واشنطن تُنهي دور طهران في معارك العراق القادمة ضد داعش

الجمعة 2015/04/17
دحر داعش وكبح جماح الميليشيات الموالية لإيران مهمتان متحايثتان لضمان وحدة العراق واستقراره في المستقبل

واشنطن - أسهمت الحرب الأخيرة التي استهدفت تنظيم “الدولة الإسلامية” في تكريت، في فضح الخطر الداهم الذي لا تقل ممارساته وحشية عن جرائم داعش والمتمثل في الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. ويبدو أنّ الولايات المتحدة الأميركية قد استقت العبرة من تلك المعركة، من خلال إعلانها أنّه لن يكون هنالك دور لإيران، ولا لميليشياتها في المعارك القادمة التي تستهدف المتشددين على الأراضي العراقية، وهو ما يعتبره الباحث جيمس جيفري، قرارا حكيما على المستويين العسكري والسياسي، في دراسة صادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.

مازال العراق يحظى بأهمية كبرى لدى الأميركيين، رغم تشابك الأوضاع في الشرق الأوسط وحدّة الأزمات الأخرى العالقة في كلّ من سوريا واليمن، حيث أنّ العراق يشكل في نظر واشنطن عنصرا مترابطا ومهمّا في فسيفساء الشرق الأوسط كأي عنصر آخر، وبالتالي فهو يستحقّ قدرا كبيرا من الاهتمام.

ينصبّ التركيز الأميركي هذه الأيام، عقب الزيارة الأخيرة التي أدّاها، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى البيت الأبيض، على مدى اليومين الماضيين، على ضرورة تحديد الخطوات المقبلة في الحرب التي تشنها القوات العراقية مدعومة بقوات التحالف الدولي لردّ تمدّد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وكان نائب الرئيس الأميركي، جون بايدن، قد ألقى خطابا في “جامعة الدفاع الوطني”، منذ أيام، ركّز فيه على العراق، ولفت إلى أنّ تنظيم “داعش” فقد الزخم الذي كان يتمتّع به مع تقدّم قوى الائتلاف عليه، كما ذكر أنّ المرحلة القادمة ستشهد المزيد من العمليات الهجومية ضدّه.

ولذلك فإنّ تنظيم هذه العمليّات سيكون حاسما ليس للفوز في ساحة المعركة فحسب، بل أيضا لتحضير السيناريوهات لفترة “ما بعد” الهجمات، بهدف الحفاظ على العراق خاليا من الإرهابيين والعنف الطائفي على المدى الطويل.

الخيارات المحتملة

في أعقاب الانتصار على تنظيم “الدولة الإسلامية” في تكريت، أُتيحت أمام الائتلاف العديد من الخيارات، بينما تشير التقارير الإعلامية إلى نقاش حول احتمالَيْن؛ الأوّل هو إمكانية استخدام “مقترب بغداد – تكريت” للتصدي لـ “داعش” في محافظة الأنبار، وهي منطقة صحراوية كبيرة يسكنها العرب السنّة وتمتد من غرب ضواحي بغداد حتى الحدود الأردنية السورية، مع الإشارة إلى أنّ معظم المحافظة تخضع لسيطرة التنظيم المتشدد أو تتعرّض للضغط من قبل عناصره. أمّا الاحتمال الثاني فيتجلّى في إمكانية استخدام محور “تكريت – أربيل – بيجي” للتّوجّه إلى مدينة الموصل، التي تُعتبر “العاصمة” غير الرسمية لـ تنظيم “الدولة الإسلامية” في العراق.

الفرق الاستشارية الإيرانية لن تكون ضرورية ولا مرغوب فيها في الهجوم القادم، وهو كذلك الأمر بالنسبة للميليشيات الشيعية

ويحظى هذان الاحتمالان بتبريرات داعمة قويّة. فتنظيم “القاعدة” في العراق، الذي يعتبر سلف تنظيم “داعش” لطالما اعتبر الأنبار والموصل مقرا للقيادة. وقد تسبب انسحاب القوات العراقية في يناير 2014 من الفلوجة، بطلب من رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي حينها، إلى سقوط المدينة بشكل شبه تلقائي. وقد تسبب ذلك في عودة تنظيم “القاعدة” إلى العراق، والّذي يتجلى حاليا على شكل تنظيم “داعش” الأكثر فتكا.

وجاءت الضربة الأكبر للعراق في يونيو 2014 مع سقوط الموصل، الذي شمل هزيمة عشرات الآلاف من قوات الحكومة العراقية وخسارة محافظتين بأكملهما.

ولذلك فإنّ إلحاق تنظيم “داعش” لأي من هذه المعاقل التي صنع بالسيطرة عليها مآثره الإجرامية ومجده الموهوم، سيفسّر على نطاق واسع بأنه اضمحلال لهذا التنظيم، خاصة في ظل الانخفاض التدريجي لعدد المجندين الأجانب الذين يلتحقون به، على الرغم من عدم التأكّد من صحة هذا الأمر حتى الآن.

وانطلاقا من ذلك، تشير الدراسة، إلى أنّ الخطوة الهجومية القادمة في عمق أراضي “داعش” ستكون أكثر تعقيدا وصعوبة من استعادة تكريت، وستطرح مسألة تحديد هوية القوات البرية التي ستقاتل العدو على الجبهة الأمامية.

وقد جاءت إجابة واشنطن سريعة في هذا الصدد، من خلال تدريب قوة تتألف من العناصر الرئيسية للألوية التسعة التابعة للجيش العراقي وتجهيزها، وستُضاف إليها ثلاثة ألوية من قوات “البيشمركة” الكردية، وهي قوات تضم ما بين 2000 و 5000 جندي في كل لواء، عندما يجري العمل على استعادة السيطرة على الموصل.

ويرجح أن تشارك وحدات عادية أخرى من القوات العراقية و”البيشمركة” (الموثوقة) التي كانت قد أثبتت فعاليتها في القتال ضد تنظيم “داعش”، ومن بين هذه القوات من الجانب الحكومي، “قوات مكافحة الإرهاب” الفعاّلة جدا، وبعض وحدات الدبابات والمدفعية المجهزة من الولايات المتحدة، وقوات الشرطة الوطنية، بالإضافة إلى قوات “البيشمركة” حول الموصل. وقد تشارك كذلك بعض الوحدات المحلية السنيّة من بنية “الحرس الوطني” الناشئ، بما فيها عشائر الأنبار وبقايا من شرطة الموصل في الشمال.

القرار الأميركي معقول عسكريا وحكيم على الصعيد السياسي أيضا، ومن شأنه أن يضيق على التمدد الإيراني في العراق

الحد من دور إيران

لن تكون الفرق الاستشارية الإيرانية ضروريّة ولا مرغوب بها في الهجوم القادم (شأن ما حصل في تكريت حيث كانت مدعومة بالمدفعية والصواريخ الإيرانية) وهو كذلك الأمر بالنسبة للميليشيات الشيعية الخاضعة للنفوذ الإيراني.

وقد أعلن الجيش الأميركي أنّه لن ينسّق مع الإيرانيين أو الميليشيات المرتبطة بهم في المستقبل، كما أكّد نائب الرئيس، جون بايدن، في ملاحظاته التي ساقها في محاضرته التي ألقاها يوم 9 أبريل، بحزم على هذا الموضوع.

ويشمل هذا الاستثناء الأميركي جل الميليشيات الشيعية الموالية لإيران شأن “منظمة بدر”، و”عصائب أهل الحق” و”كتائب حزب الله”. ويبقى القرار غير محسوم في ما يتعلق بـ”لجان الحشد الشعبي” التي تخضع لسيطرة الحكومة العراقية إلى حدّ ما.

وأوضح جيمس جيفري في دراسته أنّ الجيش الأميركي ربما يلتجئ إلى التنسيق -عن طريق الحكومة العراقية- مع الميليشيات الشيعية في “لجان الحشد الشعبي”، وليس مع الميليشيات المدعومة من إيران، وهذا بالفعل ما فعله في تكريت؛ فمع بداية الغارات الجوية الأميركية، بقي المستشارون الإيرانيّون والميليشيات “التابعة لهم” خارج الحرب، بينما واصلت العناصر الشيعية وبعض العناصر السنية من “لجان الحشد الشعبي” القتال، ولكن تحت قيادة الجيش العراقي.

ونظرا إلى ندرة القوات النظامية العراقية الموثوق بها، والحدود القائمة على “قبول” قوات “البيشمركة” التابعة لـ “حكومة إقليم كردستان” خارج المناطق الكردية، تبرز ضرورة أن تعتمد الولايات المتحدة وبغداد على القوات العربية السنية غير النظامية ومقاتلي العشائر الذين طالما كان لهم دور فعال في التصدي للتنظيم الإرهابي رغم التهميش المنظّم الذي يستهدف دورهم.

ولا يعتبر هذا القرار معقولا من الناحية العسكرية فحسب، بل هو حكيم على الصعيد السياسي أيضا، ومن شأنه أن يضيّق من التمدد الإيراني في العراق في المستقبل، ويحول دون تقسيم البلاد على أساس طائفي ومذهبي تسعى له طهران بكل ما أوتيت من جهد.

المعارك القادمة لدحر تنظيم "داعش" في العراق تستوجب أن تدعم الولايات المتحدة دور العشائر العربية السنيّة وتعزّز فعالية الألوية العراقية وقوات "البيشمركة" القتالية في المعركة

وتستوجب المعارك القادمة لدحر تنظيم “داعش” في العراق، أن تدعم الولايات المتحدة دور العشائر العربية السنيّة وتعزّز فعالية الألوية العراقية وقوات “البيشمركة” القتالية في المعركة، من خلال إشراك فرق استشارية عسكرية أميركية في كل من كتائب المناورة التابعة لكلّ لواء، فضلا عن منسقي الدعم الجوي عن قرب. ومن المحتمل أيضا إرسال خبراء في الهندسة القتالية بهدف التعامل مع الألغام والفخاخ المتفجرة.

وقد تخفّف هذه الخطوات من الحاجة على الأقل إلى الميليشيات الشيعية غير النظامية المدعومة من إيران، التي أساءت التصرف مرارا في المناطق السنية، وبالتالي لن يكون لهذه الميليشيات مكان في المرحلة المقبلة من القتال.

وتخلص الدراسة الصادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أنّ معركة تكريت اُعتُبرت هزيمة، ليس فقط لتنظيم “داعش”، بل وكذلك لإيران وأصدقائها.

ويعتبر ذلك انتصارا لنظام الدولة القومية على القوات غير النظامية والأيديولوجية عبر الوطنية. وهذا هو النموذج الذي يمكن للولايات المتحدة استخدامه لدحر “داعش” في الأنبار والموصل، وهو ما عليها القيام به.

6