واشنطن تضخم الدور الروسي وتتغاضى عن العبث التركي في ليبيا

الخارجية الأميركية لسان حال الإسلاميين وأردوغان، وواشنطن لا تريد أن تفوت في ملعب جديد ذي بعد استراتيجي لروسيا بعد سوريا.
السبت 2020/05/09
ماذا عن السلاح التركي

تركز الولايات المتحدة، خلال الفترة الأخيرة، على إظهار حجم النفوذ الروسي في ليبيا دون غيره واستدعاء صورة الدور الذي لعبته موسكو في سوريا لتغيير التطورات الميدانية. وعبّر متابعون للشأن الليبي عن استغرابهم من تجاهل واشنطن للنفوذ التركي في طرابلس، لكن آخرين ردوا ذلك إلى حسابات دولية معقدة.

واشنطن –  تقود وزارة الخارجية الأميركية حملة سياسية وإعلامية ضد الجيش الليبي تقوم على اتهامه بتلقي دعم عسكري ولوجيستي من روسيا وسوريا دون تقديم أي أدلة تثبت تلك الاتهامات، مقابل تغاضيها عن العبث التركي الذي وصل حدّ إرسال قيادات من تنظيم داعش وجبهة النصرة من إدلب للقتال في صفوف ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس وهو ما أثبتته العديد من المقاطع المصورة.

واتّهمت الخارجية الأميركية الخميس موسكو بتصعيد حدّة النزاع في ليبيا حيث أكّد تقرير للأمم المتحدة وجود مرتزقة روس يقاتلون في صفوف قوات المشير خليفة حفتر، داعية طرفي النزاع الدائر في هذا البلد للتوصّل إلى تسوية سلمية للنزاع.

وقال كريس روبنسون، المتخصّص في شؤون روسيا بالخارجية الأميركية، للصحافيين إنّ الدعم الروسي “أدّى إلى تصعيد كبير لحدّة النزاع وإلى تدهور للوضع الإنساني في ليبيا”.

وأضاف روبنسون “غالبا ما تُعتبر فاغنر، عن خطأ، بأنّها شركة أمنية خاصة، لكنّها في الواقع أداة للحكومة الروسية يستخدمها الكرملين لتحقيق أهدافه بتكلفة أقل ومخاطر أقل”.

وتنفي السلطات الروسية استخدام متعاقدين عسكريين في أي ساحة قتال خارجية وتقول إن أي مدنيين روس ربما يقاتلون في الخارج هم متطوعون. وينفي الجيش الوطني الليبي تلقي أي دعم أجنبي.

جيمس جيفري: الروس يعملون مع النظام السوري لنقل مقاتلين وعتاد إلى ليبيا
جيمس جيفري: الروس يعملون مع النظام السوري لنقل مقاتلين وعتاد إلى ليبيا

واعتبر هنري ووستر، المسؤول عن شمال أفريقيا في الخارجية الأميركية أنّ موسكو لا تبدو على استعداد للانسحاب من ليبيا التي أصبحت بالنسبة إليها بعد سوريا جزءا من استراتيجيتها للتأثير في المنطقة. وقال “لا يأملنّ أحد أن تحزم روسيا حقائبها وتغادر بعد أن استثمرت في الصراع الليبي”.

وانضم مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، إلى حملة وزارة الخارجية حيث أكد في تصريحات الجمعة أن الروس يعملون مع النظام السوري لنقل مقاتلين وعتاد إلى ليبيا، وهي نفس الرواية التي ما انفكت الآلة الإعلامية التابعة لتيار الإسلام السياسي في الترويج لها ما يعزز الآراء التي تعتبر أن الخارجية الأميركية باتت تتحدث بلسان حال الإسلاميين وتركيا.

وكانت الاتهامات الأميركية لروسيا بالانخراط في الصراع الليبي قد تراجعت حدتها خلال الأشهر الماضية وسط أنباء عن فتور العلاقة بين القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر وموسكو بعد رفضه التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بالعاصمة الروسية في يناير الماضي، لتعود بشكل مفاجئ هذا الأسبوع وهو ما يطرح التساؤلات بشأن عودة العلاقات بين الطرفين.

وتدعم روسيا منذ 2014 الجيش الليبي في حربه على المجموعات الإرهابية، لكن بوادر تراجع في هذا الدعم بدأت تظهر خلال الفترة الماضية عندما أعلنت روسيا تحفظها على عملية “إيريني” لمراقبة توريد الأسلحة إلى ليبيا وهي العملية التي تزعج أساسا حكومة الوفاق وحليفتها تركيا التي تدعمها بالأسلحة والمقاتلين.

واعتبر ذلك التحفظ بداية تبدل في الموقف الروسي بعد تفاهمات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في يناير الماضي، ولاسيما عقب انتكاسات مني بها الجيش بعد خسارته لمدينتي صرمان وصبراتة وعدد من المدن على الشريط الساحلي.

ونجحت ميليشيات حكومة الوفاق خلال شهر أبريل الماضي في تحقيق تقدم عسكري بفضل الدعم التركي وتحاول حاليا بسط سيطرتها على قاعدة الوطية العسكرية ومدينة ترهونة أبرز مدن الغرب الداعمة للجيش.

مرتزقة تركيا وأسلحتها لا تراهم واشنطن
مرتزقة تركيا وأسلحتها لا تراهم واشنطن

ويعكس صمت واشنطن عن التدخل التركي في ليبيا تأييدا ضمنيا بهدف تحقيق توازن عسكري يجبر الجيش على الخضوع لعملية سياسية تنتهي بتسوية على مقاس الإسلاميين، فيما يذهب البعض إلى اعتبار أن تركيا تقاتل بالوكالة عن الولايات المتحدة في ليبيا.

ويفسر مراقبون هذه الحملة التي تشنها الولايات المتحدة بوجود مخاوف من إمكانية شن الجيش بدعم من حلفائه خلال الأيام القادمة لهجوم من شأنه أن يفقد تركيا وحكومة الوفاق الانتصارات التي حققتها، ما يبدد رهان واشنطن على استئناف عملية سياسية تضمن استمرار الإسلاميين في الحكم.

ويتسم الموقف الأميركي بالغموض مما يجري في ليبيا حيث لا تدعم واشنطن بوضوح أي طرف لكن البيانات الصادرة عنها تؤكد انحياز وزارة الخارجية للإسلاميين في حين عكس الاتصال الذي جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمشير حفتر العام الماضي تعاطف البيت الأبيض مع الجيش، إذ قال البيت الأبيض حينها إن الاثنين قد تقاسما رؤية للتنمية السياسية في ليبيا.

ويقول بعض المسؤولين السابقين والمحللين إن إدارة ترامب تدعو إلى حل سياسي يضع حدا للقتال، لكنها تواجه صعوبات في التوصل إلى سياسة استراتيجية فعالة في ليبيا. وإلى حدود اليوم، تركز الولايات المتحدة على الحفاظ على تدفق إمدادات النفط ودعم مكاسب مكافحة الإرهاب.

الجيش الليبي يعتقل مرتزقة سوريين استقدمتهم تركيا
الجيش الليبي يعتقل مرتزقة سوريين استقدمتهم تركيا

ووصف مسؤول كبير سابق النهج الأميركي تجاه ليبيا بأنه يتلخص في جملة “استمروا في مدّنا بالنفط ولن نتدخل بأي طريقة تتجاوز ما نقوم به الآن”.

وفيما توحي واشنطن بأن التدخل الروسي سيكون حاسما في ليبيا، سيكون من مصلحة حكومة الوفاق تضخيم الوجود الروسي الداعم للجيش الليبي.

وتركز الولايات المتحدة، خلال الفترة الأخيرة، على إظهار حجم النفوذ الروسي في ليبيا واستدعاء صورة الدور الذي لعبته موسكو في سوريا في تغيير التطورات الميدانية لصالح الرئيس بشار الأسد.

ويشير المراقبون إلى أن واشنطن لا تريد أن تفوت في ملعب جديد ذي بعد استراتيجي لروسيا بعد سوريا، وهو ما يفسر التركيز الإعلامي على وجود مرتزقة روس ودفاعات قادرة على استهداف الطائرات الأميركية، وربما الأوروبية، إذا نجح الروس في تثبيت وجودهم على الأرض.

4