واشنطن تكسر جدار صمتها عن ميليشيات الحشد الشعبي في العراق

التفات واشنطن لميليشيات الحشد الشعبي قد يكون إيذانا ببدء مسار محاصرتها وتحجيمها على غرار حزب الله اللبناني، في إطار الاستراتيجية المعلنة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمواجهة إيران التي ليست تلك الميليشيات وذلك الحزب سوى أذرع لها وحارسة لنفوذها.
السبت 2017/10/28
إلى جانب الحكومة لا تحت إمرتها

واشنطن - وصفت الخارجية الأميركية أبومهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المكوّن أساسا من ميليشيات شيعية تقاتل إلى جانب القوات العراقية، بالإرهابي.

وجاء هذا الموقف ليترجم انتباهة أميركية للدور السلبي للميليشيات في العراق تكسر حاجز الصمت الذي تواصل على مدار الحرب ضدّ تنظيم داعش واشتركت فيها قوات الحشد مستفيدة من الدعم الأميركي للقوات العراقية ككلّ والغطاء الجوّي الذي وفّره طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ذاتها لتلك القوات.

وقالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية هيذر ناورت في ردها على سؤال طرح أثناء الموجز الصحافي بشأن دور المهندس في معارك كركوك الأخيرة “هذا الشخص إرهابي”.ولفتت إلى أن المهندس “تم إدراجه على قوائم الإرهاب من قبل الولايات المتحدة عام 2009”.

وردّ مستشار الأمن الوطني العراقي فالح الفياض الذي يرأس أيضا هيئة الحشد الشعبي على كلام الناطقة الأميركية بأنّه «مرفوض ولا قيمة له»، معتبرا أنّ «أبومهدي المهندس من المدافعين عن الوطن ومقدراته ومن الذين حاربوا تنظيم داعش الإرهابي».

ويرى مراقبون في الخطاب الرسمي الأميركي الذي بدأ يروج بشأن الميليشيات الشيعية في العراق مقدّمة لحملة تصعيد ضدّها قد تشمل خطوات عملية لمحاصرتها عبر تجريمها وإدراجها على لوائح الإرهاب الدولي، وفرض عقوبات مالية عليها وعلى المتعاونين معها، على غرار الخطوات الأميركية التي تتوالى ضدّ حزب الله اللبناني الذي تجمعه أصلا علاقات وثيقة ببعض الميليشيات المشكّلة للحشد الشعبي في العراق إذ أنّه يعمل مثلها تحت جبّة طهران ويشكّل معها أذرعا لإيران في المنطقة.

وكان وزير الخارجية الأميركي قد استهل من العاصمة السعودية الرياض التي زارها مؤخّرا، “الحملة” على الميليشيات الناشطة في العراق حين قال إنّ على “الميليشيات الإيرانية الموجودة في العراق أن تغادر البلاد الآن وقد انتهت الحرب ضد داعش”.

وأثار كلام الوزير لغطا كبيرا كون الميليشيات التي تنشط على الأراضي العراقية مشكّلة في غالبيتها العظمى من عراقيين، لكن محلّلين اعتبروا كلام تيلرسون مقصودا للتعبير عن الارتباط الكبير لتلك الميليشيات بإيران وعملها لحسابها ما جعله ينعتها بالإيرانية دون تردّد.

وعاد تيلرسون، خلال زيارته الخميس لسويسرا، لانتقاد الارتباط العراقي الكبير بإيران قائلا في تصريحات للصحافيين في جنيف “نقول للعراق يجب عليكم تطوير القدرة على الاعتماد على أنفسكم، ومقاومة النفوذ الإيراني”.

ومع اقتراب الحرب على تنظيم داعش من نهايتها في العراق، برز مجدّدا الاعتماد على الميليشيات الموالية لإيران، خلال الصراع الذي نشب بين بغداد وأربيل حول استقلال كردستان العراق، حيث قامت فصائل الحشد الشعبي بدور كبير في استعادة المناطق المتنازع عليها من قبضة البيشمركة الكردية وأهمها كركوك.

وكان ذلك أحد وجوه ارتباط الميليشيات الشيعية بالسياسة الإيرانية، إذ أن إحباط تأسيس دولة كردية في المنطقة هدف حيوي لإيران كما أنّه هدف لتركيا.

لا نجاح لاستراتيجية ترامب ضد إيران دون قطع أذرعها في المنطقة وإحدى أقواها ميليشيات الحشد الشعبي

ولا يبدو من العسير على الولايات المتّحدة تصنيف شخصيات قيادية في الميليشيات الشيعية العراقية على لوائح الإرهاب بالنظر إلى سوابقها وتاريخها.

فأبومهدي المهندس -واسمه الحقيقي جمال جعفر إبراهيم- مطلوب لدى أكثر من دولة ولدى الأنتربول ضمن عدد آخر من المتهمين جلّهم أعضاء في حزب الدعوة الإسلامية الحاكم حاليا في العراق، بتفجير السفارتين الأميركية والفرنسية بالكويت في ديسمبر 1983، وهو محكوم بالإعدام في الكويت، واسمه مدرج على لائحة المنع من الدخول في العشرات من دول الإقليم والعالم.

ورغم ذلك فإن محاصرة الميليشيات الشيعية في العراق من قبل الولايات المتحدة لا تخلو من تعقيدات تتمثّل خصوصا في اندماجها ضمن نسيج الدولة العراقية وتغلغلها في مؤسّساتها واختلاط نفوذ كبار قادتها بسلطات حكومة بغداد المعتبرة ضمن حلفاء واشنطن والمدعومين من قبلها.

وينطبق ذلك على حزب الله اللبناني الذي لم يمنعه تصنيفه على لوائح الإرهاب وملاحقته في عدّة قضايا من أن يكون شريكا في الحكومة اللبنانية وجزءا منها.

والميليشيات المشكّلة للحشد الشعبي في العراق، مصنّفة بشكل رسمي كجزء من القوات المسلّحة الخاضعة لإمرة رئيس الوزراء الذي يشغل أيضا منصب القائد العام لتلك القوات.

ويعلم الجميع أن ذلك التصنيف شكلي وصوري إلى أبعد الحدود بهدف توفير مظلّة قانونية للحشد، وأن التبعية الفعلية للميليشيات المشكّلة له هي لقادتها النافذين من أمثال قيس الخزعلي قائد ميليشيا عصائب أهل الحق وهادي العامري زعيم ميليشيا بدر التي ينتمي إليها أبومهدي المهندس، وكلّهم مرتبطون بإيران ويتلقّون أوامرهم بشكل مباشر من قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني.

ولا يبدو فتح الولايات المتّحدة لملف الميليشيات في العراق الآن محض صدفة، فهو مرتبط بنهاية الحرب على تنظيم داعش، وهي الحرب التي شاركت فيها الميليشيات الشيعية بشكل فاعل واكتسبت من خلالها قدرا غير مسبوق من القوّة إذ غدت بما حازته من أسلحة وما اكتسبته من خبرات تنظيمية وقتالية، بمثابة جيش طائفي رديف للقوات النظامية العراقية.

ولا تشكّ واشنطن في أنّ إيران ستستخدم الحشد أداة للسيطرة الميدانية في العراق، ولحراسة نفوذها هناك، خصوصا وأنّ العمل يجري حثيثا على إشراكه كقوّة سياسية في الانتخابات القادمة المقرّرة لربيع العام المقبل ليصبح بذلك شريكا رسميا في صنع القرار ورسم السياسات.

ومن هذا المنظور تكون الانتباهة الأميركية للميليشيات الشيعية في العراق جزءا -ليس أساسيا فقط بل ضروريا- من الاستراتيجية الأميركية المعلن عنها حديثا لمحاصرة إيران ومواجهة سياساتها المزعزعة لاستقرار الإقليم، إذ لا نجاح لتلك الاستراتيجية -يقول المحلّلون- دون قطع الأذرع الإيرانية الممتدة في عدّة بلدان عربية من اليمن إلى سوريا ولبنان والعراق، وإحدى أقوى تلك الأذرع ميليشيات الحشد الشعبي المشكّل من حوالي 140 ألف مقاتل منظّمين ومسلّحين ومدرّبين ومعبّئين -وهو الأخطر- عقائديا وطائفيا.

3