراتيجيين، لما بدت تتسم به من عزوف إزاء قضايا المنطقة الحارقة، وعلى رأسها الأزمة السورية، في سلوك لئن يراه البعض غريبا وغير مسبوق فإنّ البعض الآخر وجد له إطارا نظريا واستراتيجيا يفسره ويعيده إلى تكتيكات أميركية سابقة، شأن ما تطرحه وثيقة بحثية حديثة صادرة عن مجموعة الشرق الاستشارية.
الجمعة 2015/05/29
المواقف الأميركية إزاء معاناة الشعب السوري تتسم بالكثير من التخاذل

واشنطن – تشكّل الأوضاع العامة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط اليوم، صورة منطقة تعبت من انتظار دور دولي حازم بقيادة أميركية لمساعدتها على عبور مضيق تاريخي، من الواضح أنّ تعقيداته تحول دون قدرتها على عبوره بمفردها. صورة قاتمة تتركّب في الوقت الذي جدّ فيه طارئان لا يقلّ أحدهما وطأة عن الآخر.

يتعلّق الطارئ الأوّل بتحوّل أميركا من مرحلة تدخّل مفرط كارثي إلى مرحلة مناقضة لا تقلّ كارثية عن سابقتها تميّزت بعزوف مريب عن التّدخّل، وإطلاق ليد المتربصين الإقليميين بأمن المنطقة وعلى رأسهم إيران التي أضحت تكثف جهودها لمد أذرعها في البلدان العربية من أجل خدمة أجندتها التوسعية المغلفة بغلاف طائفي. ويرتبط الثاني بحلول أجل تسديد فواتير تاريخية إقليمية غير مسدّدة متمثّلة في بروز مقموع ومؤجّل للمجتمع المدني من الكهوف، وفشل ذريع في تطوير مجتمعات المنطقة اقتصاديا وثقافيا، وعدم تغير مفهوم الحوكمة في عالم داخلي وخارجي سريع التغير، وسنوات طوال من تشجيع ومأسسة الدغمائيات الدينية كوسيلة للمحافظة على الوضع القائم.

استنساخ نظريات الفشل

في ما يتعلق بالسياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، يبدو أنه من الخطأ (على الأقل نظريا) التفريق بين جورج بوش الابن و باراك أوباما، فهما الإثنان يمثلان وحدة متكاملة. حيث أنه لم يكن من الممكن وجود أوباما سياسيا دون بوش، كما أنّ تفسير عزوف الرئيس الأميركي الحالي عن التدخل في قضايا المنطقة بشكل مباشر يعدّ نتيجة لفرط التدخل الذي عمد إليه سابقه. وفي كلتا الحالتين تحمل الشرق الأوسط حصيلة التغيرات الفجئية لسياسة واشنطن ليواجه تعقيدات غير محمودة.

ومع ذلك يجب الإقرار بسطحية قراءة سياسة واشنطن في الشرق الأوسط بهذه الطريقة، إذ توجد مسائل أعمق بكثير.

ويمكن التّطرق إلى إحدى تلك المسائل العميقة التي حددت السياسة الأميركية فترة من الزمن، والتي تعرف بـ”المبدأ التجريبي”، الذي تمّ تطبيقه أثناء فترة الحرب الباردة والمتمثل في تحقيق التوازن بين قوتين من أجل “تحييد” كليهما. وقد أثبتت تلك الطريقة وهنها وفشلها في ملابسات عديدة وفي بلدان أخرى كذلك، حيث تمّ تجريبها في فترة السبعينات من القرن الماضي في مصر عندما ساهم الرئيس الأسبق أنور السادات في تشجيع الإسلاميين على النمو من أجل مواجهة النشطاء العلمانيين واليساريين. وعند انتهاء المعركة ظهرت توليفة في شكل حركة أصولية مرعبة انتهت باغتيال السادات نفسه.

كما عمدت إليها واشنطن في فترة الثمانينات عندما شهد العالم صعود الجهاديين في أفغانستان، الذين ساعدتهم الولايات المتحدة في محاربة الاحتلال السوفييتي حينها، وكانت نتيجة ذلك بروز تنظيم القاعدة الذي هاجم الولايات المتحدة بشكل مباشر سنة 2001.

ومرة تلو الأخرى، وإلى حدّ الآن، نشهد نفس الإعادة المفلسة لمأساة الدكتور فرانكشتاين، وقد تمّ تقديمها على أنّها خطّة “ذكية جدا” لجعل قطبين مختلفين يضعفان بعضهما البعض. لكن كانت التوليفات في كل تلك الحالات بروز قطب ثالث أقوى لم يكن بالضرورة يحتوي على أي خاصيات جيدة مهما كان نوعها للقطبين الأصليين.

السياسة الأميركية المتبعة إزاء قضايا المنطقة القائمة على جعل قطبين مختلفين يضعفان بعضهما البعض ليست جديدة

والآن يعاد استخدام هذا المفهوم “الذكي جدا” ذي المفعول العكسي، ونرى الجميع المعنيين بالصراع السوري بما في ذلك الحكومات العربية تستعمله. كما نراه في العراق ونراه في ليبيا، ونراه في اليمن. وقد تحوّل إلى عقيدة “ذكية جدا” معترف بها دوليا، بينما يخبرنا التاريخ بأنها في الحقيقة “غبية جدا”، بل هي بمثابة إعادة استنساخ للفشل.

ويحدث اللجوء إلى هذا المفهوم الفاشل عادة بسبب الغياب الواضح لأيّ مبدأ آخر متاح فهمه. ومع ذلك يكشف لنا فهم منطق التاريخ الأميركي بأنّ النقيض ليس قوة ملموسة على الأرض، بل هو قبل كل شيء مبدأ أو فكرة؛ التبعية مقابل الاستقلال، العبودية مقابل الحرية، الشعب مقابل الاستبداد.

ولذلك فإنّ النظر إلى ساحات المعارك من وجهة نظر المحتوى حرّر كتّاب تلك الحقبة التاريخية من اللجوء إلى القوى المتوفّرة مهما كان نوعها، وحررهم أيضا من أي إغفال لمحتوياتها.

لذلك لا يمكن مساندة “قطب شرير” والرجاء في نفس الوقت بأن يأتي خير من ذلك الصراع. وهذا بالتحديد هو السّبب الذي يفسّر الخطأ الفادح الّذي ارتكبه باراك أوباما عندما رفض فكرة مساندة المعارضة السورية المعتدلة سنتي 2012 و2013، ولم يحكم على اللحظة في وقتها بل حكم عليها على أساس تجريبي محض. ولم يدرك مدى أهمية قراره ليس فقط بالنسبة إلى سوريا، لكن كذلك بالنسبة إلى الشرق الأوسط ككل.

وكانت النتيجة في النهاية تخييب للآمال في الحصول على منطقة أفضل، إذ تحول الصراع من معركة من أجل الحرية إلى معركة للقضاء على الطرف الآخر. ودفع أوباما الصراع أكثر إلى الحلبة الإقليمية عبر رفضه ببساطة الوقوف إلى جانب الشعب السوري الذي يحاول الدفاع عن حلم الحرية وعن بلده وقد خذله الجميع.

أنموذج تعميق الأزمة السورية

الآن وعلى الرغم من تعقّد الأوضاع أكثر في سوريا خاصة مع بروز طرف ثالث في الصراع يمثله الإسلاميون المتشددون مازلنا نسمع النصيحة “الذكية” والقديمة التي تقول “دعهم يضعفوا بعضهم البعض”. إن وضع نظام الأسد في موضع النقيض لـ”داعش” مثلا هو تغافل صارخ على محتوى الطرفين، لأنهما في الأصل والجوهر شيء واحد: الأسد يقتل بالبراميل المتفجرة والتعذيب، وداعش يقتل بالسكاكين والرجم، ولدى الأسد مشترون لصورته في الغرب على أنّه “القديس الجديد المحارب للإرهاب”، والمشترون يجب أن يمتلكوا مواصفات معينة حتى يكونوا حرفاء،. يجب أن يروا الأشياء فقط من زاوية الشكل الظاهر: الحليق مقابل الملتحي، والرايات السود مقابل الرايات ثلاثية الألوان، والعلويون في مواجهة السنة.

لكن ما الذي يمكن فعله عند اكتشاف أن كل هذه الأخطاء أنتجت وضعا لا توجد فيه أي قوة ملموسة معتدلة بالقدر الكافي لمساندتها؟

أوباما لم يحكم على اللحظة في وقتها بل حكم عليها على أساس تجريبي ولم يدرك مدى أهمية قراره في ما يخص الملف السوري

ويحيل هذا السؤال إلى أنّ الولايات المتحدة لا تخدم مصالحها أو شعوب المنطقة، عندما تجد أنه يكفي قيام الفاعلين على الأرض بإمضاء التزامات للحفاظ على حد أدنى من المبادئ. بل يجب أن يقترن ذلك بتركيز حاد على الوسائل والطرق لتحديد القوى الاجتماعية النزيهة ومساعدتها. وفي الحقيقة يجب أن يتمثل المخطط الأساسي في مساعدة تلك القوى المعتدلة والحوار الاجتماعي، وكل ما عدا ذلك يجب أن يتم مع وضع تعزيز هذه القوى نصب الأعين.

وعوضا عن الحكمة البائدة من فترة الحرب الباردة المتمثلة في “الموازنة” و”التحييد المتبادل”، يجب أن تتضمن التوليفات قطبا حقيقيا، وهو ذلك القطب الأقرب إلى الدفاع عن القيم التي تمثل الروح الإنسانية الحقيقية. لأنّ البشر يسيرون بشكل غريزي تقريبا في اتجاه المبدأ الأسمى من نفس طينتهم، وهو التخلص من الخوف والاستعباد والاضطهاد.

وحتى سياسة الدعم المحدود للمعارضة الحالية من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي مع بشار الأسد يجب ألّا تطبّق مع عدم اكتراث لنوعية سوريا التي ستنبثق من الخراب الذي نشهده اليوم. لذلك فعلى كل الدبلوماسيات “الواقعية” والجهود السياسية أن يكون مبدؤها التنظيمي البحث من دون كلل عن أشعة من النور في الوضعية الراهنة.

وهذه الأشعة هي التي ستتحالف مع الشعب السوري لإنتاج سوريا أفضل، حتى وإن تأخر ذلك لفترة. لذلك، بينما يمكن للمرء أن يحشر نفسه في كل تفاصيل الحاضر، يجب عليه أن يركز النظر على نوع العناصر التي تساعد على بناء سوريا عصرية ومتحضرة في المستقبل.

وليس من النادر العثور على “نشطاء” في العواصم الغربية يدّعون بأنهم يحملون ذهنية “عملية” ويستعملون عبارات جاهزة من قبيل “أدخل صلب الموضوع” ، لكن الغريب؛ عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط لا يحرّك أي من هؤلاء الأشخاص “العمليين” ساكنا ولا يدخلون في صلب الموضوع.

ولذلك فإنّ الشرق الأوسط أضحى في حاجة إلى ذهنية جديدة، أكثر من أي وقت مضى، وهو أمر شديد التعقيد حتى يمكن فهمه بواسطة المعادلة البسيطة القائمة على السبب والنتيجة والمعتمدة على الإحصائيات. وحتى كلمة “معقّد” أضحت تبدو متواضعة جدا لتستعمل في وصف المنطقة، على الرغم من أنّ الحقيقة كامنة في التفاصيل والفروق الدقيقة في المعاني.

وكثيرا ما يقال إن الآراء القائلة بإعطاء الأولوية للقيم ليست “واقعية” ومغرقة في “المثالية”. بيد أنه من الخطأ حتى وضع “المثالي” في تضاد مع “الواقعي” فلا توجد سياسة واقعية لا تحتوي على نوع من “المثالية”، وكل سياسة “مثالية” ستكون فاقدة لكل معنى إذا بقيت في أذهاننا ولا تجد أبدا طريقها إلى العالم الواقعي عبر القوى الموجودة على الأرض. وهذه القوى موجودة طالما وجد البشر. لذلك فإنّ السياسة “الواقعية” الحقيقية البعيدة المدى من المفترض أن تكون مثالية في جوهرها، ويجب أن تقف إلى جانب الروح الإنسانية في توقها إلى أن تكون حرة، وهو ما لم يفعله باراك أوباما في سوريا.

6