واشنطن تعلن "حالة حصار" وطهران تستحضر الشيطان الأكبر

الإيرانيون، الذين سئموا الوعود، يطالبون حكومتهم بالتحلي بالشجاعة والقوة والتحدث مع أميركا "بمقدورنا القيام بذلك، الآخرون قاموا به، يمكننا تقديم تنازلات وكسب امتيازات. ليس لدينا خيار آخر".
الثلاثاء 2019/07/23
ضغوط داخلية

قد تنجو إيران من مواجهة عسكرية.. ولكن هل ستنجو من حرب اقتصادية..

اكتشفت أميركا، بالتجربة، أن قوتها لا تتمثل بالترسانة العسكرية فقط، رغم صلابة هذه الترسانة وتفوقها.. قوة أميركا الحقيقية اليوم هي الترسانة الاقتصادية، ما عليها سوى أن تعلن حالة حصار، أما الباقي فسيتكفل به الزمن.

لهذا السبب يمكن لملالي إيران أن يشعروا بالطمأنينة وأن يستعرضوا بعضا من القوة الوهمية، باعتراض سفن تجارية، وإطلاق تهديدات. آخر هذه التهديدات جاءت على لسان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الذي قال إن واشنطن لا تستطيع أن تتوقع أنه مع زعزعة أمن الخليج “الفارسي” بالنسبة لإيران، أن يكون هذا الحوض آمنا للدول الأخرى.

وعبّر ضمنيا عن استبعاده نشوب حرب، مطالبا الجميع بتجنب الـ”كارثة”، ومؤكدا أن هناك الآن حربا جارية، هي “حرب اقتصادية على الشعب الإيراني، تستهدف السكان المدنيين”، مذكرا بقول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي أكد أنه لن يشارك في نزاع عسكري، بل في حرب اقتصادية.

لا يخيف حكام طهران أن يجوع الإيرانيون، طالما لم تنفد من جعبتهم الشعارات الصالحة للتسويق. كل ما عليهم عمله هو إحياء صورة الشيطان الأكبر.. فماذا يهم أن نجوع، وبيننا وبين الجنة بضع تمرات نأكلها، أو نرمي بها جانبا.

ولكن هل يضمن الملالي أن يرمي الإيرانيون ما في أيديهم من تمر، ليضمنوا مكانا لهم في الجنة.. يبدو أن الرهان خاسر. السؤال المطروح في الشارع الإيراني اليوم هو: ماذا سيحل بهذا البلد إن لم يعد بمقدوره بيع النفط على الإطلاق.

خلال عام واحد انخفضت قيمة الريال الإيراني أمام الدولار إلى أقل من النصف في الأسواق الحرة، وارتفعت نسب التضخم لتتجاوز الخمسين بالمئة. بالطبع لا حاجة للتذكير بأن الحديث عن أرقام رسمية تحاول تجميل الحقائق، وأن المرتبات لا تتبع نفس النسق التصاعدي.

ورغم مضاعفة أسعار السلع الغذائية خلال نفس العام، يصعب اليوم العثور على اللحوم الحمراء في الأسواق. وغاب الفستق، الذي كان يحضر على كل طاولات الأفراح، ليصبح ترفا غير متاح.

وصناعة السيارات، التي شكلت مصدر فخر لإيران، أصبحت اليوم مهددة بالانهيار. والاستقرار الظاهري لسعر صرف العملة، التي يتباهى مسؤولو البنك المركزي بتحقيقه، أدى إلى تجفيف البلاد من العملة الأجنبية.

بالنسبة للشباب، الأمر أسوأ، ربعهم عاطل عن العمل، وفاقد للأمل في العثور على وظيفة، وبعد أن كان الزواج مشروعا مؤجلا، أصبح مشروعا ملغى.

المستقبل بالنسبة للشباب الإيراني، الذي احتفل عام 2015 بتوقيع الاتفاق النووي في الشوارع، أصبح اليوم مجهولا، و”الشيء الوحيد الذي يمكن فعله هو مغادرة البلاد بأي طريقة“.

ملالي إيران على حق، العالم يخشى المواجهة العسكرية.. والقريب، قبل البعيد، غير راغب بسيناريو الحرب، حتى وإن كانت النتائج مضمونة، لأن الكلفة ستكون كبيرة جدا، وكذلك توابعها وما قد ينجر عنها.

وواشنطن، من جانبها، تدرك جيدا أن لا حاجة بها لاستعمال السلاح، تكفي عملية استعراض للقوة، بانتظار ردود أفعال طهران. وإلى أن يقرر الملالي ماذا هم فاعلون، يستمتع سكان البيت الأبيض بلعبة الانتظار.

حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة، التي تجرّ البلاد إلى خيار “الصوملة”، تعرف المخرج.. الاقتصاد شبه منهار، وكل شيء يتجه نحو إفلاس سيقود، حتما، إلى إفقار جماعي للسكان.

الإيرانيون، الذين سئموا الوعود، يطالبون حكومتهم بالتحلي بالشجاعة والقوة والتحدث مع أميركا “بمقدورنا القيام بذلك، الآخرون قاموا به، يمكننا تقديم تنازلات وكسب امتيازات. ليس لدينا خيار آخر..“.

إذا كانت واشنطن اختارت إسقاط النظام في إيران، فإن الوضع الآن يعمل لصالحها. واضح أن الاحتفاظ ببضع تمرات، يأكلها الإيرانيون اليوم، أفضل من الفوز بفردوس الملالي المزعوم.

9