واشنطن تكرس بقاء موسكو في المستنقع السوري بالتهرب من التزامات فيينا

تجد موسكو نفسها هذه الأيام في وضعية صعبة، ففيما لم تتمكن ضرباتها الجوية في سوريا من إحراز نجاحات توازي تكلفة تدخلها في هذا البلد، تماطل بعض الأطراف ومن ضمنها واشنطن في تحقيق تقدم على الصعيد السياسي ينقذ الروس من المستنقع الذي أوقعوا أنفسهم فيه.
الأربعاء 2015/11/11
السوريون يهجرون بلدهم بعد يأسهم من إمكانية حل الصراع على المدى المنظور

دمشق - اتهمت موسكو ضمنيا الولايات المتحدة، بالتهرب من التزاماتها فيما يتعلق بمحادثات فيينا المتعلقة بحل الأزمة السورية، والتي تنطلق جولتها الثالثة السبت المقبل.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف “إن إحراز تقدم قبل اللقاء المقبل حول سوريا يبدو صعبا بسبب محاولات عدد من الدول التهرب من إنجاز العمل المطلوب”.

وأضاف “مجموعة كبيرة من شركائنا ما زالت تحاول التهرب من العمل الملموس، والمحادثات وتحصر القضية بنداءات مختصرة إلى ضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد”، معتبرا أن هذه المقاربة تؤدي إلى الانشغال عن العمل المجدي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يشكك فيها الروس في جدية بعض المشاركين وعلى رأسهم واشنطن في التعاطي مع التسوية السياسية للأزمة السورية التي بلغت عامها الخامس.

ففي وقت سابق انتقدت موسكو عدم تقديم الإدارة الأميركية قائمة بأسماء فصائل المعارضة السورية المسلحة التي ترغب في إشراكهم في العملية السياسية.

وأمس وفي معرض حديثه عن سوريا قال لافروف إن بلاده سبق أن أطلعت شركاءها في الملف السوري على “لائحتنا للمنظمات الإرهابية”، وتنتظر أن تؤول جولة محادثات جديدة إلى “لائحة موحدة لإزالة المشاكل بخصوص من يقصف من ومن يدعم من”.

وعقدت 17 دولة بينها الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران اجتماع في 30 أكتوبر في العاصمة السويسرية فيينا في محاولة لرسم معالم عملية انتقال سياسي في سوريا.

وصدر بيان دعا إلى إجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة وإلى لعب الأمم المتحدة دور الوساطة للتوصل إلى اتفاق سلام.

وتتمسك الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية والعربية الداعمة للمعارضة السورية بضرورة أن تؤدي أي عملية انتقالية إلى إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد.

بالمقابل يتسم الموقف الروسي بالتذبذب وعدم الوضوح في هذه النقطة الحساسة التي أضحت مفتاح حل الصراع في سوريا، فتارة يقول المسؤولون الروس إن ما يهمهم فقط هو الإبقاء على سوريا دولة علمانية موحدة، وطورا يشددون على شرعية الأسد وعدم إمكانية إقصائه إلا بقرار من الشعب يؤمنه الاستحقاق الانتخابي.

ويشكك كثير من المحللين في أن تأتي طاولة فيينا التي دعت لها موسكو بحل للصراع، معتبرين أن قبول الولايات المتحدة من البداية بالدعوة الروسية ليس في حقيقة الأمر إلا محاولة أميركية لكسب الوقت والمناورة، بعد أن فرضت موسكو أمرا واقعا جديدا بتدخلها مباشرة في الصراع.

فواشنطن لن تقبل بسهولة “رمي المنديل” وتمكين الروس من مفاتيح الحل في سوريا، وفق رؤيتهم الخاصة.

فرانك فالتر شتاينماير: ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل بشأن نتيجة الاجتماع الدولي حول سوريا

وهذا التشاؤم من مؤتمر فيينا يسجل أيضا لدى ألمانيا التي تواجه مدا كبيرا من اللاجئين كانت رحبت بهم في البداية، واليوم باتت تستشعر مخاطر أمنية جراء القبول بهم.

واعتبر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الثلاثاء، أنه ليس هناك “ما يدعو إلى التفاؤل” بشأن نتيجة الاجتماع الدولي حول سوريا الذي سيعقد السبت في فيينا بهدف وقف دوامة العنف.

وقال شتاينماير خلال مداخلة في برلين أمام مؤسسة كوربر إن “السعي إلى إنهاء دوامة العنف والفوضى المتناميين” هو الهدف “حتى وإن كنا لا نضمن أننا سنتوصل إلى ذلك”.

وأضاف أنه “لا يوجد أي سبب يدعو إلى التفاؤل ولا إلى الشعور بالبهجة”، قبل الاجتماع الثاني بعد اجتماع 30 أكتوبر.

وألمانيا حريصة أكثر من أي وقت مضى على إيجاد حل للصراع السوري، في ظل تزايد المخاوف من استمرار تدفق اللاجئين إلى أوروبا وبخاصة إليها، وما يعنيه ذلك من تداعيات كبيرة على القارة العجوز.

إلا أن حرص ألمانيا كما روسيا التي تجد نفسها في وضع جد مترد جراء تدخلها العسكري في سوريا يقابله برود أميركي.

وبدأت موسكو في 30 سبتمبر حملة جوية في سوريا تهدف إلى دعم القوات النظامية في مواجهة المعارضة المسلحة المدعومة أميركيا وإقليميا.

وقد أحدث التدخل الروسي صدمة لدى الولايات المتحدة والتي يبدو أنها نجحت في امتصاصها وإعادة ترتيب أولوياتها بالنسبة للمشهد السوري، وهذا لا يتضمن وفق البعض إنجاح مؤتمر فيينا الذي ترعاه موسكو.

وقررت واشنطن مؤخرا تعزيز حضورها في سوريا، عبر الإقرار بإرسال قوات خاصة قد يتم زيادة عددها في مرحلة مقبلة، تحت عنوان محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، كما هناك توجه أميركي للموافقة على الطلب التركي بإقامة منطقة عازلة في سوريا.

وأمس الثلاثاء قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن حلفاء لتركيا في المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية يقتربون من فكرة إقامة منطقة آمنة في سوريا، مضيفا أنه شهد تطورات إيجابية بشأن منطقة حظر طيران وتنفيذ عمليات جوية.

وأوضح أردوغان أيضا في تعليقات أذاعتها قناة “سي.إن.إن” على الهواء أن تركيا لن تتهاون مع تقدم مسلحين أكراد إلى الغرب من نهر الفرات الذي تخشى أنقرة أن يقود إلى إقامة ممر كردي بالقرب من حدودها.

وجدير بالذكر أن أنقرة كانت قد اشترطت إقامة منطقة عازلة في شمال سوريا لدعم عمليات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم داعش.

وترى تركيا أن إقامة مثل هذه المنطقة سيحقق جملة من الأهداف من بينها منع الأكراد من السيطرة على شمال سوريا وأيضا إعادة اللاجئين السوريين لديها وتوطينهم هناك، فضلا عن تحول منطقة شمال سوريا إلى منطلق آمن لعمليات المعارضة، ضد القوات النظامية والعناصر الأجنبية الحليفة لها.

ويعتقد محللون أنه سيسجل، في قادم الأيام مزيد من التنسيق بين تركيا والولايات المتحدة حول سوريا والوجود الروسي الذي يبدو أن واشنطن قد حسمت أمرها بتكريس بقائه وإغراق موسكو في المستنقع السوري.

وتتصاعد تكلفة العمليات العسكرية الروسية في سوريا يوما بعد يوم، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الروسي انكماشاً بسبب العقوبات الدولية، وانخفاض أسعار النفط.

وأفاد الكس كوكشاروف المحلل البارز في مؤسسة البحوث الدولية “أي إتش أس” ومركزها العاصمة البريطانية لندن، أن تكلفة العمليات العسكرية لروسيا في سوريا للفترة بين 30 سبتمبر و20 أكتوبر الماضي، تراوحت بين 80 و 115 مليون دولار أميركي.

وبالرغم من التكلفة المرتفعة إلا أن العملية العسكرية الروسية لم تحقق تقدما مهما باستثناء بعض النجاحات الظرفية والتي ظهرت أساسا في حلب، حيث تمكن النظام بدعم من الطيران الجوي الروسي من استعادة الطريق الدولي خناصر الثريا، وأيضا فك الحصار عن مطار كويرس العسكري المحاصر من أكثر من عامين من قبل تنظيم داعش.

20