واشنطن تفصل ضمنيا بين إخوان مصر وحركة "حسم"

القاهرة تخشى "فخا سياسيا" خلف الخطوة الأميركية.
السبت 2021/01/16
بالمرصاد

اختلفت التقييمات بشأن إدراج الولايات المتحدة حركة «حسم» الذراع العسكرية لجماعة الإخوان على قائمة الإرهاب العالمي. وفيما يرى البعض أن الخطوة تعزز جهود مصر في محاربة الإرهاب، يرى كثيرون أن الخطوة رمزية، وسلبياتها أكثر من إيجابياتها لجهة أنها فصلت بين الحركة والتنظيم الأم.

القاهرة – يدعم إدراج الولايات المتحدة “أنصار بيت المقدس” التابع لتنظيم داعش فرع سيناء، وحركة “سواعد مصر” (حسم) الذراع العسكرية للإخوان المسلمين ضمن قائمة الإرهاب العالمي، ظاهريا الجهود المصرية في مكافحة التهديدات الإرهابية على أراضيها.

وقالت مصادر مصرية لـ”العرب”، إن هذه الخطوة في ظاهرها جيدة، لكن في مضمونها تنطوي على فخ سياسي، فإذا كانت تدعم توجهات القاهرة في مكافحة الإرهاب في سيناء، فهي تبرّئ بشكل غير مباشر جماعة الإخوان من ممارستها للعنف خلال السنوات الماضية وتحصر المسؤولية في داعش و”حسم”.

وشمل التصنيف الأميركي شخصيات مرتبطة بحركة “حسم”، منهم علاء السماحي مؤسس الحركة، ويحيى موسى الذي يُوصف بالمخطط لغالبية عمليات الحركة في مصر، وكلاهما موجودان حاليا في تركيا.

طارق أبوالسعد: المستفيد من الإجراء الأميركي الأخير هو جماعة الإخوان ذاتها
طارق أبوالسعد: المستفيد من الإجراء الأميركي الأخير هو جماعة الإخوان ذاتها

وتوحي الخطوة بإدراك واشنطن لأهمية دعم بناء تحركات الحلفاء والشركاء ليتمكنوا من التعامل مع التنظيمات الإرهابية المحلية، وعدم الاكتفاء باستهداف المتطرفين في أجندة الجهاد العالمي، واستمرار الفصل بين من يسمون بـ”المعتدلين” والإرهابيين. وتأتي في سياق تقويض تدريجي تباشره دول مثل فرنسا والنمسا وسويسرا وألمانيا لأنشطة التنظيمات الإسلامية. غير أن خبراء يرون أن قيمة الخطوة الأميركية تكمن في رمزيتها فقط، لأن مضمونها الحقيقي لن يكون ذا فاعلية كبيرة، ولا يتواءم مع ما تمثله جماعة الإخوان من خطورة في الداخل المصري، وربما يؤدي إلى نتائج عكسية.

وأوضح الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، أن المستفيد من الإجراء الأميركي الأخير هو جماعة الإخوان ذاتها، بالنظر إلى أن تصنيف “حسم” على قائمة الإرهاب يعزز رواية قيادات الجماعة المتعلقة بكون العنف الذي تمت ممارسته على مدار سنوات نفذّه فصيل منشق عن التنظيم ومنفصل عن قيادته.

وأشار أبوالسعد لـ”العرب”، إلى أن إدراج هذه الحركة على لائحة الإرهاب العالمي يعطي الذريعة لقيادة الإخوان للتنصل من كل ممارسات الإرهاب منذ عام 2013، ويلقي المسؤولية على فصيل واحد، ما يعني منحها مبررات لغسل يديها من العنف والإرهاب.

ويمنح تصنيف “حسم”، والتي قوضت أجهزة الأمن المصرية أنشطتها، جماعة الإخوان قبلة حياة في المشهد السياسي مع قدوم إدارة ديمقراطية جديدة، ما يمهد لإعادة تدويرها في الفضاء العام من خلال شخصيات وقيادات لم يُعرف عنها التحريض على العنف طوال الفترة الماضية.

ودخلت الحركة مرحلة كمون عقب تفكيك الأمن لشبكات وخلايا عديدة تابعة لها خلال الأعوام الماضية، لكنها لا تزال نشطة عبر الفضاء الافتراضي من خلال أذرع إعلامية تحرض على الإرهاب.

وقال الباحث في شؤون الجماعات المسلحة أحمد سلطان، لـ”العرب”، إن الحركة تعيد هيكلة خلاياها وتعمل على استعاضة العناصر التي اعتقلت أو قتلت، وتسعى لانطلاقة قد تكون أخطر من الأولى، ولا تزال تشكل تهديدًا أمنيًا طويل الأمد ربما يماثل أو يزيد عن تهديد تنظيم داعش في سيناء.

وتدعم الخطوة الأميركية بشكل غير مباشر رهان الجماعة على الرئيس جو بايدن، وتخدم تطلعاتها المحمومة للعودة إلى المشهد السياسي في مصر، وإمكانية أن تمارس الإدارة الديمقراطية ضغوطا على النظام المصري في هذا الاتجاه.

وجاء التصنيف الأخير لـ”حسم” بعد تصنيف سابق للحركة، حيث حظرتها بريطانيا في ديسمبر 2017، وصنفتها الولايات المتحدة كحركة إرهابية في يناير 2018، ما يعني أن تكرار الخطوة يشي بالحرص على الفصل بين حركة مسلحة وبين الجماعة الأم.

Thumbnail

ويحذر خبراء من أن تصنيف حركة “حسم” بالتوازي مع عدم التطرق لممارسات الجماعة الأم وتنظيمها الدولي، يتيح معاودة الترويج لرواياتها بشأن عدم علاقتها بالاغتيالات والتفجيرات التي نفذت في أعقاب سقوط حكم الجماعة في يونيو 2013، وأنها جاهزة للمرحلة التالية للمصالحة المصرية مع قطر.

وتبدو استفادة القاهرة من الخطوة محدودة مع المساعي الدؤوبة لدحض الخطاب الإخواني المشكك في مكافحة الإرهاب.

وربطُ “حسم” بجماعة الإخوان له مبرراته في العقل المصري، لأن من يديرون الحركة من تركيا ويمدونها بالتمويل والدعم قادة في الجماعة، وتولوا مناصب سياسية قبل عزلها، بينهم يحيى موسى الذي وضع على اللائحة الأميركية، وشغل منصب المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة في عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي.

وخدمت عمليات الحركة المسلحة أهداف الإخوان وعبرت عن مواقفها، عندما استهدفت قضاة كان لهم دور في محاكمات قادة الجماعة.

ومع كل الرهانات المصرية على حدوث تغيرات في المواقف الدولية من التنظيمات المتطرفة، غير أنها حتى الآن ترى أن الإجراءات التي اتخذت حيال تنظيم الإخوان لا تنسجم مع الطموحات.

وتعي أجهزة الأمن أن تحولات العنف داخل الجماعة تأتي من منطلق اللجوء إلى تحالفات سرية مع فصائل جهادية تتبع داعش والقاعدة، وتشكيل فصائل مسلحة تابعة لها بمسميات مختلفة لمباشرة الحراك المسلح، في الوقت الذي تتبرأ فيه الجماعة في العلن من ممارسة العنف والإرهاب.

وتقوم الرؤية المصرية في مجال مكافحة الإرهاب على عدم تجزئة أو فصل كل ما يخدم جماعة الإخوان أو يمنحها فرصة للحضور في المشهد السياسي، وهو أمر بعيد المنال، لأن ترك مساحات لتنظيم الإخوان لمعاودة إنتاج نفسه وتجاوز هزائمه يمثل تهديدا لدولة لن تصفح عن الجماعة ما لم تتخذ إجراءات تؤكد حدوث تحول حقيقي في تصوراتها السابقة.

2